Search
728 x 90

اللبناني من هو؟ ما هي صورته؟ ما هو نموذجه؟

اللبناني من هو؟ ما هي صورته؟ ما هو نموذجه؟

الفصل الاول من الكتاب الذي اصدره الدكتور داود الصايغ عن دار سائر المشرق تحت عنوان ” لبنان الكبير في المئوية الاولى : بيت من دون سياج ” يتحدث فيه عن تطور اللبناني تاريخياً على الصعيد السياسي بمزيج من رواية التاريخ الحديث للبنان ممزوجاً بتجارب دول غربية وعربية على حد سواء. يضفي الدكتور صايغ في قراءته الخاصة لشخصية الفرد اللبناني وما هي صورته ونموذجه تفسيراً معمقاً للواقع السياسي مجتمعياً وفلسفة للتجربة اللبنانية االصعبة والمعقدة.

تلك الصورة لا تزال في مخيّلتي منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي، أثناء زيارةٍ إلى لندن مع عددٍ من الإعلاميين بدعوةٍ من الحكومة البريطانية، وفي بداية العشاء التكريمي لنا، حاول أحد الزملاء أن يشعل سيجارة، فتدخّل المضيف البريطاني ليقول له بلطف: “أرجو أن تؤجّل ذلك قليلًا.” لأنه في بداية المأدبة يرفع الجميع كؤوسهم ويقولون: “To the Queen” أي في صحّة الملكة. وهكذا فعلنا جميعًا، فالتفت المضيف البريطاني إذّاك إلينا، وقال: “ألا يحصل هذا في بلدكم؟”
بالطبع كلّا. ليس ذلك من أعرافنا. لأنه يفصلنا عن تلك الحضارات مسافاتٌ كبيرة، كون المملكة المتّحدة، حتى وصلت إلى هذا الاحترام العفوي والعميق لما يمثّله شخص الملك أو الملكة من رمز، فلأن ذلك هو عنوان وحدتهم وهويّتهم، وهذا تطوّر مع الزمن.
يوم شيّعت فرنسا أديبها الكبير فيكتور هوغو Victor Hugo في الأول من حزيران 1885 سار وراء نعشه مليونا فرنسي، بالرغم من أن الحكومة يومذاك، تحاشيًا لكثافة تجمّع الجماهير، نقلت الاحتفال الذي كان مقرّرًا يوم الأحد 31 أيار، وهو يوم عطلة، إلى اليوم التالي الإثنين وهو يوم عمل عادي. فكان أن عطّلت فرنسا كلّها لتمشي في جنازة أحد العظماء. وهو نفسه الذي استعاد العالم ذكراه يوم شبّ الحريق في كاتدرائية نوتردام في 15 نيسان من العام الماضي 2019، لكونه ترك نصًّا رؤيويًا يتصوّر فيه حريق الكاتدرائية، وترك من بين ما ترك من الأدب الخالد رواية “أحدب نوتردام”.
كيف تنفعل الشعوب؟ كيف تتحرّك وتحرِّك التاريخ؟ لماذا استطاع الجزائريون في ربيع 2019 إسقاط حكم عبد العزيز بوتفليقة بأسلوبٍ مسالم وحضاري من دون كسر أي زجاج؟ ولماذا تمكّن السودانيون من تحقيق ذلك في التاريخ نفسه؟ من هو الشعب؟ هل هو ذلك الذي مشى في جنازة الرئيس جمال عبد الناصر في أيلول 1970 في الموج البشري الهائل الذي اجتاح شوارع القاهرة بشكلٍ حماسي لا نظير له، انفرط معه عقد البروتوكول والرؤساء الأجانب المشاركين في التشييع، فأضاع معه رئيس قبرص المطران مكاريوس عصاه الرعائية في الفوضى العاطفية التي عمّت؟
من هو الشعب؟ هل يختلف عن الجماهير؟ تلك التي تجتذبها كرة القدم بالآلاف في الملاعب العملاقة، والتي مع ذلك تقف احترامًا للأناشيد الوطنية. من هو المواطن؟ إنها أسئلةٌ لا بدّ من طرحها لمحاولة معرفة من هو اللبناني. وكيف ينفعل ولمن ينفعل.
ليست هذه الأسئلة لتقارب علم الاجتماع، فهذا بابٌ آخر. ولكن لمجرّد تبيان حقيقة التشخيص، كمثل صورة الأشعّة التي تظهر المخفي من العلّل، وترشد الطبيب إلى مكمن الداء والعلّاج. ومع أن لبنان صغير المساحة، لا تتجاوز مساحته مقاطعة الجيروند في فرنسا، إلّا أن تكوينه التاريخي هو التكوين الطبيعي الوحيد في منطقة الشرق العربي، حيث بعض الكيانات نشأ على أنظمة الولايات العثمانية التي كانت قائمة، في ضمّ بعضها إلى البعض الآخر في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، مثلما حصل في سوريا والعراق. في حين أن لبنان الذي وصل إلى مرحلة الكيان الكبير عام 1920( )، إنما تدرّج بصورةٍ طبيعية. حصل ذلك، بفضل تكوّن مجموعاته البشرية خلال مراحل تاريخية متتالية، كان بنتيجتها هذا الاختلاط الطائفي الفريد الذي لم تعرفه أيٌ من بلدان منطقة الشرق العربي.
إذ بالرغم من أنه كان في سوريا والعراق وفلسطين تنوّعٌ طائفي، إلّا أن الأكثرية الشعبية كانت ولا تزال أكثرية مسلمة، علمًا بأن العراق وبعض مدنه، مثل بغداد والموصل وأربيل وكركوك والسليمانية والبصرة وسهل نينوى عرفت وجودًا مسيحيًا بارزًا، ومن أن حلب ودمشق وحمص وحماه وإدلب والحسكة والقامشلي ودرعا والسويداء، فضلًا عن وادي النصارى، عرفت وجودًا مسيحيًا لا يستهان به. وذلك بالإضافة إلى المعالم الدينية العريقة في سوريا، كونها المساحة الممتدّة من فلسطين التي بدأ فيها الانتشار المسيحي. ومسيرة القدّيس بولس وحدها كافية للدلالة على ذلك، من دون الدخول في تفاصيل المعالم، والآثار الدينية المسيحية في كلٍّ من سوريا والعراق.
لكن نشوء مجتمعات تلك البلدان وتطوّرها حتى عام 1918، تاريخ انسحاب العثمانيين من الشرق وبداية أنظمة الانتداب الفرنسية والبريطانية على بعض بلدان الشرق العربي، قضت بظهور أكثرية العنصر الإسلامي، وانعكاسه من ثم على الحكم فيها، بحيث سُجّل في الدساتير فيما بعد أن دين الدولة هو الإسلام. وهذا لا يعني حدوث مضايقاتٍ للمكوّنات المسيحية، التي لم تجد نفسها منقادة إلى الهجرة إلّا عندما أخذت تضيق مساحات الحرّية مع أنظمة الاستبداد والتأميمات الهوجاء، وطغيان الأحزاب العقائدية. وذلك قبل حروب العراق وسوريا في العقدين الأخيرين.

أي لبناني بين الناقورة والنهر الكبير؟
خلال مئة عام من الكيان ومن قيام لبنان الكبير، اتّسعت الرقعة الجغرافية مع انضمام مجموعات بشرية جديدة إلى المواطنة، من طوائف وتقاليد مختلفة، لم تعش جميعها أحوال سنوات الإمارة ومن ثم المتصرّفية التي يمكن القول عنها إنها اتّسمت بالاستقرار والازدهار والانفتاح والتبادلات على أنواعها، وأسّست للكيان الجديد. كان مجتمع المتصرّفية متنوّعًا، ولكن ليس بالحدّ الذي اتّسع معه في ما بعد، وبخاصةٍ عندما انضمّت المدن الكبرى إلى لبنان الكبير، بالعناصر الجديدة الوافدة إليه (بيروت، طرابلس، صيدا وصور…). منذ ذلك الحين وحتى الاستقلال وظهور نظريات الأقليات المتّحدة في السياسة، مع منظّري التجربة من ميشال شيحا إلى بشارة الخوري ورياض الصلح وشارل حلو وكمال جنبلاط وتقي الدين الصلح، وسائر أصحاب الأقلام التي أخذت تتعمّق في فلسفة التجربة، لم يعد من السهل رسم نموذجٍ موحّد لذلك اللبنان الذي عاش في ظلّ الحروب الطائفية وحماية الدول الأجنبية الكبرى، ووضع أول اتّفاق دولي بشأن لبنان سنة 1861، فوجد نفسه مستقلًّا فجأةً.
بعد الاستقلال تُرك اللبنانيون لأنفسهم، وتبيّن منذ تجربتهم الانتخابية الأولى عام 1947 -التي اتّسمت بالتزوير المادي في سبيل المجيء بأكثريةٍ نيابية تصوّت للتجديد للرئيس بشارة الخوري- إنهم لم يكونوا بعد على استعداد كافٍ لهذه الممارسة الديمقراطية. وهذا ما جعل الصحافي الراحل جورج نقّاش يعبّر عنه في جريدة الأوريان L’Orient بتاريخ 15 نيسان 1951 عندما كتب: “الديمقراطية هي عملية بناء طويل الأمد استغرق إرساؤها أجيالًا في إنكلترا C’est une longue construction héroïque وها هما فرنسا وإيطاليا تحاولان منذ 160 عامًا. ولم يكن بسبب النقص في صنع الدساتير.”
لم يكن أمام لبنان من خيارٍ يومذاك في ظلّ الانتداب الفرنسي (وفقًا لصكّ الانتداب…) سوى اختيار النظام البرلماني، ذلك لأن نظام المتصرّفية عرف شكلًا منه، ولأن التنوّع الطائفي لا بدّ من أن يترجم دستوريًا، عبر مفهوم الوفاق، بمكانٍ يلتقي فيه الجميع.
أصبح اللبنانيون في نظامٍ برلماني وأخذوا يمارسونه، ولكن وفق أي مفهوم؟ البلد صغيرٌ والطوائف متعدّدةٌ والرؤوس متعدّدةٌ، والأحزاب السياسية في مفهومها الغربي كانت شبه غائبة، بالرغم من تجربة الحزبَين الدستوري والكتلة الوطنية التي لم تعمّر طويلًا. رؤوسٌ تمثّل الطوائف والوراثات والإقطاعيات القديمة أسّست لبيوت سياسية أو خرجت منها. وهذه ظاهرة يختصّ بها المجتمع اللبناني اجتماعيًا وسياسيًا، ظاهرة “الزعيم” أو “البيك”. إذ حتى هذه الساعة، ساعة كتابة هذه الكلمات، لا يزال تعبير “البيك” سائدًا للإشارة إلى عددٍ من الشخصيات اللبنانية.
ولعلّ أبلغ مشهد يدلّ على ذلك -وهو ما لا يعيه أبناء الأجيال الجديدة- هو أن رجالات الاستقلال، وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي كانوا يرتدون ما يُسمّى بلباس الـ”Redingote” الغربي الرسمي في الاحتفالات والمناسبات الرسمية، ولكنهم يعتمرون الطربوش العثماني في الوقت ذاته. ولا تزال صور رياض الصلح وحسين العويني وتقي الدين الصلح، وعزّت خورشيد (مدير المراسم في الخارجية اللبنانية) تدلّ على ذلك.

الولاء لمن
ولكن فيما بعد، عندما تُرك لبنان لشأنه ولمصيره، واشترك في تأسيس الجامعة العربية ومنظّمة الأمم المتّحدة في أواسط أربعينات القرن الماضي وفتح أبوابه شرقًا وغربًا، محاولًا ترجمة بيان رياض الصلح الاستقلالي كما سبق ذكره، هل عادت الموروثات لتظهر وتطفو على السطح، وبخاصةٍ بعد تأثيرات المحيط المعادي وغير المعادي، لتحول دون قيام الإطار الجامع والمنيع وهو الدولة ومؤسّساتها؟ هل نجح أصحاب الطموحات الذين توسّلوا التاريخ زورًا لتبرير التدخّل والعبث والتخريب بمدّ الأيدي إلى الداخل نتيجة التشتّت الذي كان يُفترض أن يكون تنوّعًا صلبًا وثراءً؟ هل نجح هؤلاء بربط التحالفات مع إقطاعيي الأمس وطارئي اليوم من أصحاب القوى الجديدة التي أفرزتها الحرب؟ ولماذا استسهال مدّ الأيدي من جهة، وملاقاتها من الداخل من جهةٍ ثانية، وهي ظاهرة سبقت ورافقت الحروب بين 1975 و1990، وتبعتها ولا تزال حتى اليوم؟ وبكلمةٍ لماذا علت ولاءات البعض، وبصورةٍ معلنة للخارج، لدمشق أو لطهران تحديدًا، ولغيرهما، على الولاء للبنان ولدولته؟
هذه المحاولة في البحث عن اللبناني وعن صورته ونموذجه، نراها مندمجةً بين العنصرَين المجتمعي والسياسي، وإلّا ما الذي يجعل من الزعيم زعيمًا ومن البيك بيكًا، ومن قائد الحزب قائدًا سياسيًا وعسكريًا؟ فهل لبنان، في ضمائر أنصار هؤلاء يمرّ حتمًا عبر القائد أو الزعيم ويندمج فيها حتى ولو أخذهم من اليمين إلى اليسار أو بدّل تحالفاته من دون أن يتركه الكثيرون؟ وإلّا كيف تكوّنت قيادات باتت تقود المصير أكانت داخل السلطة أو خارجها؟

كيف أُغلِق الباب المسيحي
بالتالي، قبل أن نتحدّث عن النظام الذي له مواصفاته وتجاربه الموفّقة والفاشلة، فإن السؤال الذي يفترض أن نعالجه في هذا الفصل هو: أين هو اللبناني سياسيًا؟ وهل هو معفى من المسؤولية في ما وصل إليه الوضع وفي الممارسات السياسية؟
في السنوات الأولى للاستقلال، أوجدوا اللوائح الانتخابية الكبرى والمختلطة. ثم رست التجربة طويلًا على ما يُعرف بقانون الستين (1960 أيام الرئيس فؤاد شهاب) الذي اعتمد الدائرة الوسطى والمختلطة إلى أن انتهت الأمور في انتخابات 2018 بالقانون المشوّه الذي اعتمد نظامًا نسبيًا غريبًا عن التقاليد اللبنانية، ولا يخدم سوى مصالح ضيّقة لفئات سياسية وجدت في تكبير كتلها النيابية الحلّ المناسب لها تمهيدًا لطموحاتها.
لكن لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن اللبناني خرج من سنوات الحروب 1975-1990 مثخنًا بجروح تلك الحروب. إذ ليس من المصادفة أن يكون معظم القادة السياسيين حاليًا هم قادة ميليشيات تلك الحروب، وبخاصةٍ على الصعيد المسيحي الذي لا يزال المشهد السياسي فيه محكومًا منذ عام 1989 بالصراع القاسي بين العماد ميشال عون (التيّار الوطني الحرّ) والدكتور سمير جعجع (القوّات اللبنانية). واحدٌ وثلاثون عامًا مرّت على المواجهة بينهم في الأحداث الدامية والمدمّرة عام 1989، ولا يزال الصراع إيّاه. جرت تفاهمات ومصالحات وانتخابات رئاسية ونيابية، ولكن الجمر لا يزال تحت النار في الصراع المتمادي بين المجموعتَين، والتباعد الحاصل في ما بينهما على مختلف صعد المجتمع. وليس ذلك بالأمر اليسير في مسار الحياة السياسية التي كان أبرز تجلّياتها التنافس الطويل على الحقائب الوزارية الذي استغرق خمسة أشهر من أصل الثمانية التي استغرقتها عملية تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري عام 2018، إثر الانتخابات النيابية، بخاصةٍ إذا ما أُخذت بالاعتبار الطموحات السياسية والرئاسية لكلٍّ من الحزبَين. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم يبرز في المشهد السياسي المسيحي منذ أكثر من ثلاثين عامًا سوى هاتَين القوّتَين؟
إذا كان الأمر مفهومًا ومبرّرًا لدى طائفة الموحّدين الدروز من خلال القيادة الجنبلاطية وحضور البيت الإرسلاني، فإن ذلك يعود إلى سنواتٍ وعقودٍ طويلة تاريخية خاصة بالدروز وبزعاماتهم. ولكن ما دخل ذلك بالشأن المسيحي؟ فلا العماد ميشال عون ولا الدكتور سمير جعجع من الورثاء السياسيين. بل إنهما خرجا من الحرب، ولا يزالان في الحرب.
الرئيس نبيه برّي أقفل البرلمان وأقفل القيادة الشيعية (التي صارت توصف بالثنائية) على شخصه وحده. إذ مهما قيل عن اشتراكه، كما غيره، في ميليشيات الحروب، إلّا أن استمراره كأطول رئيس مجلسٍ نيابي في العالم، ومهما كانت العوامل، يدلّ على أن للرجل كفاءات تحوّلت أحيانًا إلى مرجعيةٍ لحلّ كلّ حالات التأزّم. ولكنه هل أقفل الأبواب على غيره؟ بالطبع إنه فعل ذلك. ولا يدلّ التاريخ، حتى في الدول المتقدّمة فكيف بالمتخلّفة، أن صاحب سلطة، إذا استطاع أن يحتفظ بمركزه أطول فترة ممكنة، فهو لا يتأخّر. هذا، والشكليات الديمقراطية مصانة كلّها. وعندما وجّه مطران بيروت للموارنة يوم عيد مار مارون 2020 انتقادات شديدة القساوة للمسؤولين والقادة، كان الرئيس نبيه برّي أول المصفّقين من بين الحضور. فلقد أصبح أستاذًا في اللعبة السياسية اللبنانية في مختلف أحوالها.

أين تبدأ الحصص؟
هل هذا التوصيف بين الزعيم أو القائد وأنصاره يشمل جميع اللبنانيين؟ أوليس هنالك من هو أو من هم قادرون على التغيير والانتفاض على الموروثات وإحداث التجديد؟ فالشعارات كلّها استهلكت. التقليديون تبنّوا كلّ الشعارات، وبخاصةٍ شعارات الثورة بعد 17 تشرين الأول 2019. ولكن ماذا فعلوا بها، فهذا موضوعٌ آخر. جميعهم تحدّثوا عن التغيير والإصلاح والتجديد… ومحاربة الفساد. ولكن؟
لعلّ في هذا التوصيف ظلمٌ للعديد من اللبنانيين الذين يتمرّدون صامتين ويلازمون بيوتهم. لم يتجمّعوا أو لم يحسنوا التجمّع، أولئك الذين يسمّونهم “الأكثرية الصامتة”. في لبنان أكثرية صامتة من دون شك.
في الخارج، في الدول المتقدّمة التي يتخرّج منها الشباب اللبناني بالشهادات الكبرى، يتقدّم طالب الوظيفة في أي قطاعٍ كان إلى المؤسّسة التي تنظر في سيرته وتقبله أو ترفضه. ولكن هذا الجامعي نفسه، إذا ما قرّر العودة إلى لبنان وتطلّع إلى وظيفةٍ أكانت في القطاع العام أو الخاص، فهو في الغالب يحتاج إلى ما يُعرف في لبنان بـ”الواسطة”. وهذه منغرسة عميقًا في التفكير الجماعي اللبناني إلى درجةٍ أنه من الطبيعي جدًا، لا بل من المطلوب أن يلجأ طالب الوظيفة إلى زعيمه السياسي أو نائبه أو إلى أي نافذٍ كان ليتوسّط له. أكان ذلك في إحدى الوزارات أو المؤسّسات الحكومية أو في المصارف والقطاعات الأخرى. هنا يحضر الزعيم أو السياسي لأخذ حصّته طائفيًا ومناطقيًا. وهنا تبدأ الحلقة المغلقة في النظام اللبناني القائم والتي تحوّلت في العقود الأخير إلى ممارساتٍ سافرة، بخاصةٍ زمن طغيان المرجعية السورية في القرار، أكان في عملية تأليف الحكومات أم في التوظيفات.
فالنائب اللبناني ليست مهمّته التمثيل الشعبي والتشريع ومراقبة عمل الحكومة فقط، بل استقبال أصحاب المطالب الذين يفدون إلى منزله من دون موعد طلبًا لوساطته، في مختلف المواضيع التي تصل إلى حدّ مراجعة القضاء، وهي كثيفة، إلى رخص السلاح وفي السنوات الأخيرة إلى لوحات السيارات، هذا فضلًا عن حضور المآتم وهو من أهمّ نشاطات النواب اللبنانيين.
وبكلمةٍ وهذا ما توقّف عنده العديد من الباحثين وعلماء السياسة والاجتماع، لا بدّ هنا من طرح السؤال: هل هنالك علّة في نَفس اللبناني، تجعله سياسيًا مدينًا باستمرار لمرجعه السياسي من جهة، وخاضعًا لأهواء الاقتناء من جهةٍ ثانية؟
فاللبناني مقلّد في الغالب، يرهن نفسه للمظاهر، يقلّد غيره، يدفع آلاف الدولارات ليحصل على لوحة سيارة بأحرف قليلة أو مميّزة، أو لوضع زجاج داكن لسيارته. وذلك من دون روادع من وزارة الداخلية لهذا الفساد المشرعن. فهل أن من يرهن نفسه لتقليد غيره وللمظاهر يمكنه بعد ذلك أن يكون حراً وينفصل عن زعيمه؟
في ما عدا الوقوف احترامًا للنشيد الوطني، وهو يشمل بالمناسبة ولحسن الحظ جميع الاحتفالات العامة والخاصة بمختلف المناطق، هل هنالك ملامح واضحة مشتركة للمواطن اللبناني؟ هل إنه يشبه مواطني الدول العربية الأخرى مثل السوري أو الفلسطيني أو الخليجي أو العراقي أو الأردني أو المصري؟

ذلك السرّ
الدول الخليجية أحبّت اللبناني بشكلٍ خاص وفتحت له الأبواب. أحبّت ذلك النموذج المختلف عن مواطنيها. أحبّته أكثر من سائر مواطني الدول العربية الأخرى، لأنه مختلف، لأنه نتاج تجارب لم تعرفها المجتمعات العربية الأخرى. غالبية الدول العربية، وبخاصةٍ في مراحل تأزّم العلّاقات العربية-العربية، لم تفهم نظام الحكم اللبناني ولا حرّياته ولا صحافته التي كان معظمها، حتى سنوات الحروب، ينطق باسم الأنظمة العربية. ولكن اللبناني ذاك، قادم من تجارب الاختلاط والعيش مع الآخر، من تجارب الانفتاح والجامعات واللغات، المتحرّر من ضغوطات الأنظمة الشمولية. بالرغم من تشوّهات نظام حكمه، كان ولا يزال مختلفًا عن السوري والعراقي والفلسطيني والخليجي.
ربما بسبب مساوئ تصرّفاته السياسية في الداخل اللبناني، من حيث تأقلمه مع كلّ الحالات والرضوخ لها، جعلته في الخارج إنسانًا قابلًا للاندماج في المجتمعات كلّها. وإلّا كيف عاش اللبناني في الدول الإفريقية ماضيًا بخاصةٍ في مجتمعات شبه بدائية وأنظمة حكمٍ احتكارية، فحقّق النجاحات في الأعمال. إذ كيف عاش في دول أميركا اللاتينية ووصل إلى باتاجونيا Patagonia على حدود القطب الجنوبي في آخر حدود الأرجنتين. كيف وصل إلى نيوزلندا بعد أوستراليا وإلى ألاسكا وجميع دول أميركا اللاتينية وجزر الكاراييب؟ إذ مهما قيل عن ملحمة الهجرة والعوامل التي أدّت إلى موجات الهجرات المتتالية ابتداءً من نهاية القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، في ظروف الحرب العالمية الأولى وما بعدها، إلّا أن ذلك لا يخفي حقيقةً بارزة وهي أن الاغتراب أو الهجرة أو الانتشار في التعبير الحديث، جعلت اللبناني المغترب، في أيٍ من ديار العالم، إنسانًا مميّزًا ومختلفًا. إذ بالإضافة إلى أن اللبنانيين كجماعات، لم يُلاحقوا ولم يضطهدوا ولم يتعرّضوا للتمييز في أي بلدٍ من بلدان العالم، إلّا أنهم وصلوا إلى أعلى المراكز في السياسية والإدارة والاقتصاد والعلّوم والفنون والتجارة.
سرٌّ هو اللبناني. ما لنا وما علينا، نقوله من موقع المراقب المخلص الذي تأرجح بين الحالات وبقيت حالته واحدة ولكن سرّ هو لبنان؟ لعلّ في ذلك شيئًا من حقيقة بلد، لو تجمّعت عليه الحروب الخارجية والداخلية ومطامع الجيران ممن سمّوا أشقاء فضلًا عن إسرائيل، ولو أضيف إلى ذلك تقصير من آلت إليهم الأمانة لإدارة شؤون المصير، لما صمد إزاء ذلك أي كيانٍ آخر في العالم.

• داود الصايغ دكتور دولة في الحقوق من جامعة السوربون، وصاحب نشاطات متعددة في الحقل العام. صدر له عن دار النهار: النظام اللبناني في ثوابته وتحولاته (2000)، لبنان والعالم بين الدوروالضرورة(2002) لبنان ثورة الحرية الدائمة(2011)، ومن بين لبنان وسوريا(2012)، وعن دار سائر المشرق: وجه لبنان في عواصف الشرق (2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات