Search
728 x 90

الفوضى اللبنانية الممهدة لتركيب نظام جديد

الفوضى اللبنانية الممهدة لتركيب نظام جديد

أبعاد محلية واخرى اقليمية ودولية خطيرة بدأت تغّير وجه لبنان ونظامه في انتظار التوقيت الملائم لتكريسه دستورياً بعدما تم توظيف ما يجري على الارض ليصبّ في مصلحة بعض الافرقاء بحيث يضع الاسس للذهاب الى مؤتمر تأسيسي بديلا من اتفاق الطائف واللعب على الوتر المسيحي تحريضاً مناطقياً او طائفياً.

اللعبة السياسية التي تم توظيفها كنتيجة للانتفاضة التي قام بها اللبنانيون في 17 تشرين الثاني اظهرت قدرة ” حزب الله” وحلفائه على تجيير اهدافها كما نتائجها في اتجاه خصومهم السياسيين والداخليين .

وهذه احدى اهم الخلاصات بعد اربعة اشهر على انطلاق الانتفاضة في ظل ما يستمر يشهده الشارع من تحركات وان كانت بوتيرة مختلفة عن الشهرين او الثلاثة الاولى من الانتفاضة بحيث بدأت ترتسم بوضوح معالم استهداف القطاع المصرفي وحاكم المصرف المركزي رياض سلامه في شكل خاص .

وهو امر يمكن تلمسه في توجيه اصابع الاتهام من الاعلام الموالي للحزب في هذا الاتجاه كما في توجيه تجمعات او تظاهرات ولو محدودة في اتجاه مسؤولين سابقين من تيار المستقبل الذي يرأسه سعد الحريري في الوقت الذي لم يتحرك المنتفضون للاعتراض على الموضوع الاكثر ضرراً في لبنان راهناً، الا وهو ملف الكهرباء الذي يمسك به التيار العوني الذي اسسه الرئيس ميشال عون علماً ان هذا الملف يوازي من حيث كلفته نصف الدين العام الذي يعاني منه لبنان ويكاد يسبب بإفلاسه.

الخلاصة الاخرى تتمثل في واقع توظيف الانتفاضة للاستحواذ على الحكومة من خلال لعبة سياسية مدروسة ادت عملانياً الى ابعاد كل القوى التي كانت تنضوي تحت سقف قوى 14 آذار سابقاً عن السلطة وحصرها في يد الثنائي الشيعي الذي يضم حركة ” امل” برئاسة الرئيس نبيه بري و” حزب الله” الى جانب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وتياره السياسي.

وعلى وقع الازمة الاقتصادية والمالية التي لا سابق لها في لبنان على رغم ما عرفه من سنوات الحرب الاهلية، فإن هناك مؤشرات لأبعاد محلية واخرى اقليمية ودولية خطيرة بدأت تغّير وجه لبنان ونظامه في انتظار التوقيت الملائم لتكريسه دستورياً.

من بين هذه المؤشرات التي يمكن ان ترسم صورة واضحة ولكن مقلقة في الوقت نفسه : اولاً ان ” حزب الله” استطاع ومنذ خروج الجيش السوري من لبنان في العام 2005 بفعل اغتيال الرئيس رفيق الحريري من وضع اليد كلياً على كل المؤسسات الدستورية باعتبار انه هو من دعم وصول الرئيس عون الى رئاسة الجمهورية لا بل من دفع قسراً الى انتخابه بعد عامين ونصف من تعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية كرد جميل من الحزب لرئيس التيار المسيحي الذي وفّر له تغطية داخلية لكل ما قام به منذ حرب تموز 2006 والتي حصلت بعد اشهر قليلة على توقيع الطرفين تفاهماً عُرف بتفاهم مار مخايل نظراً لتوقيعه في كنيسة تحمل اسم هذا القديس في الشياح.

فالخط البياني الذي يمكن متابعته خلال 14 سنة يوضح تماماً كل انواع الممارسات السياسية التي استخدمت حتى آلت رئاسة الحكومة السنيّة اليه علماً انه وضع اليد على هذه الرئاسة في 2011 حين اخرج الرئيس سعد الحريري من السلطة تلك السنة لولا ان التطورات الاقليمية اظهرت الخطوة مستعجلة فلم تنجح نتيجية انفجار الحرب في سوريا ضد نظام بشار الاسد وما حملته من متغيرات.

ولكن عاد الحزب ودوماً بواسطة حليفه المسيحي الذي يشمل له الواجهة المناسبة لطموحه ونفوذه الى الامساك بهذه الرئاسة مطلع سنة 2020 على اثر الاعيب سياسية في توظيف الانتفاضة التي انطلقت على خلفية اطاحة كل الطبقة السياسية لترتاح على اثر تطيير الحكومة برئاسة الحريري فحسب من دون سائر الافرقاء الذين شاركوا في التسوية التي اوصلت عون الى الرئاسة، اي ان الحزب امسك بأوراق اضافية مع التيار العوني فيما اخرج الحريري وكل حلفائه السابقين.

وليس واضحاً اذا كان الفريق المسيحي الحاكم المستقوي بدعم ” حزب الله” بات يشبه او سيشبه وضع الرئيس السوري بشار الاسد من حيث تثبيت اقلية كواجهة للحكم ومستعينة بواجهة سنية في رئاسة الحكومة في لبنان كما في سوريا في مقابل توجيه ضربات تقمع الطائفة السنية وتعطي اولوية لشخصيات في الطائفة موالية لايران او للحزب او حتى لنظام الاسد لكنها بعيدة عملانياً عن تمثيل الطائفة كما يحصل لدى المسيحيين الذين تذرعوا طويلاً بحكم الاقوياء في رأيهم وكما يحصل لدى الطائفة الشيعية.

يشكل هذا البعد في لبنان امتداداً لما هو قائم في سوريا وحتى في العراق في ظل نفوذ ايراني واضح ومتمكن في كل من بغداد ودمشق وبيروت حيث يترجم ذلك في تأكيد اركان الطائفة السنيّة ان اتفاق الطائف الذي اشرف الرئيس رفيق الحريري على وضعه برعاية سعودية العام 1989 ويعطي صلاحيات الحكم في لبنان لمجلس الوزراء مجتمعاً وليس لرئيس الجمهورية، قد بات في عالم الغيب وتم تجاوزه كلياً.

ومع ان هذا الجانب من الازمة لا يتم تسليط الضوء عليه فإن مشاعر الطائفة السنية تظهر صعوبة هضم هذا البعد الذي تم توظيفه والوصول اليه ببراعة سياسية لا يمكن انكارها.

ومن هنا الاسئلة المتصلة بماهية ما يمكن ان تصل اليه الامور لجهة اذا كان المسيحيون الذي استطاعوا اعادة عقارب الساعة الى الوراء لجهة ممارسة رئيس الجمهورية الماروني صلاحيات لم تعد موجودة له في الدستور، يستطيعون الحفاظ على هذة الوتيرة من الامور او يستطيعون تثبيتها خصوصاً ان اي اعادة نظر فعلية باتفاق الطائف لن تكرس بالتأكيد المناصفة كما اوردها الاتفاق في ظل اكثريتين عدديّتين لكل من السنّة والشيعة .

اذ في هذه النقطة يبدو امران، اولهما ان المسيحيين استقووا بسلاح ” حزب الله ” ودعمه على خلفية صعود تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا واحتمال وصوله الى لبنان وحرص الدول الغربية على طمأنة المسيحيين وابقائهم في المنطقة بعد هجرة واسعة وكبيرة جداً من العراق وسوريا وفلسطين ايضاً. ثم ان حكم بشار الاسد الاقلّوي في سوريا لا يحظى بدعم ايران و” حزب الله” فحسب بل ان روسيا هي الظهير الاهم له في كل المحافل وهي التي مكّنته من اعادة السيطرة على الاراضي التي خسرها ابّان انتفاضة السوريين ضده.

هناك فرنسا وحتى الولايات المتحدة، وهما يتقدمان على روسيا في شأن الوضع المسيحي في لبنان لكن التحالف الوثيق بين فريق السلطة المسيحي مع ” حزب الله” يترك هامشاً كبيراً لمعارضة مسيحيّة داخلية اضافة الى ان اداءه السلطوي وضعه في موقع صعب مع الطوائف الاخرى اكثر بكثير من ” حزب الله” الذي يستفيد من احراق هذا الفريق جسوره مع الجميع لكي يبقى في ملعبه وحده ومديناً له على طول الخط.

الا ان هناك من يعتقد ان هذه النقطة بالذات ودفع لبنان نحو الفوضى، هما جزء من توقع ما ستذهب اليه المنطقة خصوصاً في العراق وسوريا حيث التوجه الى دول اتّحادية او فدرالية او لامركزيات موسعة في احسن الاحوال .

وما يجري في لبنان يندرج من ضمن هذا الاطار ولذلك فإن توظيف ما يجري على الارض والذي صبّ في مصلحة بعض الافرقاء انما يضع الاسس للذهاب الى مؤتمر تأسيسي بديلا من اتفاق الطائف واللعب على الوتر المسيحي تحريضاً مناطقياً او طائفياً يصب في خانة الصراع من اجل تركيز الزعامات المناطقية والطوائفية.

في الاونة الاخيرة، حذر وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان من تزايد عمق الازمة التي يواجهها لبنان مستخدماً عبارة لافتة جدا بقوله ” انها تهدد بقاء لبنان” . فاما وقد انتهى النظام المصرفي ويذهب لبنان الى الفوضى فقد تكون هذه الاخيرة عاملاً لاعادة تركيب مختلفة لا تشبه لبنان لكنها تقضي في الوقت نفسه على مدخرات اللبنانيين ومستقبل ابنائهم ايضاً، اقلّه وفق ما كانوا يحلمون بعيداً من المآسي التي عاشوها خلال اربعة عقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات