Search
728 x 90

الكرامة والسيادة … غرباً وشرقاً!

الكرامة والسيادة … غرباً وشرقاً!

بين الشرق والغرب مفهومان للسيادة والكرامة الانسانية. ما جرى في الأسبوع الأخير سياديّاً، وما قد يجري الأسبوع المقبل اقتصادياً يشي بأنه، حتى وجدانيّاً، بُتنا مثار شفقة، قبل ترجمة مضامين الهاوية التي نحن فيها. 

لندن – زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

في الغرين بارك في قلب لندن، وعلى بُعد أمتارٍ من ساحة البيكادلّلي، تتلاقى وأصدقاء إنكليز تغمر وجوههم بسمة هادئة رغم إرباك البريكسيت الذي يقضّ مضاجعهم. بسمتهم الهادئة نابعة من أنّ كرامتهم قائمة في احترام إنسانيّتهم في ما تستحقه من خدماتٍ أوّليّة كالتعليم والاستشفاء والتقاعد والتنقّل والكهرباء والمياه والاتصالات. أعرَق الديموقراطيّات تفهم الكرامة في احترام إنسانيّة الإنسان. هكذا عرَّف الغرب الكرامة.

وحين تتبادل وإيّاهم أحاديث حول إرباك البريكسيت، وما يودّونه من تدابير سياديّة، تُراهم يذهبون بدقّة الى التأكيد على أن لا قيمة للسيادة إن لم يكن أساسها كرامة إنسانيّة الإنسان.

بعضهم يحاول استعادة أحلام الامبراطوريّة الكولونياليّة يدافع عن البريكسيت على أنها مدخلٌ تصويبيّ لذوبان كان محتملاً في أوروبا، دون أن ينفي نُبل فكرة الاتحاد الأوروبي. وبعضهم الآخر من ينتقد بعنفٍ الارتجال الشعبوي الذي أدّى الى البريكسيت، يحاول إثبات أنّ أيّ إجراء من هذا القبيل لن يكون سوى مرحليّاً، فالتاريخ لا يستطيع تفتيت جسورٍ ما بين ذهنيّاتٍ باتت أبعد من أن تتحكّم بها ذهنيّاتٌ فوبياويّة. هكذا عرّف الغرب السيادة.

في كلٍّ من هذين البَعضَين تفهَم أنّ الكرامة والسيادة مرتبطتين بقدر الإنسان على أن يبقى هادئاً، وسلاميّاً، وسعيداً. التوتّر عندهم، البعض والبعض الآخر، من فِعل اللامنطق. القوّة عندهم حكمة.

لست في هذا بباحثٍ عن نفيٍ لمعطوبيّات يعاني منها المجتمع الإنكليزي بطبقته الحاكمة وناسه. ما يعنيني أنّ هناك ثمّة من حدّد بدقّة مفاهيم الكرامة والسيادة والقوة على قاعدة علميّة. هذا التحديد ارتقى الى منظومة أمنٍ قوميّ اقتصادية، اجتماعية، قِيميّة، قانونية، عسكرية، أمنية، وديبلوماسية، وقضائية.

الشعاراتيّة عندهم، رغم موجة الشعبويّين المتصاعدة، سوف تحاصرها المنظومة. ديناميّات السيستيم أقوى من انفعالات سياسوييّن.

وحين تتابع ما يجري عندنا شرقاً، حتى في لبنان حيث كان يجب أن نقدّم منه نموذجاً مشرقياً مختلفاً بحسب الفيلسوف اللبناني المتوسطي رينيه حبشي، تجد أن الكرامة ليست سوى وهماً متأصلاً. علينا الصمود لكرامتنا، ولا حاجة للمقوّمات الإنسانية لهذه الكرامة. أما في ما يُعنى بالسيادة، فحدّث ولا حرج.

إزدواجيّة الحكم، وشرعيّة ما المشروعيّة، والتباسٌ دولتيّ في تلبُّس مقصود بالتذاكي على ما يجب أن يكون منظومة الأمن القومي كل ذلك حزين.

التوصيف يطول لكن ما جرى في الأسبوع الأخير سياديّاً، وما قد يجري الأسبوع المقبل اقتصادياً يشي بأنه، حتى وجدانيّاً، بُتنا مثار شفقة، قبل ترجمة مضامين الهاوية التي نحن فيها.

هويّة لبنان التاريخيّة انتهت. على أبواب مئوية لبنان الكبير لم يحافظ أحفاد أباءِ هذا اللبنان على الأمانة التي بين أيديهم.

تضحيات الشهداء ذهبت سدىً إلا عند غير القادرين على التأثير اليوم. الاعتراض الدُّخاني على ما يجري من اغتيال للكيان اللبناني مدعاة تفكّر في ما يريده هؤلاء المعترضون.

في الغرين بارك، في قلب لندن، تأسف أنَّ من يستطيع إنقاذ لبنان إما غادر، أو هو على أهبّة المغادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات