Search
728 x 90

“القبضة الحامية لولاية الفقيه” بعد اغتيال سليماني

“القبضة الحامية لولاية الفقيه” بعد اغتيال سليماني

“وأَعِدّوا لهم ما استطعتم مِن قوّة”، 
شعار الحرس الثوري الايراني الذي هو بمثابة حكومة موازية للحكومة الايرانية، وجيش مستقل مواز للجيش الايراني، وقوة اقتصادية شاملة تسيطر بشكل كبير جداً على اقتصاد البلاد بكل قطاعاته. يأتمر مباشرة بالمرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية الايرانية متمتعاً بسلطات عالية جعلت الرئيس الايراني حسن روحاني يقول في ايلول 2019 في عزّ الازمة الاقتصادية: ” ماذا تتوقعون من شخص لا يملك أي سلطة؟”. 
قراءة في مرحلة ما بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني يقدمها الخبير السياسي والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد نزار عبد القادر لموقع beirutinsights.

شبكة اقليمية داعمة لإيران

قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي تتخطى شعبيته شعبية الرئيس حسن روحاني بأشواط، هو بحسب كبار المحللين الغربيين المضطلعين بالشأن الايراني، مهندس السياسة الاقليمية والدولية لفيلق القدس ومنفذها على الارض. لمع صيته ودوره في كل من اليمن والعراق ولبنان وسوريا عبر تأسيسه وتمويله وتجهيزه فصائل مسلحة موالية لطهران، لعبت، ولا تزال، دوراً اساسياً في سياسة هذه البلدان.

شكّل اغتياله ضربة كبيرة للحرس الثوري باعتراف الايرانيين بأنفسهم، لكن هل تكون هذه الضربة قاصمة؟

الخبير السياسي والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد نزار عبد القادر يؤكد لـ beirutinsights ان الحرس الثوري الايراني “خسر قائداً فذاً له تجربته الناجحة في قيادة فيلق القدس، علماً ان الحرس هو من اكبر المؤسسات الداعمة للنظام الاسلامي الايراني ، وهو مؤسسة تتمتع بتنظيم خاص بها وبقوانينها الخاصة بحيث انها لا يمكن ان تتأثر بغياب قائد بارز فيها مهما كانت خدماته كبيرة بالنسبة اليها، ومهما نتج عن دوره من نجاحات في قيادة فيلق القدس وفي اقامة شبكة اقليمية من القوى القادرة على العمل لصالح الحرس الثوري في المنطقة، ناهيك عن انتشارها السري حول العالم.”

ويدعم عبد القادر قوله بالإشارة الى انشاء فيلق القدس الحركة الحوثية في اليمن، وحزب الله في لبنان منذ العام 1983، والميليشيات العراقية التي دربها في ايران منذ عهد صدام حسين والحشد الشعبي اليوم، كما دوره الكبير في الحرب السورية وانشاءه ميليشيات داخل سوريا ساعدت في ترجيح كفة الحرب لصالح النظام السوري، اضافة الى دور الميليشات الافغانية التي انشأها ودربها على مرّ الحرب في افغانستان.

ويلفت عبد القادر الى دور الحرس الثوري في المعركة ضد الاميركيين منذ اسقاط نظام صدام حسين العام 2003 واحتلالهم العراق.

الا ان غياب سليماني قد يؤثر بعض الشيئ في الصورة الشاملة الى حين تملك القيادة الجديدة للواقع واصدار تشكيلات جديدة تعقب هذا الاغتيال، على حد تعبير عبد القادر.

القبضة الحامية

واذا كان الحرس الثوري الايراني – او الباسداران بالفارسية – منظمة قائمة بقوانينها وتراتبيتها، كما قال العميد الركن نزار عبد القادر، فهو منذ ان أسسه آية الله الخميني في 5 ايار 1979 بعد ثورة 22 نيسان 1979، جيشاً مستقلاً يأتمر مباشرة به بحيث يثق كلياً به للحفاظ على الجمهورية الاسلامية الايرانية التي نشأت بعد حكم الشاه محمد رضا بهلوي. اذ انه لم يكن يثق بالجيش النظامي الايراني الذي يخشى من ان يكنّ جنرالته الولاء للشاه المنفي.

وقد قال يوماً الخميني عن الحرس الثوري:”لو لم يكن حرس الثورة ما كانت الدولة، إني أوُقر الحرس وأُحبهم وعيني عليهم، فلقد حافظوا على البلاد عندما لم يستطع أحد وما زالوا، إنهم مرآة تجسد معاناة هذا الشعب وعزيمته في ساحة المعركة وتاريخ الثورة”.

وقد قونن الخميني دور الحرس الثوري في المادة 150 من الدستور الايراني لعام 1979، والمعدل العام 1989 تحت عنوان ” حراسة الثورة ومكاسبها”. ويحدد قانون الحرس الثوري مهامه داخلياً وخارجياً كما يأتي:

1- حماية الثورة وأمنها

2- دعم حركات التحرر في العالم

3- حراسة الثورة وقادتها وأهدافها من العدو الأميركي والصهيوني وعملائه في المنطقة

4- مسؤولية الحفاظ على أمن الحدود

واذ بات الحرس الثوري يتمتع بحرفية عسكرية عالية، تفاوت عديده وفق مراكز الابحاث التي اعدت دراسات عنه. ففي حين قدّر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن عدد عناصره بـ 350 الفاً، اعتبر معهد الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن عدد أفراده لا يتجاوز الـ 120 ألفاً، علماً ان بعض التقارير تحدث عن 20 كتيبة برية تابعة للحرس الثوري وحده، الى جانب 20 الفاً في الكتائب البحرية واخرى في الكتائب الجوية.

ومهما كان عديده فهو كما قال قائد سابق له ” القبضة القوية لولاية الفقيه وأهم مركز لمواجهة الاستكبار”. ويتولى قيادته اللواء حسين سلامي منذ 21 نيسان 2019 فيما يتولى العميد محمد باكبور قيادة القوة البرية منذ 14 آذار 2010، والعميد علي فدوي قيادة القوة البحرية منذ 3 ايار 2010، والعميد امير علي حاجة زادة قيادة القوة الجوفضائية منذ 4 تشرين الاول 2009، والعميد غلامرضا سليماني قيادة قوات التعبئة الشعبية “الباسيج” منذ 2 تموز 2019 .

اما هيكلية الحرس الثوري فترتكز الى التنوع العسكري والاقتصادي والاستثماري والتجاري، بحيث تمتد سيطرته على مختلف قطاعات البلاد. وكشفت تقارير عدة العام 2008، ان الحرس الثوري اعاد هيكليته العسكرية او على الاقل احدث تغييرات فيها بحيث باتت لامركزية. فأنشأ 31 وحدة عسكرية مستقلة لقيادة الصواريخ وزعت على 30 محافظة مع احتفاظ طهران بوحدتين منها. وقالت تقارير في هذا المجال انه طور صناعة الطائرات من دون طيار وصواريخ شهاب 1 و2 و3 كما منظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.

وقد تم توسيع نطاق مهماته العام 2007، اذ اعلن قائد الحرس الثوري يومها محمد علي جعفري ان توجيهات المرشد الاعلى للثورة علي خامنئي قضت بأن تكون المهمة الاساسية للحرس “التعامل مع التهديدات الناجمة من الاعداء في الداخل”.

اما اهم مؤسسات الحرس الثوري فهي:

– فيلق القدس الذي تأسس العام 1990 واصبح قائده الجديد اسماعيل قآاني بعد اغتيال قاسم سليماني الذي كان يلقبه المرشد الأعلى علي خامنئي باسم “الشهيد الحي”. ويصف البعض فيلق القدس بأنه “خليفة الحرس الإمبراطوري الإيراني” الذي كان مكلفاً بحماية الشاه محمد رضا بهلوي. ويُقدر عدد أفراده بما بين 2000 و 5000 عنصر. ويتركز عمله في عمليات خاصة ولا سيما في الخارج. وقد برز دوره في كل من سوريا واليمن والعراق ولبنان.

– الباسيج، وهي مجموعة شبه عسكرية قوامها نحو 90 الف متطوع غالبيتهم من تلامذة الجامعات، وقد يصل عديدها الى نحو مليون متطوع عند الضرورة، وفق تقديرات بعض التقارير. تأسست المجموعة في تشرين الثاني 1979 بأمر من الخميني وتلعب دوراً في قمع المعارضين والتجمعات المعارضة، وكان ابرزها قمع التظاهرات التي انتشرت دعماً للمرشح الأخر ميرحسين موسوي ابان انتخاب محمود احمدي نجاد العام 2009، كما التظاهرات الاخيرة احتجاجاً على الاوضاع الحياتية.

جماعة أنصار المهدي المسؤولة عن حماية كبار المسؤولين في الحكومة والبرلمان، باستثناء المرشد الأعلى. وهي تندرج من ضمن القوة البرية للحرس الثوري الإيراني.

“مقر خاتم الأنبياء “ ، تأسس عام 1988 بعد انتهاء الحرب العرقية – الإيرانية ولعب دوراً أساسياً في إعادة الإعمار.

– “مؤسسة المستضعفين” التي ورثت الأموال المنقولة وغير المنقولة لمؤسسة آل بهلوي.

– مؤسسة أوج للفنون والإعلام، وتعمل منذ العام 2011 وتقوم بإطلاق وترويج نشاطات في مجال الفن والثقافة المستوحاة من الثورة الإسلامية.

وقد ترسخ دور الحرس الثوري في مختلف ادارات الدولة ومراكز مسؤولياتها مع الحرب الايرانية – العراقية ( 1980-1988) كما مع وصول الرئيس محمود احمدي نجاد الى الحكم العام 2005 ومن ثم في ولاية ثانية العام 2009 امتداداً الى العام 2013. فدخل عدد كبير من كوادر الحرس الثوري الى مراكز الدولة الرفيعة، ومنهم سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ورئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف كما عشرات النواب في المجلس النيابي.

وكان لافتاً في هذا الاطار، زيادة الحكومة الايرانية حصة الحرس الثوري من الميزانية العامة التي باتت تشكل 53% من مجموع الميزانية الدفاعية لإيران. فعلى سبيل المثال، تم رفع مستوى الدعم له في موازنة 2019 الى 6 مليارات دولار بعد ما كان 4,8 مليار دولار قبل عام. كما حصلت قوات الباسيج على زيادة قُدرت بـ 2% على ميزانية 2018.

اما اقتصادياً فيعتبر الحرس الثوري “العمود الفقري” لاقتصاد ايران، كما يصفه المتابعون الذي يشيرون الى انه يسيطر على ثلث الاقتصاد الإيراني بفضل سلسلة من الشركات التي يملكها في مجالات النفط والغاز والبنى التحتية الى جانب مؤسسات مالية واستثمارية وانتاجية وخدماتية كبرى، ناهيك عن ارتباطاته بأكثر من مئة شركة ايرانية كبرى، مما يرفع عائداته السنوية الى نحو 12 مليار دولار. وهو يصنّف ثالث أغنى مؤسسة في إيران بعد كل من مؤسسة النفط الايرانية ووقف الإمام رضا.

مقاومة داخلية

سيطرة الحرس الثوري على مقدرات ايران لم تمر في السنوات الاخيرة مرور الكرام، لا بل شكلت شد حبال قوياً ابان الاتفاق النووي الذي تم توقيعه مع واشنطن وفتح المجال لشركات عالمية لتدخل السوق الايرانية، مما شكل تهديداً مباشراً لسيطرة الحرس الثوري الاقتصادية. وتظهّرت هذه الخلافات علناً مع الرئيس حسن روحاني الذي نقلت عنه وسائل اعلام غربية قوله ان الحرس الثوري “هو حكومة مزودة بمسدس، ترعب القطاع العام”، مما استدعى تدخلاً مباشراً العام 2017 من خامنئي الذي دعا الحرس الثوري الى لعب دور اكبر في “المقاومة الاقتصادية بشكل مستقل عن المجتمع الدولي” . وقد وجه قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري، هجوماً عنيفاً على روحاني الذي كان اعلن ان “الاقتصاد اصبح تحت رحمة دولة العسكر ولا يستطيع احد منافستهم”، فأكد اننا “نعتبر انفسنا مكلّفين حماية الثورة الايرانية”.

وتجدر الاشارة في هذا السياق الى ان بعض التقارير تحدث عن خفض روحاني ميزانية الحرس الثوري 17% في الميزانية المقترحة للعام 2019-2020.

حرب او لا حرب؟

وفي ظل تنامي تأثير الحرس الثوري الايراني، وتصاعد لهجة التهديد بين واشنطن وطهران في اعقاب اغتيال سليماني، هل تقبل المنطقة على حرب بين العدويّن اللدودين او على انسحاب اميركي منها كما قال المرشد العلى للثورة علي خامنئي ” يجب على القوات الاميركية المغادرة”، او كما اكد القائد الجديد لفيلق القدس ان “اميركا ستطرد من المنطقة” ؟

العميد الركن نزار عبد القادر يعتبر ان هذه التصريحات تدخل في اطار الحرب النفسية او الدعاية السياسية الجوفاء الدائرة بين الطرفين ولا تجد طريقها الى الترجمة على الارض. فواشنطن الموجودة في المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي، لها مصالحها الحيوية ولن تخرج من المنطقة بهذه البساطة خصوصاً ان لديها انظمة عسكرية ودفاعية لحماية هذه المصالح.

فموازين القوى بين الفريقين ليست متوازية ، اذ ان ايران لا تملك الوسائل العسكرية لتنفيذ قولها ودفع واشنطن الى الانسحاب جزئياً او كلياً، مهما اشتد ساعد حلفائها في المنطقة… والكلام لا يزال لعبد القادر الذي يستبعد اي حرب بين الطرفين، انطلاقاً من حقيقة ان اياً من الطرفين، الاميركي او الايراني، لا يريد اي مواجهة جزئية او كلية بينهما. هناك طرف ايراني لا يملك القدرة لشن حرب لأن كل منظوماته العسكرية قديمة وغير صالحة لحرب حديثة في مواجهة قوة كبرى مثل اميركا، وهناك طرف اميركي، ادارة وشعباً، لا يريد حرباً جديدة في الشرق الاوسط فيما لا يزال يشكو من كذب ادارة جورج بوش التي قادته الى شن الحرب على العراق، ناهيك عن خسائره المالية يومها التي قدرت بـ 7 تريليون دولار.

من هنا، يقول عبد القادر، تحرّك مجلس النواب الاميركي الذي يسعى لفرض قيود على الرئيس ترامب لمنعه من القيام بعمليات عسكرية ضد ايران في المستقبل، علماً ان ترامب كان تعهد خلال حملته الانتخابية الاولى بسحب الجيش الاميركي من المنطقة.

لكن الحرب لا تقع دائماً بالإختيار، يؤكد عبد القادر، فهناك دوماً خطر وقوع خطأ مادي ما او قراءة استراتيجية خاطئة لمخاطر المرحلة، مع الاشارة الى ان الطرفين معاً لا يريدان ابداً الحرب.

وفي المقابل، تكمن القضية المركزية بالنسبة الى واشنطن في اعادة ايران الى طاولة المفاوضات لمنعها من الحصول على سلاح نووي، ليس لفترة 10 او 15 عاماً كما كان ينص عليه الاتفاق الذي تم توقيعه مع ادارة باراك اوباما، بل لحرمان ايران من هذه الامكانية الى الابد، يقول عبد القادر.

واذا كانت ايران تسعى الى الحفاظ على اتفاقها السابق باللجوء الى الدول الاوروبية من دون جدوى، فإن واشنطن تعمد على فرض عقوبات جديدة عليها لمزيد من الضغط، كما حصل بالنسبة الى حزمة العقوبات الجديدة التي اعلنت عنها واشنطن في 10 كانون الثاني الجاري بهدف جرّها الى طاولة المفاوضات لترضخ لاتفاق نووي جديد ترفضه اساساً على رغم فداحة خسائرها الناجمة عن العقوبات التي قدرها الرئيس حسن روحاني خلال العام الفائت فقط بـ 200 مليار دولار لم تدخل الى الاقتصاد الايراني.

الا ان ذلك لا يعني ان الرد على اغتيال سليماني انتهى، فإيران – يقول عبد القادر- تجري دراسة متأنية وبعقل بارد للرد نظراً الى شعبية الرجل. فهل تقوم بعملية انتقامية ضد المصالح الاميركية في افريقيا، ام آسيا، ام داخل الولايات المتحدة، ام في البلدان التي توجد فيها قوى الحرب بالوكالة التي انشأها سليماني، ومنها لبنان الذي سبق وشهد عمليات مماثلة في القرن الماضي؟

وإذا كان دور الحرس الثوري، ولا سيما فيلق القدس، لا يقتصر على الداخل الايراني فحسب، فإن خطاب المرشد الاعلى للثورة علي خامنئي في 2 تشرين الاول 2019 جاء ليبثت هذه المقولة، اذ دعا “الفيلق وحلفاءه بالوكالة مثل حزب الله وحماس والحوثيين في اليمن الى الا تقتصرعملياتهم على حدود إقليمية محددة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات