Search
728 x 90

” النأي بالنفس “الخرطوشة الاخيرة؟

” النأي بالنفس “الخرطوشة الاخيرة؟

هل تكون العودة الى “اعلان بعبدا” او النأي بالنفس او سمه ما شئت آخر خرطوشة للإنقاذ؟ هذا ما بدا من المواقف الخارجية المتتالية التي اختصرها وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو قائلاً بصراحة أن بلاده لن تترك لبنان لإيران فيما لفتت حركة ديبلوماسية داخلية شملت الدول العربية والغربية محورها عودة لبنان الى النأي بالنفس. وتوّجها موقف للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي طالب رئيس الجمهورية بفك الحصار عن الشرعية وتحييد لبنان مطالباُ الأمم المتحدة بالعمل على الحفاظ على استقلال لبنان وسيادته.
بدت الأمور انها تجاوزت خطاً احمر كبيراً تم التعبير عنه اقتصادياً بإعلان الأمم المتحدة “ان الوضع في لبنان يخرج بسرعة عن السيطرة وعلينا التحرك قبل فوات الأوان ” فيما ان رئيسة صندوق النقد الدولي كانت أعلنت قبل أيام ان قلبها ” ينفطر على لبنان “.
فهل لا يزال ” اعلان بعبدا” ممكناً بعد 8 اعوام من رفضه من ” حزب الله” او ما يمثله في ظل رفض هذا الأخير لاستعادته وإن بتسمية أخرى، ام ان الامر غدا صعباً جداً في ظل تطورات دفعت بلبنان بعيداً جداً من الاستخدام في قلب المواجهة بين ما يسمى ” محور الممانعة” والمجتمع الدولي. 
فبين الضغط الخارجي لتحرير لبنان مما يعتبره “قبضة” ايران عليه، وبين الضغط الداخلي الذي يدعو الى “تحرير” قراره من حزب الله… يجثو لبنان بين المطرقة والسندان فيما المجتمع الدولي يطالبه : “ساعدونا لنساعدكم” ، كما قال بحرقة واضحة وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان مرفقاً دعوته بعبارة bon sang التي تعني بالعربية “بحق السماء”… او الجحيم.

منذ 8 اعوام

17 بنداً اختصرت اعلان بعبدا في ذلك الاثنين من 11 حزيران 2012 في هيئة الحوار الوطني في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان ومشاركة أفرقاء الحوار. وقد “تغيّب منهم الرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع، كما تغيب الوزير محمد الصفدي بداعي المرض”، وفق ما جاء في نص الاعلان الرسمي.

من بين هذه البنود، ثلاثة بنود اساسية قد تبرر اليوم عودة “اعلان بعبدا” الى دائرة الضوء في اعقاب كسر “عراب” الاعلان الرئيس ميشال سليمان – الى جانب الاشتراكي- مقاطعة مختلف الافرقاء للّقاء الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون اخيراً في 25 حزيران 2020 في بعبدا.

البند الاول هو البند الخامس الذي يشدد على “دعم الجيش على الصعيدين المعنوي والمادي بصفته المؤسسة الضامنة للسلم الأهلي والمجسّدة للوحدة الوطنيّة، وتكريس الجهد اللازم لتمكينه وسائر القوى الأمنيّة الشرعيّة من التعامل مع الحالات الأمنيّة الطارئة وفقاً لخطة انتشار تسمح بفرض سلطة الدولة والأمن والاستقرار”.

وهو بند تركّز عليه اليوم كل الدول الخارجية، غربية كانت ام عربية، مشددة على دور الجيش

اللبناني وحيداً لحفظ الامن. وهذا ما اكده قائد القيادة الوسطى الأميركية الجنرال كينيث ماكينزي في زيارته الاخيرة لبيروت في 8 تموز 2020 حين قال:” لبنان شريك مهم للولايات المتحدة وسنستمر في دعم الجيش اللبناني بصفته الممثل المسلح الوحيد لحكومة لبنان”، كما هذا ما حرصت عليه دول الاتحاد الاوروبي، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا مقدمة المساعدات العسكرية للجيش، على رغم اعتبارها ان الحكومة اللبنانية الراهنة هي “حكومة يحكم عليها حزب الله قبضته” او على اقله “حكومة اللون الواحد” كما تقول.

اما البند الثاني – وهو البند الثاني عشر – فنصّ على “تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب إلتزام قرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، بما في ذلك حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم.”

ويرتبط مبدأ “النأي بالنفس” مباشرة بالبند 13 مؤكداً “الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين…”

ويمثل هذان البندان مبدأ ابعاد تورّط لبنان بمشاكل المنطقة – اي مشاركة حزب الله في الحرب السورية – الذي يطالب به المجتمع الغربي … والذي كلف لبنان عدم الالتزام بالنأي بالنفس فعلياً عزلة عربية – ولا سيما خليجية – شبه شاملة، ناهيك عن ضغط اقتصادي مضطرد خانق ولا سيما بعد دعوة الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الى التوجه شرقاً في مواجهة “قانون قيصر” الاميركي الذي يعرّض كل من يتعامل مع نظام بشار الاسد للعقوبات المباشرة … وهذا ما دفع بنصر الله في اطلالته في 7 حزيران 2020 الى الاستدراك قائلاً ان ” التوجه شرقاً لا يعني قطع العلاقات مع الغرب، وأي دولة لديها استعداد أن تساعد لبنان وأن تضع ودائع وتقدم قروض وغيره فإنه أمر منفتحون عليه، باستثناء إسرائيل”.

وبين الشرق والغرب، تدّخل البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لمناشدة الرئيس ميشال عون بحدّة “العمل على فكّ الحصار عن الشرعية والقرار الوطني الحر” في اول نداء مباشر من نوعه، يهدف الى استرجاع دور بكركي الوطني الجامع، كما قال مصدر كنسي لم يستبعد ان تتم الدعوة الى لقاء مسيحي “ينظّم” الصفوف المسيحية – ان لم يتمكن من رصّها- في هذا الظرف المصيري من حياة الوطن. علماً ان آخر اجتماع ماروني تحت قبة بكركي كان في 19 كانون الثاني 2019 تحت شعار اطلاق صرخة “انقاذ الوطن”.

واضاف المصدر نفسه ان الكرسي البطريركي لن يتخلى عن دوره الذي وصفه البطريرك أنطون بطرس عريضه في مؤتمر بكركي في 25 كانون الأول 1941 “بالصرح الوطني الذي ليس وقفاً على الطائفة المارونية فحسب، بل هو بيت جميع اللبنانيين، ووقف للمصلحة اللبنانية لا فرق فيه بين طائفة وأخرى”.

واذا كان الضغط الغربي، ولا سيما الاميركي، يهدف الى ابعاد لبنان عن الفلك الايراني، او على اقله التخفيف من سيطرة ايران على لبنان، فإنه يأتي “مدوزناً” منعاً لخسارة لبنان لمصلحة “محور الممانعة” او للإنهيار الكامل الذي سيطيح بالوطن برمّته من دون اي امل بالنهوض مجدداً.

يقف الغرب على صراع داخلي عميق بين نفسه لجهة ترك لبنان يعاني تبعة مسؤوليه وخيارات هؤلاء القاتلة ومحاولة عدم ترك اللبنانيين يعانون تبعات لامبالاة مسؤوليه وملاحقة هؤلاء مصالحهم واهدافهم الخاصة وحماية مواقعهم فحسب.

وهذا الصراع يفسر المسعى الغربي لمنع تقديم اي مساعدة تؤدي الى تعويم اهل السلطة في مقابل العمل على منع غرق قطاعات اساسية سيصعب قيامتها بعد انهيارها. لعلّ رهان اهل السلطة في محله بإمكانهم المضي قدماً ومن دون اي محاذير في تأمين مصالحهم وعدم القيام بأي اصلاحات في ظل اقتناع بأن الدول الخارجية التي تهتم بلبنان لا بد ان تسارع الى المساعدة في شكل من الاشكال، ما يتيح لهم الاستمرار من دون تقديم اي تنازلات.

ومن هنا الحرص الغربي الذي ظهر في السعي الى انقاذ القطاع التربوي في لبنان – مدارس وجامعات – عبر تقديم المساعدات المباشرة لها منعاً لهجرة النخبة الشبابية، او، على أقلّه، لوضع حد معقول لها. وهذا ما فعله كل من الفاتيكان وواشنطن وباريس. فالبابا فرنسيس اعلن في 14 ايار 2020 إرسال 200 ألف دولار أميركي للمساعدة في توفير 400 منحة دراسية للطلاب، كما دعمت واشنطن جامعتي LAU و AUB، وباريس 53 مدرسة خاصة تطبق البرنامج الفرنسي في لبنان .

وفي الموازاة، يأتي بندان اضافيان ليشكلا حاشية للبنود الثلاثة المذكورة اعلاه. فالبند السادس يدعو لدعم ” سلطة القضاء تمكيناً من فرض أحكام القانون بصورة عادلة ومن دون تمييز” فيما يقضي البند السابع بالدعوة الى ” تنفيذ خطة نهوض اقتصادي واجتماعي في مختلف المناطق اللبنانيّة”.

واذ اندرجت هذه البنود في اطار المطالبة الخارجية بتنفيذ الإصلاحات الذي لم يتحقق منه سوى الجزء اليسير اليسير عبر البعض من التعيينات… وان اتسّمت بالمحاصصة السياسية الواضحة والفاضحة.

فالجميع يطالب بقضاء مستقل يستطيع محاسبة الفاسدين متى تم القبض عليهم، كما بخطة اقتصادية انقاذية بات لبنان يعرف اكثر من 6 او 7 نسخ منها على الورق الوزاري… وطبعاً من دون تنفيذ.

فهل تكون العودة الى “اعلان بعبدا” بعدما شهدت دارة عرّابه الرئيس ميشال سليمان حركة دبلوماسية خليجية ناشطة في الآونة الاخيرة خصوصاً ان الخطة الانقاذية لحكومة سعد الحريري بقيت حبراً على ورق… كما الخطة الانقاذية التي اعلنتها حكومة حسان دياب رغم تأكيد الاخير انه حقق 97% من بنودها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات