Search
728 x 90

المسيحيّون المشرقيّون بين الأقلوية والحماية … والانتحار

المسيحيّون المشرقيّون  بين الأقلوية والحماية … والانتحار

مستقبل المسيحيين في الشرق الاوسط والعالم العربي امام اربعة تحديّات في حقبة تتنامى فيها العصبيّات القومية، مما يفترض حماية لخصوصياتهم ويستدعي حواراً حول كل المسائل الاشكالية.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين 

في ظلّ ما نعيشه من تحوّلات استثنائيّة في عالمنا العربي من التباسات وانهيارات، لم ينج منه العالم خصوصاً مع تصاعد موجةٍ شعبوية عارِمة صدّعت المنظومة الأخلاقية والدينامية السياسية، تعود مسائل إشكالية للبروز من مثل مستقبل المسيحيين في الشرق الأوسط والعالم العربي. من هنا أهميّة استِدعاء الحوار في كلّ هذه المسائل الإشكالية التي يمكن أن تسهم في بناء عالم مستقرّ تسوده الحريّة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعيّة. وإنّني أودُّ في ذلك اعتماد تفكيراً مقتضباً بمنأى عن الإسترسال والتنظير في ما هي مآلات التلاقي بين الدين والإلتزام الإنساني، بتزخيم الإستقرار في كل مجتمع، وبين كل المجتمعات، وفي تقديري أننا في هذا السياق، لا بدَّ لنا من أن ندخل في فلسفة إدارة التنوُّع وفهم التعدُّديَّة كعنصر غنى، في حقبةٍ تتنامى فيها الكزينوفوبيا والعصبيّات القومية.

ومن هنا أجدني مضطرّاً إلى توصيف الأديان من منطلقها القيميّ بالتساوي، وتحديد هوية الإنسان، بالإستناد إلى المعطى القانوني أي مواطنته خُلوصًا إلى وعي أنَّ بناءات أيِّ مجتمع مستقر لا تستقيم إن لم تصُنها مفاهيم الدولة المدنية، والواجب أن نبتكر فيها لا أن نستنسخ، بما يعني حماية للخصوصيات مع الإنخراط في الإستثمار في المشتركات. وسأعرض لكل من قيميَّة الأديان وهوية المواطنة، وأسس مُفترضة للدولة المدنيَّة، إنما بعد استعراضي، لأربع تحديات يجب تجاوزها في هذه اللحظة التاريخيَّة، بما يمكن ان يقدم نموذجا تفاعليّاً، وهذه التحديات تكمن في وهم الأقلوية أولاً، وفي الإنتفاخ الأكثري ثانيًا، وفي ترهُّل التيار الليبراليّ المعتدل ثالثًا، وفي هشاشة استراتيجية بناء العدالة الإقتصادية- الإجتماعية كعنصر تماسك إجتماعي، رابعا.

1. في الأقلوية – الوهم

أخطر ما في أي مجتمع أن تشعر فيه مجموعة دينية أو عرقيَّة أنها أقليَّة. والأقلوية ذهنية قبل أن تكون واقعا ديموغرافيًّا، أو دينيًّا، أو عرقيًّا. والإحتكام إلى ذهنية الأقلوية يشدُّ عصب التطرُّف، وينهج سبل استدراج حمايات داخلية أو خارجية، ما ينعكس استتباعًا وتبعية، كما رُكونًا إلى روح الخوف والتخويف. الأقلوية في أي هوية حديثة وهْمٌ يجب تفكيك بُنيته الإيديولوجيَّة. ما نعيشه اليوم هو محاولة شدّ عصبيّات على قاعدة الخوف والتخويف، وفي هذا سلوكٌ مرضيّ ينحر الجماعة العامّة والجماعات الخاصّة.

2. في الإنتفاخ الأكثري

أخطر ما في أي مجتمع أيضًا أن تشعر فيه مجموعة دينية أو عرقية بانتفاخ أكثريّ أي أن تنزلق في تأكيد أحقية سيادتها في الحكم وحدها، وبفرض تقاليدها، واحتكار مصادر التشريع، أو إقصاء هذه أو تلك من الجماعات عن الشراكة في مسؤولية صون التعدُّديَّة. وهنا يصحُّ الحديث عن ميثاقٍ للعيش المشترك بين مختلف الجماعات المنضوية تحت هوية واحدة. وحتى لو أفرزت صناديق اقتراع أكثريات، فإن سلامة خطوات هذه الأكثريات ومتانة رؤيتها، يجب أن ينبع من قناعتها بأن الآخر جزءٌ مؤسِّس من أي خيار ستأخذه على كل المستويات وإلاَّ تدخل في انتحار تدريجيّ. وحديثي ليس عن ديموقراطية توافقية مشوّهة بل عن إقرار بالديموقراطية التي تأخذ بعين الاعتبار وجود معارضة واختلافات. الإنتفاخ الأكثري خطرٌ على الأكثريات نفسها إن مارسته بروحيَّة الغلبة والإقصاء.

3. في ترهُّل الليبرالييِّن

من السهل الإسترسال في اعتبار أن أيّ فشل لبناء هوية فرديَّة، أو مجتمعيَّة، أو وطنيَّة أو حتَّى اتحاديَّة تُسهِّلها الجغرافيا واللغة واقتصاد تبادل المصالح، مردَّه إلى “الوهم الأقلوي” وحده، أو “الإنتفاخ الأكثري” وحده، أو الإثنين معاً، وفي هذه مغالطة كبرى. أمَّا المغالطة الإضافيَّة، فهو أيضاً السعي إلى تعميم الفوبيا على كلّ المستويات، وشدّ عصب المسيحيين مثلاً لمواجهته خصوصاً في هذه المرحلة. بل إن الأساس في تصويب هاتين المغالطتين بُنيويًّا بالفكر والإداء، يتمثَّل في الإعتراف بترهُّل لدى لأنتلجنسيا الليبراليَّة المسيحيّة والإسلاميّة والمدنيّة، بل حتَّى استقالتها من أداء دورها في صياغة خيارات لهويَّة منفتحة. ولم لا الحديث عن ضرورات استنهاض ليبراليَّة في أيِّ هوية يتقاطع فيها الخاص- الديني بالعام- الإنساني، وحديثي تحديدًا في المشرق والمغرب العربي عن إلحاح إعادة الإعتبار للمشترك بين مكوِّنات أديان التوحيد بمعنى تموضُعها في سياقات التراث الإبراهيمي، على دقّة هذا المصطلح وحساسيّته الواجب التنبّه لها.

السؤال المحوري في كل ما سبق يتلخَّص في استغراب غياب الليبراليين مسيحيين ومسلمين وإنسانوييّن عن خوض تجربة بناء هوية تسالمية رغم تعقيدات تركيبتها التعدُّدية؟

وقد يكون لدى الكتلة الشبابية إجابة على ذلك، إنْ هم اعترفوا بضرورة استنهاض هذا التيار الليبرالي من سباته بداية، ثمَّ صمَّموا على إعادة بنائه كحاجة حضاريَّة.

4. في هشاشة العدالة الإجتماعيَّة – الإقتصاديَّة

أولويّتان حرّكتا التحولات العربية قبل انفلات هذه التحوّلات عن مسارها السليم بفِعل خيارات وتدخّلات بحسب استنتاجات متعدِّدة، وهما أولاً الحرية اجتماعيًا وسياسيًا، مع ما تحمله من مقومات للديموقراطيَّة وحقوق الإنسان وفي هذا اعتبار لهوية الإنسان القانونية. وثانيا الرغيف بمعناه الإقتصادي التنموي، عنيت الحق بالحياة الكريمة لا تسوُّل هذا الحق. من هنا فإن هشاشة بناء استراتيجيات تؤمن العدالة الاجتماعية – الإقتصاديَّة تبقى مَدعاة تمزيق لوحدة الهويات المجتمعيَّة، كما تدفع باتجاه استقطابات التطرُّف واللاإستقرار.

في أي حال فإن استعراض هذه المحاذير يجب أن يؤدي للبحث ليس فقط في تفاديها، بل إلى الدخول إلى عمق إشكالية بناء والإلتزام بأي هوية إنطلاقًا من المساهمة القيميَّة للأديان فيها، وأساس المواطنة كنموذج حضاري للتعبير عنها، وإطار الدولة المدنيَّة كسياق حاضنٍ للمساواة فيها، فماذا عن أزمة الهويّة والاديان – القيم؟ وماذا عن المواطنة كنموذج لهويّة متصالحة مع ذاتها ومع المختلف عنها؟ وماذا عن الدّولة المدنيّة سياقاً حاضناً؟ وهنا لا بُدَّ من تساؤلٍ حول منهجية استخدام الأوقاف المسيحية بما يؤمن مقوّمات صمود للمسيحيين؟

بالاستناد الى ما سبق ولإعادة بناء حضور مسيحي فاعل، لا بُدَّ من تحديد القِيَم والهوية والدولة المدنيّة.

1. الهويَّة والأديان – القِيَم

الأديان قيم إنسانية من دون تجاهل بعدها الإسكاتولوجي بحسب مرتكزات الوحي والإلهام لكل منها، وعنيت تحديدًا الديانات التوحيديّة، لكن حتَّى في الأديان ذات البعد الإنساني أو الصوفي أو الإطلاقيّ الطبيعي، فإنَّ كلها تستدعي صون كرامة الإنسان، وسلام المجتمع، وتعميم العدالة والحريَّة. هذا في عمقها، لكن بعضًا من الإيديولوجيَّات، أساءَت إلى الأديان، وهي قراءات مشوَّهةٌ فيها، نزعت إلى احتكار الحقيقة، وإقصاء الآخر حتَّى التكفير، وفي هذا حتى اعتداء على الأديان نفسها بإسمها. من هنا وجب ليس فقط تنقية الهوية من شوائب الإستعلاء، وادِّعاء امتلاك الحقيقة، وتكفير الآخر، بل أيضًا تنقية الأديان من مُصادري نقائها لحسابات لا تمتَّ بصلةٍ إلى رسوليتها. وفي التقنيتين انتهاج سبيل الإفادة من حقيقة الأديان كبعد قيميّ لاستثمار أبعاد الحوار للسلام، والتعدُّديَّة للغنى الحضاري، والعدالة للمساواة. من هنا، تمسي الأديان مساهمًا قيميَّا في هوية كل إنسان، حتى ذاك المُلحد، يستحيل في دين الإنسان.

2. الهوية والمواطنة – النموذج

كلنا إنسان، كلنا مواطن، كلنا شركاء في مسؤولية بناء عالم آمن، وعادل، وفرح. الإنسان هوية قانونية صيغتها المواطنة، ولا أحد ولا شيء يعلو فوق هذه القيمة القانونية. والمواطنة لا تعني أبدًا عصبية دينية أو قوميَّة أو مجتمعيَّة، بل هي تعني قدرة على إغناء الحضارة بالخصوصية والشموليَّة على حدٍّ سواء. وهنا يجب التأكيد على أنَّه في أيِّ هوية، لا تضارب بين الخاص والعام، فبالنسبة لي كلبناني مثلاً يعنيني فرح فلسطين المحتلّة وسوريا والعراق والأردن ووجعهم، كذلك الأمر بالنسبة لكل أصقاع العالم. ولا تعنيني فلسفة صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون، ونهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما، والحركيَّة التواصلية ليورغن هابرماس، إلا بقدر مساهمة كل منها في فتح آفاق الرقيّ الإنسانيّ من حيث التسالم لا من حيث التقاتل. ولا يعنيني اليسار بسبب مقابلته اليمين، ولا اليمين بسبب مقابلته اليسار، بل بقدر ما قيم اليمين واليسار يحسنان في تصويب خيارات المواطن في الشأن العام للخير العام. ولا تعنيني الليبرالية في مواجهة الإشتراكية أو العكس، بل القدرة على الإستلهام من الليبرالية والإشتراكية لبناء سياق اجتماعي – اقتصادي للمواطن. ولا يعنيني الإنغماس في حصر مصادر التشريع مفاضلة إلاَّ بقدر تقديم هذا المصدر أو ذاك لممارسة في الحكم والقانون حماية للمواطن.

في كل هذا، المواطنة هي النموذج لأي هوية عادلة، وإلاّ نمسي أسرى عصبيات قاتلة. وهنا أخالف قول أمين معلوف، بأننا مبنيون بهويات قاتلة، إذ أن الهوية انفتاح وسلام، لا انغلاق وصدام. ما نعيشه في هذه الأيام هو هويّات قلقة في ما أسماه المؤرّخ البريطاني إريك هوبزباوم “عصر التطرّفات”.

3. الدولة – المدنية سياقا حاضنًا

الدولة المدنية إصطلاح مشرقي، ومؤدَّاه المواءمة بين الدّولة والدّين. فلا دولة دينية ولا دولة ملحدة. لا دولة بوليسية ولا انفلاتات جماعيَّة، بل سياق حاضن لقيم الإنسان بإيمانه، لا بمقدار تديُّنه. والدولة المدنية ميثاقيَّتها قائمة على عقد اجتماعي يحفظ الخصوصيات ويثمر المشتركات. الدولة المدنيَّة هي تلك الهوية التي علينا العمل على تكريسها ولو أن دولنا ومجتمعاتنا مشلّعة. فلا وصفات جاهزة فيها بل هي مسارٌ مستمر.

القيم الدينية والمواطنة الهوية محتضنة بالدولة المدنية تبقى من الخيارات التأسيسية لرقي الإنسان فرداً وسلام المجتمع.

أمّا في ما يتعلّق بوضعيّة المسيحيّين المشرقيين في سياق هذه التحوّلات العربيّة الاستثنائيّة وبالإضافة إلى واجب تحريرهم من عقدة الأقلويّة فيجب عليهم أن يستندوا إلى مبدأ أساس يتمثّل بأنّ شهادتهم أبعد من أن تخضع للترهيب حتّى باسم التكفير، كما هم لا يحتاجون حمايات ولو أن ثمّة في الغرب من يعمل على تسويق هذه الحمايات. لكن ماذا عن الأصوليّات التكفيرية والحمايات كنهج؟

1. في الأصوليّات التّكفيريّة المدمّرة

في كل الأديان أحياناً تشدُّد حتى التكفير التدميريّ. في كلّ الأديان أصوليّات. “الإسلاموفوبيا” ثمة من يستدعي فيه التصويب في لبنان والعالم العربي على إرهاب عقائديّ يفنّد مذهبية ليستطرد من ثم في تبريك نهج الاجتهاد بتنقية “مذهبية” أخرى. وفي هذا السياق يسترسل ديماغوجيو المنتفعات السلطوية الآنية في نقد مدِّ الأكثريات، لكأن أصولية آتية مفترضة يجب أن تقاوم بأصولية من نوع آخر. التخويف بالأصولية حليف للديكتاتورية، ودعوة لاستنفار عصب جماعيّ وتوتير مساحات العيش المشترك فيه. أياً يكن من أمر ما أُثير من أن المسيحيين في لبنان مثلاً اليوم منشطرون عمودياً حول خيارات استراتيجية لدورهم، ونوعية شهادتهم في العالم العربي، فإنه آن أوان أن يستلهم قياديوهم الروحيون والزمنيون نبض الشارع الحر والانتلجنسيا الحرة في لحظة بدايات التحرر العربي ولو على فالق أزمات، والفاتيكان بديبلوماسيته الوقائية مع شركائه المسكونيين مدعو الى إيقاف تراكم الأخطاء في تجاوز للوهم الأقلوي كما للاستتباع الأكثريّ، والإرتقاء الى مستوى إستنهاض تيار ليبراليّ عربيّ عريض مع المسلمين الأحرار المعتدلين ينهي حالة التسيب في التخويف بالأصولية المفترضة وانتهاك حرمة الانسان.

2. في الحمايات كنهج انتحاري

ثمة من يُنظّرُ، وبالاستناد الى «أقلوية الخطأ الشائع»، لإلحاح استدعاء حمايةٍ خارجية وداخلية لمسيحيي المشرق. ويُعرّف الحماية الخارجية بضرورة تكوين تحالفاتٍ عابرةٍ للقارات قاعدتها دينية، فيجدُ في مسيحية الغرب حليفاً بدلاً من أخيه المسلم، لينسُج في مخيلته محاور صدامية. كما يُعرِّف الحماية الداخلية بضامنين: الأول ينحصر في الترويج لتحالفِ أقلياتٍ، والثاني يتجلى بالانخراط في التصاقٍ مع منظومات استبدادٍ تشيّع قدرتها وحدها على صون حقوقه، الدّينيّ منها والمدنيّ.

الإرشاد الرسوليّ لمسيحيّي الشرق الأوسط، وفي دعوته للنضال من أجل الدولة المدنيَّة وهويّة المواطَنة ومبدأ العيش المشترك بمساواة معيوشة، لا مفتعلة، أكد أن أيّاً من الحمايات الداخلية والخارجية وهمٌ انتحاريّ. والرهان على الحقوق، لا يستقيم إلا بدول ديموقراطية تسودها الحرية ويحميها قانون ومؤسسات. أما فرضيات الفدرلة في معناها الانعزالي والعزلي، فهي ما كانت أساساً في أيّ لاهوتٍ مسيحي، مشرقياً كان أو غربياً. من «الأقلوية خطأً شائعاً» و«الحمايات وهماً انتحارياً» كمحذورين تأسيسيين، حدد معالم تفاديهما الإرشاد الرسولي، ينتجُ في اعتقادي انتصاران تأسيسيان، يمهدان لتحديين في الشهادة، الواجب أن يضطلع بها مسيحيو المشرق، عنيتُ النضال لإنسانية الإنسان، واستلهام فلسطين قضية حق وعدل.

ومن هنا يتبدّى أنّ المسيحيّين المشرقيّين مدعوّون إلى استلهام:

1. كرامة الإنسان

لا أيديولوجية أو عقيدة تسمو على كرامة الإنسان، وأيُّ تمييز وعنف انتهاكٌ لهذه الكرامة. وكرامة الإنسان ضمانتها دول مدنيّة ديموقراطية تحترم التعددية، ويتسيد فيها العدل. حتماً قد يستسخف البعض بهذه الضمانة لتأكدهم من أن لا إمكان لتأمينها. لكن الاستسلام قدرُ الجبناء، والمسالك الوعرة قدر الأقوياء. ومساحة التَّلاقي بين المسيحية والإسلام تتشارك في إعلاء شأن الإنسان. أما من انزلق لخيارات أدلجة عقديةٍ للدين تقتل كرامة الإنسان، فذاك الأديان منه براء، ويكفينا استنفاراً للغرائز وتلك المضادة منها. الإرشاد الرسولي لمسيحيّي الشرق الأوسط راهن على كرامة الإنسان المشرقيّ العربي بالاستناد الى انسانيته، لا انتمائه. فهل من يفقه؟

2. فلسطين القضية

ما أتى السجال بين الفاتيكان واسرائيل في النداء الذي تلا السينودس (2010) بسيطاً، إذ عبّر أساقفة السينودوس أنه: “لا يُمكن لإسرائيل أن تستغِلّ فكرة الأرض الموعودة في الكتاب المقدّس ولا فكرة الشعب المختار لتبرّر الاستيطان في القدس أو احتلال الأراضي” ما معناه أنه لا يمكن القبول بتوسل الدين قاعدة للظلم، وبأن السلام لا يصنعه سوى العدل، وبأنه آن أوان قيام دولة فلسطين، وعودة اللاجئين، ووقف الاستيطان، وادانة الجدار الفاصل. انتصر الفاتيكان، وفي محطةٍ حاسمة، لفلسطين. ليس هذا بجديد، سوى على أولئك المصرِّين على توريط مسيحيي الشرق بمحافل تشويه السمعة والتآمر والأسرلة. المسيحيون رأسُ حربة في الذود عن فلسطين قضية عدلٍ وحق، لا مطية استغلال، وورقة مقايضة أو مساومة، كما يحاول البعض التوصيف. فلسطين هَمٌّ مسيحيٌّ – اسلامي، ولِمَ لا يهوديٌّ متنور بات يترجم ذاته في مهاجمة عنصريةٍ صهيونية أساءت الى اليهودية نفسها قبل كل شيء. المشكلة تكمُن حيث يكون سعي بعض دولٍ لإعادة إنتاج المسألة الشرقية، وتصوير المسيحيّين أقليّات وتسويق إمكانية حمايتهم. وهذا يخدم يهوديّة إسرائيل.

3. الشراكة مع المسلمين

المسلمون إخوة في الإنسانيّة، والعروبة، والمواطنة، ونحن وإيّاهم بنينا النهضة العربيّة الأولى، ونحن وإيّاهم سنبني النّهضة العربيّة الثانية من خلال شراكتنا في مصير حماية قيمتيّ المحبّة والرّحمة، على قاعدة النديّة في المواطنة، وهنا أستدعي انخراطاً لمرجعيّتي الأزهر والنّجف في عقلنة بعض الاشتدادات الإسلاميّة، كما أستدعي من الفاتيكان وبطريركية انطاكية الأرثوذكسية والمرجعيّات الإنجيليّة أداء دورٍ قياديّ في تحفيز المسيحيّين على الاستمرار في هذه الشراكة، ورفض دعوات العزل والانعزال.

في وقتٍ كان العالم الغربي منساقاً لعلمانية إيجابية وصَهرٍ في الدولة الوطنية القومية، حاول المسيحيّون المشرقيون إعلاء شأن الدولة الوطنية القومية أيضاً، لكنهم أنجزوا تفكّراً في انتلجنسيّتهم مع انتلجنسية مسلمة في سُبُل إدارة التعدّدية، وهذا ما ينساقون اليه أكثر اليوم، ويبدو أن العالم الغربي سائرٌ في هذا الاتجاه.

من هنا فان الانتلجنسيا العربية والمشرقية المسيحية والإسلامية مدعوّة لإطلاق نموذج حضاري جديد في مواطنة شاملة تحتضن التنوّع، لكنها تُرسي قواعد القِيم المشتركة والمصالح المشتركة، وإلا فعل إنسان الشرق ودُوَله السلام…!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات