Search
728 x 90

المعارضة اللبنانية :انحسار خطير امام أخطار إنقلابية !

المعارضة اللبنانية :انحسار خطير امام أخطار إنقلابية !

تبدو القوى المعارضة الأساسية في واقع سيّء ومفكك. وحدها مسألة الخطر على الودائع المصرفية والمسّ بالمودعين حركت أخيراً ملامح تحفيز لعودتها. فهل هذه مجرد محطة فيما المطلوب سياسات مواجهة ثابتة وجادّة تعيد ترميمها؟

بدا طبيعياً ان تثار تساؤلات وشكوك كثيفة في الآونة الأخيرة حول مآل السياسات الحكومية اللبنانية المتصلة بأسوأ كارثة اقتصادية ومالية عرفها لبنان في تاريخه وباتت في ظل الكارثة الموازية لانتشار فيروس كورونا في لبنان تنذر بأوخم التداعيات. ذلك ان الامر لا يتصل فقط بالمخاوف المتعاظمة التي اثارتها تسريبات حول اقتراحات تدرسها الحكومة في شأن اقتطاعات بنِسَب ضخمة من ودائع اللبنانيين في المصارف عبر ما يسمى عمليات هيركات مصرفية بل ان العامل المؤثر بسلبية كبيرة في مسار الامر يتمثل في انعدام توازن سياسي يكاد يكون غير مسبوق الا في بعض حقبات السيطرة السورية على لبنان في عصر الوصاية السورية التي انتهت في العام 2005 .

والمقصود بذلك ان الحقبة الحالية التي أعقبت تأليف حكومة الرئيس حسان دياب والتي لم تنه بعد المئة يوم الأولى من عمرها تشهد انحساراً مقلقاً للغاية في التوازنات السياسية التي يدرك الخبراء في الواقع اللبناني الداخلي والمتصل بالواقع الإقليمي والدولي الخطورة القصوى التي تترتب على أي اتجاهات متفردة في السياسات المصيرية اذا تحكم فريق او تحالف من لون محوري داخلي او إقليمي واحد بها .

وقد بدأت ملامح هذه الثغرة الاستراتيجية في الواقع الحالي تتبدى وتتصاعد منذ أيام فقط في ظل تكشف بعض معالم الخطورة المتصاعدة الناشئة عن وضع الحكومة مشروعاً للإنقاذ المالي والاقتصادي بدا في جوانبه الخلفية اشبه بمشروع انقلابي كامل على النظام الاقتصادي والمصرفي مع ما يمكن ان يرتبه من تداعيات تفجيرية على مجمل الوضع اللبناني .

بطبيعة الحال تأبى طبيعة التركيبة اللبنانية عادة وفي الظروف العادية تمرير أي مشروع يحمل خطورة انقلابية سواء في البعد السياسي والأمني او البعد الاقتصادي والمالي فكيف بظروف انهيارية كتلك التي انزلق اليها لبنان منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية فيه في 17 تشرين الأول 2019 الماضي .

وبمعزل عن الأخطاء الاستراتيجية التي تبدو متحكمة بتفكير تبسيطي يسير الإدارة السياسية لهذه الحكومة عبر رئاسة ووزراء يغلب عليهم النمط الأكاديمي المفتقر الى العمق والخبرة والمراس في السياسة فإن الجانب الآخر من المسؤولية الضخمة التي يمكن ان تبرز في هذا السياق تتصل بواقع المعارضة المفككة والمشتتة والتي باتت منذ أمسكت الحكومة الحالية بزمام السلطة في واقع مغيب تقريباً .

واذا كان من عيّنة عملية معبرة عن الأثر السلبي العميق والخطير لهذا الانحسار في النبض المعارض فهي في مفارقة ولا اغرب تتمثل في رهانات بعض الاتجاهات المعارضة للعهد والحكومة على بعض الخصوم والشركاء في الوقت نفسه من ضمن الصحن السلطوي كرئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية اللذين يتقارعان غالباً بعض الاتجاهات الحكومية والسلطوية حين تتعارض ومصالحهما على غرار نجاحهما أخيراً في وقف التعيينات في حاكمية مصرف لبنان او منع إقرار مشروع كابيتال كونترول لقوننة تحكم المصارف بالسحوبات المالية او سواهما من المشاريع والخطوات .

ومع ذلك فإن التعويل على معارك المصالح المتضاربة لأهل السلطة لتعويض الدور المنحسر للمعارضة بدا اشبه بفصل دراماتيكي كأنه يمهد لتطبيع امر واقع شديد الوقع على مجريات الأمور الداخلية .

وساهم في رسم هذه الخلفية الخطيرة ان حكومة دياب لم تقصر لحظة في توظيف بعض الاداءات الإيجابية التي أظهرتها في مواجهة ازمة الانتشار الفيروسي من خلال خطط التعبئة او الاستنفار الواسع لتجهيز المستشفيات الحكومية في سائر المناطق اللبنانية لمواجهة الاحتمالات الأشد سوءاً والسعي الى جعل هذه الخطوات بمثابة اثبات لسلطة حكومية متفوقة على سابقاتها.

والواقع ان هذه الاتجاهات لا تبدو امراً بعيداً من الحسابات الجدية لان أحداً لا يتملكه وهم امكان استبدال هذه الحكومة اقلّه لوقت طويل بعد بأي حكومة أخرى بديلة، ولذا فإن بناء حكومة دياب حساباتها على احتمال ان تعمر حتى الى ما تبقى من ولاية العهد يغدو رهاناً شديد الجدية.

يجري ذلك فيما تبدو القوى المعارضة الأساسية في واقع سيّء ومفكك فالرئيس سعد الحريري يقيم في باريس منذ ما قبل تمدّد ازمة الانتشار الوبائي الى لبنان والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي ينهمكان في مواجهة تداعيات ازمة كورونا على قواعدهما ومناطقهما كما الأحزاب والقوى المعارضة الأخرى الأقل حجماً . وحدها مسألة الخطر على الودائع المصرفية والمسّ بالمودعين حركت أخيراً ملامح تحفيز لعودة المعارضة من خلال مواقف متزامنة اطلقها كل من الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع محذّرين الحكومة من مغبة أي سياسات مماثلة. ولكنها مجرد محطة لا تكفي للبناء عليها ما لم تستكمل بتنسيق سياسات مواجهة ثابتة وجادّة تعيد ترميم المعارضة والفترة المقبلة ستكون كفيلة بإظهار مدى تحسس القوى المعارضة واستعداداتها لمواجهة تحتاج الى ما يفوق بكثير مجرد اطلاق بيانات او تغريدات من بعد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات