Search
728 x 90

القمة الاقتصادية : الصفعة القاتلة للبنان

القمة الاقتصادية : الصفعة القاتلة للبنان

تقلص التمثيل العربي في القمة العربية التنموية الاقتصادية في بيروت ضربة موجعة لمصداقية الدولة اللبنانية حيال رضوخها لسيطرة فريق سياسي حزبي على البلاد من زاوية امتلاكه السلاح فيما كان الحضور على مستوى رفيع ليوجه رسالة بأن العرب لن يسمحوا ببقاء لبنان لقمة سائغة في فم ايران.

تلقى لبنان الرسمي صفعة مؤلمة باعتذار الملوك والرؤساء العرب عن المشاركة في افتتاح القمة الاقتصادية التنموية في بيروت، لكن الصفعة الاكثر الماً وتأثيراً هو تفكك الدولة اللبنانية عبر شد حبال بين الرئاسة الاولى التي ترأس المؤتمر وخصصت اكثر من 22 مليار ليرة لبنانية لانعقاد القمة على ارض لبنان بما يسمح لهذا الاخير باعطاء زخم عربي واعادة احتضان من الدول الخليجية للبنان، والرئاسة الثانية ممثلة بالرئيس نبيه بري الذي تولى نعي القمة على نحو مسبق ربطاً، كما اعلن، بعدم دعوة النظام السوري للمشاركة في القمة. فافتعلت مسألة مشاركة ليبيا بذريعة احتجاز نظام معمر القذافي الرئيس الليبي الذي قتل على اثر انتفاضة الليبيين ضده وقتله الامام موسى الصدر، ما ادى الى اندفاع عناصر من الحركة لانزال علم ليبيا من بين الاعلام التي رفعت، ما ترك اثراً بالغ السلبية لدى الدول العربية.

فهذه كانت مترددة اصلا بالمشاركة على مستوى عال نتيجة عجز لبنان عن تأليف حكومة منذ اكثر من ثمانية اشهر نتيجة اشتراط ” حزب الله” توزير حصة سنيّة له، ما يخلّ بتوازن الحكومة في حين ترفض الدول العربية ولا سيما الخليجية منها، سيطرة الحزب على لبنان او التسليم بذلك.

وهناك خلافات بين الدول الخليجية نتيجة عدم التوصل الى حد ادنى من التوافق بين المملكة السعودية والدول التي تؤيدها من مجلس التعاون الخليجي وقطر التي تقف على طرفي نقيض مع المملكة.

كما ان هناك خلافات بين الدول العربية في الوقت الذي يسعى بعضها الى اعادة الاعتبار الى بشار الاسد من خلال اعادته الى جامعة الدول العربية بعدما ابعد عنها على اثر الحرب الدموية التي شنها ضد شعبه في 2011 .

لكن القمة الاقتصادية التنموية في لبنان شكلت بمثابة كاسحة الغام من امام مشاركة سوريا في القمة العربية المرتقبة في تونس في اذار المقبل فأعيد استخدام لبنان من الطرف الشيعي وحلفائه من اجل اطاحة القمة او العمل على تفشيلها عبر تخفيض مستوى الحضور او المشاركة.

فكان ان دفع لبنان الثمن اكثر من مرة : مرة في اظهار الدولة اللبنانية مفككة ومتصارعة بين رئاساتها، ومرة في اظهار اولويات اقليمية ومصالح دول اخرى على حساب مصلحة الدولة اللبنانية وابنائها عبر اطاحة امكان الاستفادة من القمة الاقتصادية العربية، ومرة عبر اطاحة مبدأ النأي بالنفس الذي يطالب المجتمع الدولي ان يبقى لبنان متمسكا به حفاظاً على وحدته، ومرة عبر ابراز الطائفة الشيعية متحكمة بالواقع الداخلي اللبناني ومرة عبر اطاحة احتضان لبنان من الاسرة العربية او اشتراط ان تكون سوريا بوابته الى هذا الاحتضان.

وكل هذه العوامل ليست من دون انعكاسات بالغة السلبية ستترتب على لبنان علماً ان هناك اضراراً اخرى لحقت بالدولة اللبنانية . هذه الاضرار ا حصلت على وقع ان الرسالة الليبية بملابساتها المتمثلة بحرق العلم الليبي او انزاله عن منصة الاعلام كان بالغ السلبية على الدول العربية .

ففي الجانب الامني، فإن ما جرى من نزع افراد حزبيين بقرار ذاتي وبمعزل عن رأي السلطة عَلم دولة عضو في الجامعة العربية من امام مقر انعقاد القمة الاقتصادية في بيروت من دون ان تردعهم الاجهزة الامنية المولجة تأمين الحماية للحدث، معطوفاً على تهديدات من رئيس مجلس النواب وفريقه بمنع الوفد الليبي من دخول لبنان وعدم خروجه من المطار فيما لو حطّ فيه، انما يوجه رسالة الى ان بيروت عاصمة غير آمنة ما دامت القدرات الحزبية تتفوق على قرار السلطات السياسية والامنية الرسمية ولا تستأهل تالياً حضور الرؤساء والملوك اليها لان هناك من يملك القدرة على تجاوز الجيش والقوى الامنية وتخطي سلطاتهما.

اما الرسالة السياسية، فمفادها ان على رغم تفهم الخصوصية اللبنانية وحراجة الامر الواقع الذي يفرضه فريق سياسي حزبي على البلاد من زاوية امتلاكه السلاح، الا ان هذا التفهم لا يبرر رضوخ السلطة السياسية لقراره، وتالياً غير مسموح التساهل مع ممارسات على نحو ما جرى من دون ان تكون للدولة كلمتها والاكتفاء باعتذار بعد وقوع المشكلة مع ليبيا او الاسف لعدم مشاركة الوفد الليبي لا يبرر حجم الاساءة. وتاليا فإن الرد على ما اوحى بمنح الغطاء لهذا الفريق للقيام بما قام به او على الاقل العجز حتى عن محاسبته وغياب القرار السيادي تمثل بتقليص حجم المشاركة القيادية الى الحد الادنى تحت عنوان العجز عن توفير سلامة الملوك والرؤساء الضيوف.

في مقابل هذا الواقع برز اتجاه الى رمي كرة تعطيل القمة من الجانب المسؤول عن ضرب القمة على واشنطن استناداً الى زيارة وزير الخارجية الاميركية مايك بومبيو المنطقة قبيل انعقاد القمة وزيارة مساعده للشؤون السياسية ديفيد هيل لبنان فيما ابلغ الاخير المسؤولين اللبنانيين بعدم الاندفاع الى دعوة النظام السوري للمشاركة في القمة كما لم يكن مشجعاً لاعادة فتح السفارات العربية في دمشق.

لكن ما تم ابرازه هو اعادة ربط الواقع اللبناني وامكان تسهيل اموره بتطور وضع النظام السوري، علماً ان لبنان يعاني في تأليف الحكومة من واقع انه ورقة في يد ايران و” حزب الله” من اجل تمكينهما كلياً من لبنان فيما ابرزت الولايات المتحدة اعتراضاً على هذا الواقع عبر ما اعلنه بومبيو من القاهرة من عدم قبول الولايات المتحدة بالامر الواقع الذي يفرضه الحزب في لبنان.

في المحصلة تلقى لبنان ضربة قاصمة لكنها تكاد تكون في الوقت نفسه من اقسى الضربات التي سددها “الثنائي الشيعي” لرئيس الجمهورية ميشال عون منذ تسلمه مهامه الرئاسية . لِمَ خضع العرب لتأثيرات او ممارسات الثنائي الشيعي فبدوا وكأنهم يستسلمون للواقع الراهن في لبنان ولا يناهضونه ؟

لم تقاطع الدول العربية لبنان بل ان المشاركة وان على مستوى اقل تظهر حرص الدول العربية على لبنان وهويته، انما مع توجيه رسالة عتب الى المسؤولين اللبنانيين،عبر خفض مستوى التمثيل تفيد بأن استمرار التعاطي مع هذا الواقع بتجاهل والرضوخ لخطف قرار الدولة غير مقبول.

كان الحضور على مستوى رفيع ليوجه رسالة بأنهم لن يسمحوا ببقائه لقمة سائغة في فم ايران، من هنا كان القرار بالابقاء على القمة تأكيداً على هوية لبنان العربية وعدم افساح المجال امام انصار محورها بأخذ البلد الى حيث يريدون. لكن هذا الامر لم يحصل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات