Search
728 x 90

النظام الاقوى من دولته ومن كل نظام !

النظام الاقوى من دولته ومن كل نظام !

حادثة قبرشمون كشفت حقيقة لا تبدو قابلة للتبدل في لبنان وهي ان النظام العميق الوحيد الذي يحكم البلاد هو نظام القوة الطائفية لا النظام الدستوري الضعيف المتهالك بفعل الانتهاكات الدائمة التي اصابته وتصيبه وتحوله ورقة تين واهية للنظام.

درجت ألاحزاب التي كانت تصنف في خانة اليسار التقليدي سابقا في لبنان والتي تلتقي معها غالبا اوساط العلمانيين لجهة مناهضة التصنيف الطائفي وتقسيماته الآسرة والبالغة القوة في الدولة والإدارة والسلطة كما في المجتمعات اللبنانية المتعددة الطوائف على مقولة شهيرة هي ان النظام الطائفي في لبنان هو النظام في المطلق ولا نظام حقيقيا سواه .

تأبى تركيبة لبنان في عمقها وظروفه السياسية الداخلية والخارجية بعد نحو ثلاثة عقود على نهاية الحروب الخارجية والداخلية عليه وفيه الا ان تثبت وجهة نظر كان اللبنانيون في غالبيتهم الساحقة يطمحون الى سقوطها بل اسقاطها من خلال نظام محدث ومتطور يخفف تدريجاً غلواء السطوة الطائفية ونزعاتها العصبية والمتعصبة . ولعل المفارقة الشديدة السلبية التي برزت في الحقبة التي واكبت التسوية التي ادت الى وصول العهد العوني الى سدة الحكم تتمثل في ان مفهوم الرئيس القوي الذي تحول شعاراً آسراً للقوى المسيحية وألزم القوى المسلمة مجاراته والتسليم بالكثير من أدبياته المزايدة والمبالغة في توجيه السياسات الداخلية لم يكن واقعياً الا مطية اضافية لتسعير النزعات الطائفية والمذهبية التي كانت اساساً جاهزة ومتحفزة لرفع وتيرة الاستنفارات الطائفية والمذهبية عقب حقبة الصراع الحاد والدامي مرات في الأعوام التي سبقت العهد العوني .

ذلك انه يتعين الاعتراف الموضوعي بأنه على قتامة الأحداث التي حصلت إبان انقسام لبنان بين معسكري 14 آذار و8 آذار والتي انفجرت بوجوه دامية مع حرب الاغتيالات المنهجية التي استهدفت زعامات وكوادر سياسية واعلامية ونخباً من قوى ثورة الارز وصولا الى اجتياح حزب الله لبيروت وقيامه بعملية مسلحة ضد تيار المستقبل تمددت الى الجبل فإن ذلك الواقع بدا اقل طائفية ومذهبية من زمن التهدئة والتسوية الذي قام بعد انهيار تحالف 14 آذار بفعل التسوية الرئاسية ولأسباب اخرى رديفة معها .

فتحالف 14 آذار الذي قام على أسس سيادية واستقلالية في المقام الاول احدث واقعاً عابراً للطوائف والمذاهب فرض على تحالف حلفاء النظام السوري وايران في المقابل ان يتشبه بتعدديته . ومع ان الصراع السني الشيعي في المنطقة انسحب على لبنان بقوة خصوصاً بعد اندلاع الحرب في سوريا فإن الطابع التعددي للتحالفين المتصارعين ظل بمثابة مخفف ولو نسبي للنزعات الطائفية الحادة الى ان اندثر الإطار الجبهوي الواسع للصراع الداخلي وعادت السياقات الطائفية تطغى بكل ثقلها على كل اوجه السلطة والإدارة السياسية للصراعات او التسويات .

بدا واضحا ان المسيحيين الذين انتابتهم موجات التآكل بالهجرة والتناحر السياسي في ما بينهم ومع الآخرين لم يمتلكوا سوى استراتيجية واحدة يتفقون عليها لمواجهة مد تداعيات الصراعات الاقليمية المهددة بانقراض المسيحيين والاقليات في كل المنطقة فكان شعار الرئيس القوي، هذه الاستراتيجية تحديدا التي شكلت الخط البياني الجامع بشكل نادر للقيادات الحزبية القوية ذات التمثيل العريض للقواعد المسيحية .

مع انتخاب الرئيس الحالي العماد ميشال عون سلم المسلمون لشركائهم باسلاس القيد الى نهاياته بإعادة تحريك القواعد الطائفية في حين ان النزاع المذهبي الضمني بين السنة والشيعة كان الحافز الأصلي لاطلاق مارد الطائفية والمذهبية من قمقمه مجددا .

لم تكن الازمات المتعاقبة في السنتين والنصف سنة الاخيرة الا من طبيعة طائفية متفاقمة خصوصاً مع الاتجاهات الجامحة للمحيطين بالعهد والرئيس الى اعادة ما يصفه مناهضوهم بزمن المارونية السياسية .

ادت هذه الاتجاهات الى حشر الشريك السني الاول للعهد، اي رئيس الحكومة سعد الحريري، في صورة التنازل دوماً عن صلاحياته عبر مماشاته لرجل العهد القوي جبران باسيل الذي بات اشبه بحاكم الظل ولو على حساب الضعف الذي اصاب صورة الرئيس الحريري .

لن يستقيم الامر طويلا حتى تنفجر مجموعة اشكاليات بين شركاء التسوية خصوصاً ان انهيار توافق معراب بين العهد والرجل القوي المسيحي الاخر سمير جعجع المنافس الحتمي لجبران باسيل ومعهما سليمان فرنجية على معركة الرئاسة المقبلة سيذكي المزايدات المسيحية في مقابل اضطرار الحريري الى الدفاع دوماً عن تمسكه بالتسوية والا خرج من السلطة .

تشاء ظروف لبنان وأقداره ان تنفجر حادثة في بلدة قبرشمون في منطقة عاليه، احدى مناطق النفوذ الساحق للزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وتتخذ طابعا فتنوياً مزدوجاً بين الدروز انفسهم وبينهم وبين المسيحيين . مع ان الصدام كان درزياً درزياً فإن المسبب الاساسي له كان ارتفاع وتيرة المناهضة في الشارع الدرزي لسياسات جبران باسيل والعهد كلا . عادت التوترات ذات الطابع الطائفي بقوة مخيفة . ولكن خروج وليد جنبلاط بصورة الزعامة الدرزية التي لا تزال تحتفظ بكامل قوتها اعاد الحسابات لدى خصومه رأسا على عقب لتطغى حقيقة لا تبدو قابلة للتبدل في لبنان وهي ان النظام العميق الوحيد الذي يحكم لبنان هو نظام القوة الطائفية لا النظام الدستوري الضعيف المتهالك بفعل الانتهاكات الدائمة التي اصابته وتصيبه وتحوله ورقة تين واهية للنظام الآسر الذي يطغى عليه ويحجبه وغالباً ما يحوله مشجباً شكلياً تعلق عليه طقوس جمهورية تدار فعلياً من المقار السرية للطوائف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات