Search
728 x 90

الفصل الثالث: مئةُ عامٍ بين الإقليم والعالم

الفصل الثالث: مئةُ عامٍ بين الإقليم والعالم

لا يمكن لاي لبناني اكثر جدارة من الدكتور داود الصايغ للكتابة عن علاقات لبنان الخارجية المعقدة والصعبة احيانا وموقعه بين سائر دول المنطقة وهو صاحب المحاضرات التاريخية والقانونية في الجامعات اللبنانية واحد ابرز المستشارين للرئيس الراحل رفيق الحريري في علاقاته المسيحية في شكل خاص وقد عايش الاختراقات الديبلوماسية الهائلة التي حققها الحريري في زمن الوصاية السورية . ينطبق على الدكتور الصايغ عبارة ” شهد شاهد من اهله” متحدثا عن علاقات لبنان الصعبة مع سوريا والوثيقة مع فرنسا ومع الدول العربية في كتابه الصادر عن دار سائر المشرق تحت عنوان ” لبنان الكبير في المئوية الاولى : بيت من دون سياج” مراجعة دقيقة تثقيفية عميقة لابرز ما تميز به لبنان في علاقاته الخارجية ونقاط ضعفه كذلك عبر رواية ابرز احداثه المفصلية.
موقع beirutinsights ينشر الفصل الثالث من كتابه.

داود الصايغ *

عندما أُعلن لبنان الكبير عام 1920 لم يكن قد انقضى على تصريح بلفور( 1) سوى ثلاثة أعوام، في 2 تشرين الثاني 1917. لم يكن لبنان وسلطة الانتداب وحدهما الغائبان عن أهمّية هذا الحدث الذي أسّس لوضعٍ جديد في منطقة الشرق الأوسط والذي تدرّج خلال ثلاثين سنة ليحقّق غرضه، وغرض الحركة الصهيونية بإنشاء الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين، على تخوم الحدود اللبنانية تمامًا، أي حدود فلسطين. بل لعلّ العالم كلّه كان غائبًا يومذاك عن ذلك الحدث.
قبل ذلك، كان هنالك فلسطين التي كانت حدودها مفتوحة مع لبنان بصورة طبيعية، كما هي الحال مع سوريا. ولكن تلك البلاد العريقة في تاريخها وتكوين شعبها، لم يقدّر لها أن تنتقل من الانتداب البريطاني إلى الاستقلال كما حصل مع لبنان ثم سوريا، وفقًا لاتّفاق سايكس-بيكو لعام 1916. ففتحت فيها الأبواب أمام تحقيق المشاريع الصهيونية التي انطلقت من مؤتمر “بال” عام 1897، مع الحركة الصهيونية التي أسّسها النمساوي ثيودور هيرتزل Theodor Herzl. واستمرّت التطوّرات والصراعات داخل فلسطين حتى صدور قرار التقسيم عن الجمعية العامة للأمم المتّحدة بتاريخ 29 تشرين 1947، أي تقسيم فلسطين إلى دولتَين عربية ويهودية، ووضع نظام خاص لمدينة القدس.
إسرائيل نشأت يومذاك بقرارٍ دولي. وهو القرار الوحيد الذي احترمته في تاريخ جميع قرارات الأمم المتّحدة العائدة للقضيّة الفلسطينية وللصراع العربي-الإسرائيلي. أما الجزء العربي المخصّص للدولة الفلسطينية، أي الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبعدما رفض العرب هذا القرار وما نتج عنه من حروب 1948، فقد ضُمّ إلى الأردن وبقي تابعًا للسيادة الأردنية حتى حزيران 1967 حين قامت إسرائيل باحتلال كامل فلسطين التاريخية.
إنه بالطبع بحثٌ آخر. ولكننا نورد هذه المحطّات التاريخية لنقول إن لبنان كما نشأ في عقول بُناة الكيان وبُناة الاستقلال، بات أمام واقعٍ جديد محفوف بالأخطار، وبخاصةٍ بعيد توقيعه لاتّفاقية الهدنة مع إسرائيل عام 1949، مع سائر التطوّرات والحروب اللاحقة التي لم يكن لبنان بمنأى عنها وعن نتائجها.
كان من أبرز نتائج تلك التطوّرات والحروب، نزوح مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم التاريخية إلى دول الجوار، فنال لبنان حصّةً وافرة منهم. أقاموا في عددٍ مما سُمّي يومذاك بـ”المخيّمات الفلسطينية” في بعض المناطق اللبنانية. ومن أصل حوالي 140 ألفًا في البداية ازدادت الأعداد بصورةٍ كبيرة بعد عام 1967 ثم بعد عام 1970 لدى انتقال الوجود الفلسطيني المسلّح بكامله من الأردن إلى لبنان ابتداءً من أيلول 1970. وبالطبع ازدادت الأعداد نتيجة التكاثر وتراجع آمال العودة إلى فلسطين. وشكّل ذلك مشكلة كبيرة للبنان على مختلف الصعد، تطوّرت إلى حدّ بداية المواجهات ابتداءً من عام 1973، ثم في العام 1975، تاريخ بداية الحروب اللبنانية وانخراط الفلسطينيين فيها، والتي شهدت عام 1982 فصلًا مهمًّا بإجبار منظّمة التحرير الفلسطينية على الخروج من لبنان ونقل مؤسّساتها العسكرية إلى تونس.
أوردنا هنا هذه المراجعة السريعة تحاشيًا للعودة إلى مسار الحروب ما بين 1975 و1990 وهو موضوعٌ عولج كثيرًا وليس هنا مجال العودة إليه.

تلك الخصوصية ما هي؟

منذ استقلاله دخل لبنان في العالم العربي. وما لبثت الدول العربية التي سبق استقلالها أن اعترفت به، فكتب الرئيس بشارة الخوري في الجزء الثاني من مذكّراته “حقائق لبنانية” يقول:
يوم انتخابي رئيسًا للجمهورية أعلنتُ من على منبر المجلس النيابي أن عهد الانعزال في لبنان قد زال، فنتج أن الدول العربية اطمأنت كلّ الاطمئنان إلى سياستنا الجديدة، وأول عمل قمنا به أن وقّعنا مع الحكومة السورية على اتّفاق شتورا في الأول من تشرين الأول 1943 أي بعد عشرة أيام من انتخابي…( 2)
ويورد الرئيس بشارة الخوري بعد ذلك كيف اعترفت سائر الدول العربية المستقلّة بلبنان، وكيف تمّ التعاون في ما بينها لإتمام “بروتوكول الإسكندرية” في أيلول 1944 الذي أسّس لقيام الجامعة العربية.
كلام رئيس الجمهورية يومذاك عن الانعزال لم يأتِ من فراغ، بل من جملة عوامل متعلّقة بالهويّة والانتماء التي لم تجد حلًّا وتكريسًا لها إلّا في اتّفاق الطائف عام 1989 “لبنان عربي الهويّة والانتماء”. ولذلك فإن الرئيس رياض الصلح، في بيانه الاستقلالي المعروف في أيلول 1943 تحدّث عن “وجه لبنان العربي” معبّرًا منذ اللحظات الأولى للاستقلال، بلسان شخصية كان لها دورٌ أساسي في الصيغة التي أوصلت إلى الاستقلال، عن أهمّية التسوية اللبنانية التي قضت باعتماد هذه التعابير، التسوية القائمة على الخصوصية اللبنانية.
ذلك أنه قبل الانتماء العربي، كان مطلوبًا حسم الانتماء اللبناني، في صيغة الميثاق الوطني وهو ما سعى إليه آباء الاستقلال. ولذلك كان الكلام عن نفي العزلة، في معرض نفي التهمة، كأن لبنان كان موسومًا بها. ولذا فإن كلام الرئيسَين بشارة الخوري ورياض الصلح في الزمن الأول للاستقلال عن الوجه العربي أو عن لبنان العربي إنما جاء في إطار التلاقي والاحتواء عند تأسيس الجامعة العربية.
إن الرجوع إلى الإسهامات اللبنانية في المجال العروبي أكثر من تُحصى وتُحصر، باعتراف العرب جميعًا، على صعد اللغة والفكر والشعر والصحافة ودور النشر. وليس من باب الصدفة أن تكون إسهامات المسيحيين بارزة في هذه المجالات من طباعة أول كتاب في الشرق عام 1610 في دير قزحيا ثم المطبعة العربية الأولى في دير مار يوحنّا الصابغ في الشوير عام 1734، إلى مفكّري النهضة ومؤسّسي الصحف العربية الكبرى في مصر، بخاصة إبراهيم وناصيف اليازجي، المعلّم بطرس البستاني، بشارة وسليم تقلا (مؤسّسَا الأهرام)، جرجي زيدان (مؤسّس الهلال) يعقوب صرّوف (مؤسّس المقطّم) وأنطون باشا الجميّل والأب لويس شيخو وسعيد الشرتوني، (واضع علم القواعد العربية)، فضلًا عن الجامعات والمعاهد اللبنانية من دون أن ننسى الحركات القومية، القومية العربية بالذات، التي كانت بيروت إحدى أماكن انطلاقتها، وبخاصةٍ عندما تمكّن الفكر القومي من التمييز بين القومية العربية والإسلام.
وفي هذا المجال يجدر التوقّف عند نقطتَين: الأولى ماذا زاد الإعلان الدستوري عن عروبة لبنان إلى الواقع اللبناني؟ والثانية إذا كان لبنان مكتمل العروبة أو ذا وجهٍ عربي، فهل يلغي ذلك خصوصيته أو يُفترض أن يلغيها؟
إن إدراج موضوع الهويّة والانتماء في الدستور اللبناني تجاوز الالتباس إلى الوضوح وحسم جدلًا طويلًا رافق مسار الحروب بين 1975 و1990، ومن ثَم لم يعد من الممكن إثارته بعد ذلك ولا جعله مادة للخلاف أو الانقسام. وقد شمل في الوقت نفسه أن لبنان هو وطن نهائي لجميع أبنائه. بمعنى أن لبنان ليس للبعض أكثر مما هو لغيره، ويعني أنه ليس هنالك من وطنٍ آخر غيره لمن قرّر أنه منه وله. لا استئثار ولا غبن ولا خوف. والجميع وجوههم إلى الداخل.
فبالرغم من أن هذا التأكيد، أي نهائية الوطن، غير مألوف في الدساتير الأخرى، باعتبار أنه لا لزوم لذكر ذلك إذا لم يكن هنالك من نزاعات حول النشوء، إلّا أن المشترع الدستوري أراد حسم هذا الموضوع وإعطاءه مرتبةً دستورية للدلالة على قوّة الاختيار وعلى استخلاص التجربة. لا تجزئة ولا تقسيم ولا فدرالية، بل دولة موحّدة في وطنٍ واحد. بما أنه نتيجةً لذلك لا يمكن للبنان أن يكون جزءًا من أي اتّحادٍ أو وحدة، فلا يمكنه إلّا أن يكون نهائيًا. فخصائص تكوينه ووحدته تحول بينه وبين التفكير في أي مشروعٍ يمكن أن ينتقص من سيادته واستقلاله. فإذا كان هناك من حرصٍ على إبقاء لبنان عربي الهويّة وموحّدًا فلا بدّ من النأي به عن أي مشروعٍ يتجاوز حدوده.
لقد بات لبنان مكتمل العروبة في النصّ الدستوري، ولكنه بقي بلدًا متميّزًا وذا خصوصية. فتكوينه البشري المتنوّع وتعدّده الثقافي الذي أشاد به القادة العرب المجتمعين في قمة الدار البيضاء في أيار 1989، عندما قالوا بأن ذلك هو مصدر ثراء. نظامه الديمقراطي البرلماني الحرّ، حرّياته العامة واحترامه لتداول السلطة، دور مجتمعه المدني وفصل السلطات، انفتاحه على الغرب من دون تنكّر لانتمائه، أبناؤه المنتشرون في العالم شرقًا وغربًا، موقعه الجغرافي وتفاعله مع محيطه والعالم، دور اللبنانيين في الحضارة العربية والحضارة العالمية كلّ ذلك يجعل منه كيانًا ذا خصوصية ضمن محيطه العربي. فأين المشكلة إذًا في ذلك؟ إذ من واجب إخوانه العرب الحفاظ على هذا الكيان، فلبنان هذا لا بدّ أن يكون في طليعة المساهمين بعروبة الغد لأنه لم يعد في مستطاع القوميات في مطلع القرن الواحد والعشرين أن تنطوي على ذاتها. فالقوميات اليوم مفترض بها أن تؤسّس لعلّاقات عالم اليوم، الذي لا يحيا بالشعارات، بل بالمصالح المتبادلة والتوجّهات المتشابهة والقيم الإنسانية الواحدة.
فعروبة لبنان ليست مجرّد خيارٍ وانتماء. إنها دعوة إلى إبعاد الصراعات عنه، ووقف تفجير التناقضات فيه، وتزويد بعض فرقائه بالسلاح وتحريض بعضهم على البعض الآخر. العروبة هي دعوةٌ لرفع الأيدي عنه وعدم اختيار أصدقاء وحلفاء فيه ضد الآخرين. إذا أحيط لبنان بالصداقة والأخوّة والتفاهم، آنذاك يصبح مكتمل العروبة، في ما يتجاوز النصّ الدستوري، لا بل رائدًا لها. إنه يغني العروبة بنموذجه الحضاري النقيض لنموذج الدولة اليهودية ويعطي حيثما يستطيع أن يبدع في الثقافة والفنون والتقدّم العلّمي والتكنولوجيات. ويُنمي ويطوّر تجربته الحضارية الفريدة ليكون -بحق- نموذج العروبة المبتغاة ونافذتها المفتوحة على المستقبل.

من الهويّة إلى العلّاقات

في ما عدا سوريا، لم يكن هنالك من مشاكل علاقات تذكر بين لبنان والدول العربية. جميع الدول العربية، مشرقًا ومغربًا أحبّت لبنان وشعبه ونموذج إنسانيته، واستقبلت أبناءه بترحاب، وأقامت معه أفضل العلّاقات. للعرب، من قادة مفكّرين وأدباء وصحافيين، أقوالٌ واستشهادات عن لبنان تعبّر تاريخيًا، ومنذ نشوء دولة لبنان، عن حبّهم لهذا البلد ولخصوصياته ولعطاءاته ولضيافته، لأنه كان بالنسبة إلى الكثيرين كما سبق مقصدهم ومصيفهم.
العرب جميعهم؟ كلّا. هنالك سوريا. هنالك سوريا! منذ البدء وحتى الساعة، حتى كتابة هذه السطور كان هنالك مشكلة لا تزال قائمة.( 3) كان هناك مشكلة رافقت مختلف مراحل استقلال البلدين، وحتى عام 1975، تاريخ بداية التدخّل السوري المباشر في لبنان. إذ على طول تلك السنوات الاثنتين والثلاثين، لم يعرف البلدان الجاران إلا فترات محدودة من الصفاء. والباقي انطوى على حالات مختلفة من التوتر.
ومع أن هذا التوتر كان يشتد ويتّخذ أشكالًا متنوّعة مع تغيّر أنظمة الحكم في سوريا نتيجة الانقلابات العسكرية التي بلغت التسعة ما بين 1949 و1970، إلا أن الأزمنة القصيرة من حياة النظام البرلماني التي شهدتها سوريا، عرفت التأزّم أيضًا، لا بل إن القطيعة التي حصلت في 15 آذار 1950 (إعلان الحكومة السورية الانفصال الجمركي والاقتصادي عن لبنان وإنهاء نظام الوحدة الجمركية) إنما حصل في ظل حكومة خالد العظم، وذلك بعد الانفصال النقدي عام 1948، وحصول أول إغلاق للحدود إثر توقيع لبنان لاتّفاق مالي مع فرنسا نصّ على بقاء لبنان في كتلة الفرنك، في الوقت الذي رفضته سوريا رفضًا قاطعًا.
كان سوء التفاهم بين البلدين إلى تصاعد خلال تلك السنوات، وانتهاج كلّ منهما نهجًا مختلفًا عن الآخر، وبخاصةٍ بعد الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1948. وزاد في عناصره تحوّلات عديدة حصلت في المنطقة والعالم، إن من جراء ذيول القضية الفلسطينية، وحدوث انقلابات في عدد من الدول العربية، وبروز الناصرية كخط عروبي امتدّ إلى لبنان قبل الوحدة المصرية-السورية (1958-1961) وبعدها، وإن لظهور قوى عربية أخرى انعكس تأثيرها على لبنان وعلى صحافته.

بداية الإنذارات

كان لبنان ثابتًا في نظامه وأحواله، بالرغم من إنذار 1958 وإنذار 1969، تاريخ أول اصطدام مع الفلسطينيين وتوقيع اتّفاق القاهرة، إثر بقاء لبنان من دون حكومة لمدة سبعة أشهر، ثم إنذار 1973 في الاصطدام الثاني معهم. وهكذا، بعد ذلك، عندما أخذ نظام الحكم السوري –نظام حافظ الأسد- يتصرّف إثر حرب 1973 العربية-الإسرائيلية كأنه منتصر، بات يوسّع نظره إلى ما حواليه، وفق تجارب الآخرين. والأقرب إليه هو لبنان، المهدّد بعدم الاستقرار، وبخاصةٍ في زمن كانت الإدارة الأميركية لا تزال متأثّرة بنظرية هنري كيسنجر التي تأخذ بالاعتبار الدول القادرة على حفظ الأمن والاستقرار داخل حدودها، وليس من خلال المقاييس الغربية في احترام الحرية والديمقراطية والفصل بين السلطات وتداول السلطة.
وهكذا على طول التاريخ الاستقلالي كان هناك توتر دائم، وكان هناك نظرة غير ودّية للرئيس رياض الصلح الذي حمّله بعض المسؤولين السوريين في تلك السنوات، مسؤولية استقلال لبنان. وبقيت تلك النظرة سائدة حتى في سنوات الوصاية السورية (4). في تاريخ تلك العلاقات، مواقف بارزة وقوية للرئيس رياض الصلح الذي أعلن شجبه، بتاريخ 20 كانون الثاني 1946، لفكرة سوريا الكبرى، وذلك في عزّ توالي الاجتماعات في السنوات اللاحقة بين مسؤولي البلدين. وفي 30 آذار 1949، وقع الانقلاب الأول بقيادة حسني الزعيم. ولكن المشاكل عادت إلى وتيرتها السابقة وإلى الاجتماعات واللقاءات. وبعد الانقلاب الثاني مع سامي الحناوي بتاريخ 14 آب 1949، رفض رياض الصلح في تلك الفترة أيضًا فكرة الوحدة الاقتصادية. وفي موقفٍ أخير قُبيل اغتياله، علّق رئيس الحكومة رياض الصلح على مذكّرة ناظم القدسي رئيس الحكومة السورية إلى جامعة الدول العربية، بتاريخ 23 كانون الثاني 1951، مقترحًا فيها مشروعًا اتّحاديًا بين الدول العربية. واستمرّت العلاقات بين مدٍّ وجزر، حتى بعد الانفصال. وبتاريخ 29 كانون الثاني 1963، أدلى وزير الخارجية فيليب تقلا أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب ببيانٍ قال فيه: “نعود مرّة أخرى فنؤكّد أننا لا نضمر لسوريا غير الخير، ولا نتمنّى لها غير التوفيق، ولا نأمل إلّا أن تقوم بينها وبيننا العلاقات التي يفرضها الجوار بين الشعبَين وتداخل المصالح، وذلك أيًا كان الوضع السياسي الذي ترتضيه سوريا لنفسها وأيًا كان الحكم الذي تختاره…”
وهكذا، كان الرئيس حافظ الأسد، الذي تولّدت في عقله كلّ المغامرة اللبنانية، مدركًا تمام الإدراك لمسار العلاقات بين البلدين، إلى أن أذنت له الظروف بتحقيق مخطّطٍ انطوى على عقيدةٍ زائفة، بقدر ما انطوى على تاريخٍ غير علمي، سمح لنفسه معه بأن يقول: “إن لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين”، أو، وفق اليافطة التي رُفعت طويلًا في محلة الرملة البيضاء، “إن ما بين لبنان وسوريا ما صنعه الله”، أو كذلك “ما بينه وبين سوريا ما هو أقوى مما بين ولايتين أميركيتين”، وفق تصريحٍ شهير لمجلّة Le Point الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 26 كانون الأول 1983-كانون الثاني 1984 التي تصدّرت صورة حافظ الأسد غلاف العدد تحت عنوان “1983 سنة سوريا”.
تحدّث الأسد لمندوبي المجلّة ميشال كولوميز وميراي دوتاي عن مجمل قضايا الساعة، فقال عن لبنان: “إن لبنان وسوريا يشكلّان شعبًا واحدًا وأمةً واحدة. نحن دولتان مستقلّتان، ولكن هذا لا يعني أننا أمتان مختلفتان. إن فكرة القرابة ما بين سوريا ولبنان هي أعمق من تلك التي يمكن أن تقوم بين ولايتين في الولايات المتّحدة الأميركية.” وقبل الحديث الشديد الوضوح إلى المجلّة الفرنسية، فإن الرئيس السوري الراحل قد تطرّق في خطابٍ في 1976 إلى موضوع النزوح الذي حصل من لبنان إلى سوريا، إن بالنسبة إلى السوريين الذين يمارسون أعمالًا في لبنان، وقد قدّر الأسد عددهم بنصف مليون، أو لاجئين من لبنان إلى سوريا، قدّر عددَهم أيضًا بنصف مليون، منهم مئة وخمسون ألف فلسطيني مقيمون في لبنان، مستخلصًا أنه دخل حوالى مليون نسمة آنذاك إلى بلد عدد سكّانه أقل من تسعة ملايين نسمة. وبالطبع لم يعش حافظ الأسد ليشهد أعداد اللاجئين السوريين إلى بلدان الجوار في تركيا ولبنان والأردن نتيجة أعمال القمع التي طاولت المدنيين منذ آذار 2011. وقد وصلت أعدادهم في لبنان إلى أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري. إلى ما سوى ذلك من التصريحات والممارسات التي نفّذها أركان نظامه وخليفته من بعده.
وهكذا انخرط نظام الأسد في الشأن اللبناني طوال ستة عشر عامًا من الحروب بالطبع، ولكن في الواقع تدخّل بشؤونه على مدى ثلاثين عامًا، على مرأى ومسمع العالم كلّه، وبخاصةٍ بعد عام 2000. واستمرّ بالتعاطي بالشأن اللبناني حتى بعد انسحاب الجيش السوري في 26 نيسان 2005 في الظروف المعروفة.
إن نظام الحكم القائم في سوريا منذ خريف 1970 كانت ولا تزال له طموحات خارجية أبرزها في لبنان، انطلاقًا من معتقدات خاطئة ومخالفة لوقائع التاريخ، من حيث النظرة إلى لبنان. وبالرغم من أن الحروب التي اندلعت في سوريا ابتداءً من عام 2011، غداة موجة الانتفاضات التي عمّت العالم العربي في ما سمّي بـ”الربيع العربي”، وأدّت إلى جعلها ساحة ركام وصراع بين القوى الخارجية بخاصةٍ روسيا وتركيا وإيران، وتشرّد أكثر من نصف سكّانها في دول الجوار والعالم، وسلبها قرارها السيادي في مصيرها ومصير شعبها، إلّا أن نظام الحكم فيها، بكلّ أسفٍ لم يحسن التعلّم من الدروس، إذ بقيت أولوية الحفاظ على استمرار النظام هي هاجس الحكم، ملتقيةً بذلك مع مصالح إيران، ثم مع مصالح روسيا التي لجأت إلى القصف الجوي، لحسم المعارك مع الثوار في معظم الأراضي السورية بأكلافٍ بشرية ومادية باهظة.
فالمأساة السورية، وهي أكبر مآسي القرن الواحد والعشرين، من حيث الفواجع الإنسانية وتضارب أو تلاقي مصالح الدول الخارجية المقرِّرة على ساحتها، لا تزال حتى الآن من دون حلّ، بعدما دخلت تركيا على خطّ التدخّل العسكري في تطوّرٍ أبرز الصراع المثلّث الروسي-التركي-الإيراني بغيابٍ شبهٍ كامل للدول الغربية والولايات المتّحدة التي تركت الباب مفتوحًا أمام التدخّل الروسي بخاصة، مع العلّم أن هذا الثلاثي، المتضارب المصالح، هو أبعد ما يكون من أن تلتقي مصالحه على هدفٍ واحد. وهو إذا تحقّق، لن يكون في أي حال لمصلحة سوريا والسوريين انطلاقًا من وحدتها ووحدة شعبها وإرجاع النازحين إليها. لأن ما رُسم منذ ربيع عام 2011 وحتى اليوم، يشبه أحداث التاريخ كلّها، عندما يمرّ الزمان على الوقائع الجديدة التي يصعب إعادتها إلى أصلها.
في هذا المجال لن نتمادى أكثر في الموضوع السوري، أولًا لأنه عولج، وثانيًا لأن الحروب في سوريا لا تزال دائرة وواقع انقطاع علاقة لبنان معها على صعد التبادل مستمرّ.
ولكن في مسيرة المحطّات اللبنانية الاستقلالية، على صعيد علاقاته العربية والدولية لا بدّ لنا أن نذكر أنه في خريف 1970 وقعت ثلاثة أحداثٍ في وقتٍ زمنيٍ واحد وهي: وفاة الجنرال شارل ديغول في 9 تشرين الثاني 1970، وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 أيلول 1970، ووصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق في تشرين الثاني 1970. لم تكن هذه الأحداث لتغيّر تاريخ البلدان الثلاثة فقط بل إنها أسهمت في تغيير تاريخ لبنان.
في خريف تلك السنة خسر لبنان حاميين كبيرين له. هما الغربي الفرنسي الرجل التاريخي شارل ديغول، والزعيم العربي الأكثر نفوذًا في المنطقة العربية جمال عبد الناصر الذي، بعد فترة التأزّم مع لبنان في صيف 1958، واتّفاقه مع الرئيس فؤاد شهاب كما سبق، أصبح من أقوى المؤمنين والمدافعين عن لبنان وصيغته وضرورته للعرب. وبعد مغادرته الرئاسة عام 1970، بزمنٍ قليل كان الرئيس الراحل شارل حلو يردّد: “عبد الناصر حماني، أي أنه حمى لبنان.”( 5) وفي مقالٍ نُشر لي في جريدة النهار بتاريخ 8 آذار 2016 تحت عنوان “في امتحانات العروبة: لبنان في المرتبة الأولى”، رويت قصّة السيّدة إديت تقلا، زوجة وزير الخارجية الراحل فيليب، كيف استقبلها الرئيس جمال عبد الناصر ذات يوم من أواسط الستينات من القرن الماضي، وتحدّث معها عن أدباء آل معلوف وهي العائلة التي تنتمي إليها، إذ كان خلال تلك الفترة يردّد: “المهمّ هو الحفاظ على عروبة لبنان. ولا تدخلوه في أي صراع.” وهو رفض بعد عام 1967 فكرة جعله حتى من دول المساندة في المواجهة العربية مع إسرائيل.
أهمّية هذا الموقف تكمن في مركز مصر، لأن لبنان، بصيغته الفريدة تلك، كان بحاجةٍ إلى قوّةٍ عربية كبيرة تتضامن معه، ولا تطلب منه أكثر من طاقته التي أدرك معناها ملوك السعودية ومسؤولو دول الخليج وسائر الدول العربية في المشرق والمغرب. أدركوا جميعهم ذلك لحمايته وإبعاده عن الصراعات وحتى الخلافات العربية-العربية، التي توسّط أحيانًا في سبيل حلّها. أدركوا جميعهم ذلك، ما عدا سوريا، وبخاصة بعد عام 1970، وبدايات المواجهات مع الفلسطينيين عام 1973 في عهد الرئيس سليمان فرنجية، ثم بعد عام 1975 والتدخّل العسكري السوري مع قوّات الردع العربية، ثم فيما بعد استسهال جعل لبنان من قبلها ساحةً للصراع، وبخاصةٍ في الجنوب في المواجهة مع إسرائيل، بينما كانت جبهة الجولان هادئة. ثم في ذلك التحالف مع النظام الإيراني الذي بدأت آثاره تظهر منذ عام 1982، عبر السماح للعناصر الإيرانية المسلّحة بدخول لبنان.
طوال تلك السنوات، لم يكن السعي السوري لإنهاء الحروب، وبخاصةٍ بعد الضوء الأخضر الأميركي -السابق ذكره- للتدخّل العسكري بل لتحقيق طموحات نظام الحكم، وجعل دمشق مرجعية حلّ الخلافات اللبنانية بعد عدم الحؤول دون منعها. ولعلّ ما حصل في كانون الأول 1985 في ما سُمّي بالاتّفاق الثلاثي الذي جاء فيه من بين ما جاء: “إن عروبة لبنان هي في حتمية التحامه المصيري بسوريا” (الاتّفاق الذي وقّعه يومذاك كلٌّ من إيلي حبيقة ممثِّلًا للقوّات اللبنانية ونبيه برّي ممثِّلًا لحركة أمل ووليد جنبلاط ممثِّلًا للحزب التقدّمي الاشتراكي). لعلّ هذا التعبير وحده كافٍ للدلالة، في عزّ سنوات الحروب والاستئثار السوري بالشأن اللبناني دون سائر الأصدقاء الغربيين والعرب، كان دليلًا كافيًا مسجّلًا في مسارات الأحداث اللبنانية عن تصاعد الهيمنة السورية التي وصلت بعد عام 2000، حدّ الحكم المباشر للبنان قبيل بداية العدّ التراجعي لتلك السياسة العمياء، والتي استوجبت بالتالي فتح الأعين الدولية على الواقع اللبناني، وصدور القرار 1559 في 2 أيلول 2004 باتّفاقٍ بين الرئيس الأميركي جورج بوش الابن والرئيس الفرنسي جاك شيراك، بمعرفةٍ وتنسيقٍ تامّين مع الرئيس رفيق الحريري، الذي ما لبث بعد ذلك أن دفع حياته ثمنًا لذلك في 14 شباط 2005، ثمنًا، كما دلّت التطوّرات فيما بعد، لسياسةٍ لبنانية متمرّدة، ولو بصورةٍ غير مباشرة، أرادت إعادة إحياء السيادة اللبنانية والقرار المستقلّ، واستعادة الوجود في الخارج، وإعادة الإعمار بعد سنوات التفرقة المتعمَّدة والحروب المدمّرة.
لقد قيل كلّ شيء في العلّاقات اللبنانية-السورية، والممارسات السورية في سنوات الحروب. وعندما حلّت الفواجع بسوريا، ونزح إلى لبنان مليون ونصف المليون ممن شرّدتهم الحروب، لم يبخل لبنان بواجب الاستضافة بالرغم من أعبائه وأزماته المتنوّعة. ومع تمنيات اللبنانيين جميعًا بأن تغدو سوريا، بعد سنوات محنتها الطويلة، صديقةً لجميع اللبنانيين، بحكم ما يفرضه الجوار والمصالح المتبادلة، بعدما قيل كلّ شيء وكتب بالدم بعد الحبر.

مع فرنسا والعالم

لبنان قبل حروب 1975 هو شيء، وأثناءها وما بعدها هو شيءٌ آخر، بالنسبة إلى ما يسمّى بالمجتمع الدولي. وهو تعبيرٌ غامض يستعمله الكثيرون ولا يعني شيئًا بالنتيجة. فهنالك الأمم المتّحدة وهنالك الدول الغربية الصديقة، وهنالك الدول العربية، وهنالك دول ينتشر فيها لبنانيون. فليس هنالك من يتحدّث أو يتحرّك باسم “المجتمع الدولي”.
عندما أُعلن استقلال لبنان عام 1943 كانت الدولة المنتدَبة، فرنسا، لا تزال منخرطة في الحرب العالمية الثانية. وظروف الاستقلال، واعتقال المسؤولين والزعماء اللبنانيين في قلعة راشيا باتت جزءًا من تاريخ لبنان. ليس فقط في ظروف فرنسا الحربية، بل في ظروف انقساماتها. وكانت القيادة الفرنسية في لبنان تابعةً لقائد فرنسا الحرّة الجنرال شارل ديغول المقيم آنذاك في الجزائر، الذي استاء مما حصل، في انفراد المسؤولين اللبنانيين بالقيام بالخطوات الاستقلالية، مما أثار غضب المفوّض السامي جان هللو، فقام باعتقال المسؤولين، ثم أرسل الجنرال ديغول معاونه الجنرال جورج كاترو لتصحيح الأمور في لبنان، وهذا ما حصل.
واستمرّ الجنرال ديغول مستاءً مما حصل إلى درجة أنه، عندما استقبل الشيخ ميشال الخوري نجل الشيخ بشارة الخوري موفدًا من قبل الرئيس فؤاد شهاب في أوائل ستينات القرن الماضي إلى باريس في مهمّةٍ خاصة قابل خلالها الجنرال شارل ديغول في قصر الإليزيه، بادره بالقول: “أنا أعرف ابن مَن أنت، لقد كنتم على خطأ في طردكم للفرنسيين.” وفوجئ الشيخ ميشال بهذا الكلام، وظنّ لوهلةٍ أن الاجتماع لن يكون ودّيًا، فصمت برهةً ثم أجابه: “ما من أحدٍ طرد أحدًا يا حضرة الجنرال، ولكن مرحلة الاستعمار قد انتهت… وإن والدي أصرّ على الحفاظ على جميع المؤسّسات الفرنسية، وقد سمعتُه شخصيًا يؤكّد ذلك للجنرال كاترو.” فتغيّر جو الاجتماع بعد ذلك، وتجاوب ديغول مع مهمّة الشيخ ميشال الخوري وأعطى توجيهاته المتعلّقة بالموضوع. على أن هذا الموضوع لم تتمّ تصفيته إلّا في أيار عام 1965 أثناء زيارة الرئيس شارل حلو الرسمية إلى باريس، فكتب في مذكّراته يقول: “فمن الناحية الأساسية، كان وجودي في فرنسا يمحو كلّ أثرٍ لما رافق استقلال لبنان من خلافٍ أو من معارك بيننا وبين الفرنسيين، لاسيّما الديغوليين وديغول بالذات”.
فمنذ استقلال لبنان، وعلى طول أحداث القرن العشرين التي عاشها على صعيد منطقة الشرق الأوسط، بالحروب وبالصراعات العربية-الإسرائيلية، وصراعات الأنظمة العربية في ما بينها، إلى مؤتمرات باريس 1 في 27 شباط 2001 إلى باريس 2 في 23 تشرين الثاني 2002 وهو الأهمّ إلى باريس 3 في 15 كانون الثاني 2007، إلى مؤتمر سيدر في نيسان 2017. كانت فرنسا حاضرة إلى جانب لبنان.
من بين جميع دول العالم كانت فرنسا ولا تزال الدولة الأقرب إلى لبنان. إذا لا ينسى أحدٌ، والزمن لا يزال قريبًا، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الذي لعب الدور الأساسي في إنهاء حادثة احتجاز الرئيس سعد الحريري في المملكة العربية السعودية، بتاريخ تشرين الثاني عام 2017.
وحده الرئيس الفرنسي، من بين جميع الأصدقاء والقادة العرب، هو الذي تحرّك وقصد الرياض شخصيًا واجتمع إلى ولي العهد محمد بن سلمان في المطار ليطلب إليه، باسم كلّ الاعتبارات، وضع حدٍّ لهذه الأزمة الطارئة التي لا سابق لها في العلّاقات بين الدول.
وحدها فرنسا. وحدها ينطبق عليها تعبير العلّاقات المميّزة. كون جذورها عميقة في التاريخ، وكون فرنسا، الدولة الحضارية، أحبّت لبنان الذي انغرس بصورة خاصة في ضمائر الفرنسيين وأفكارهم وعواطفهم، لأسبابٍ عديدة ومتلاقية ترجع إلى قرون، لا مجال لذكر محطّاتها كلّها، ولكن للدلالة بأن تلك العلّاقات الراسخة والمميّزة هي التي قادت عصبة الأمم إلى تسمية فرنسا منتدَبة على لبنان بتاريخ 28 نيسان 1920، أي قبل عدّة أشهر من إعلان لبنان الكبير.
كان ذلك طبيعيًا بالنسبة إلى الجميع. وقد سبق، كما هو معروف، مطالبات اللبنانيين في مؤتمر فرساي باستقلال لبنان ولكن ما تقرّر يومذاك، بالرغم من صراعات الدول الكبرى المشاركة بذلك المؤتمر، وطموحات الوفود اللبنانية الثلاثة التي حضرت تباعًا إلى فرنسا، أن فرنسا هي الدولة المنتدبَة على لبنان.
منذ ذلك الحين وحتى اليوم لم ينقطع ذلك التواصل، الذي سبق وأسّس له قبل بروز السياسيين وإرساء القواعد الدبلوماسية الحديثة، ما شهد له الأدباء والشعراء والمستشرقون الفرنسيون وغيرهم من البريطانيين والأوروبيين. هؤلاء عبر أعمالهم الأدبية الهامّة أدخلوا لبنان في عقول الفرنسيين( 6) وإلى درجة أن فرنسا عندما يتعثّر لبنان أو يتهدّد، وهذا حدث مرارًا على طول سنواته الاستقلالية، تهبّ للمساعدة من دون حسابات المصالح التي غالبًا ما تطبع سياسات الدول الأخرى. وفي سنوات الحروب بين 1975 و1990، لم تتأخّر بالطبع، وقد دفعت ثمنًا من دماء جنودها في تشرين الأول 1983، يوم سقط 241 عنصرًا من قوّات مشاة البحرية الأميركية و58 عنصرًا من المظلّيين الفرنسيين، في الاعتداء الذي استهدف في حينه القوّات المتعدّدة الجنسيات. هذا فضلًا عما لحق بالمواطنين الفرنسيين من أعمال خطفٍ واغتيال، لعلّ أبرزها اغتيال السفير الفرنسي لويس دولامار في 4 أيلول 1981، وغيره من الدبلوماسيين والصحافيين الفرنسيين، في ظروف الأيام السوداء تلك التي عجزت فرنسا خلالها عن أن تجد منفردةً حلًّا للأزمة اللبنانية، بالرغم من كلّ جهودها مع الأميركيين والعرب وسائر المرجعيات.
لم تجد فرنسا نفسها يومًا مضطرةً للمفاضلة بين لبنان وجيرانه العرب، لأنه كان لها من بين الإرث الديغولي سياسة عربية فاعلة حرصت عليها. ولكن لبنان خلال سنوات أزمته، استأثر باهتمامٍ جدّي من قبل الرؤساء الفرنسيين المتعاقبين، إذ خلال عام 1984 حاول الرئيس فرانسوا ميتران وضع سياسةٍ فرنسية واضحة بالنسبة إلى الأزمة اللبنانية، فاستقبل لهذه الغاية وليد جنبلاط ونبيه برّي، بالرغم من التشويش على السياسة الفرنسية والاعتداءات على الفرنسيين. وكان لمبعوثيها إلى لبنان ولدبلوماسيتها نشاطٌ مخلص، وإن لم يؤدِّ وحده يومذاك لوضع حدٍّ للحروب في لبنان. ولكن يمكن القول إنها نابت عن لبنان في مختلف الاتّصالات الدولية اللازمة، مع العواصم ومع مجلس الأمن الدولي ومع الفاتيكان بخاصة، ومع سوريا بالرغم من توتّر العلاقات. ولعلّ ما يختصر هذا الاهتمام المتعدّد الجوانب ما جرى في 28 تشرين الثاني 1984 في أعقاب زيارة فرانسوا ميتران إلى دمشق، حين عقد الرئيسان ميتران والأسد مؤتمرًا صحافيًا مشتركًا أقرّ الرئيس الأسد أثناءه بأن لفرنسا أكثر من مصالح ثقافية في لبنان. وعلّقت جريدة لوموند Le Monde يومذاك على هذا الإقرار في مقالٍ افتتاحي بتاريخ 30 تشرين الثاني 1984 تحت عنوان “الرهان السوري للسيّد ميتران” بأن النقطة الوحيدة في محادثات ميتران-الأسد اعتراف الرئيس الأسد خلال المؤتمر الصحفي بأن لفرنسا علاقات ومصالح خاصة في لبنان، وأن ذلك ليس محصورًا فقط بالمجال الثقافي.
بعد انتهاء أعمال القتال، والإعداد لمؤتمر الطائف، ارتاحت فرنسا بشكلٍ ملحوظ، إلّا أن ذلك لم يكن لينهي مأساة اللبنانيين فحسب، بل أيضًا مرحلة الارتباك الطويلة التي عانتها فرنسا من جرّاء تعاطفها مع لبنان واللبنانيين، وعجزها في آنٍ واحد عن وضع حدٍّ لمأساتهم الطويلة. ولذلك عندما واقفت المجموعة الدولية كلّها بما فيها الكرسي الرسولي، على ذلك المسعى الذي أدّى إلى اتّفاق الطائف، حضر إلى روما في خريف عام 1989 موفدان فرنسيان هما الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية فرانسوا شير François Scheer وجان-برنار ريمون Jean-Bernard Raimond وزير الخارجية الأسبق وسفير فرنسا يومذاك في الفاتيكان للتشاور مع البطريرك الماروني البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في مقرّ إقامته في روما في سان بيترو إنفينكولي.

جاك شيراك ورفيق الحريري

كان الرئيس رفيق الحريري على علاقة صداقةٍ وتفاهم مع جاك شيراك وهو في رئاسة بلدية باريس. وبعد تبّوء الرئيس الحريري مركز رئاسة الحكومة في خريف 1992 لم يتأخّر جاك شيراك، رئيس البلدية، عن زيارة بيروت حيث أقام في منزل صديقه رفيق الحريري في محلّة قريطم. وعندما انتخب جاك شيراك رئيسًا لفرنسا في أيار 1995، تحقّقت يومذاك مصادفة تاريخية فريدة، إذ وصل الصديقان في ظرفٍ زمنيٍ متقارب إلى موقع القرار في البلدَين.
وبالرغم مما كان للرئيس رفيق الحريري من صداقات وروابط عربية، بخاصةٍ مع المملكة العربية السعودية، إلاّ أنه كان يعرف بحكم إدراكه لواقع لبنان، لتاريخه وتطوّراته، أن فرنسا هي دولةٌ صديقة يُعتمد عليها على الصعيد الدولي. وهذا ما حصل، إذ توطدت العلاقة الشخصية المباشرة بينهما إلى درجة أنهما كانا يتحادثان هاتفيًا باستمرار ويعالجان القضايا التي تهمّ لبنان، وتهمّ فرنسًا أيضًا، مثل نجاح الرئيس رفيق الحريري في إدخالها في ما عُرف بـ”تفاهم نيسان” عام 1996 إثر الاعتداءات الإسرائيلية، فتشكّلت لجنة لمراقبة تطبيق الاتّفاق مؤلّفة من لبنان، الولايات المتّحدة الأميركية، فرنسا، سوريا، وإسرائيل.
وفيما كان وزير خارجية الولايات المتّحدة يومذاك وارن كريستوفر Warren Christopher مجتمعًا مع شمعون بيريز Shimon Perez في إسرائيل كان وزير خارجية فرنسا هيرفي دو شاريت Hervé de Charette ينشط في لبنان. وقدّمت المشاهد التلفزيونية آنذاك الوزير الأميركي في إسرائيل والوزير الفرنسي مجتمعًا مع الرئيس رفيق الحريري في بيروت.
في تلك الحقبة، حقبة شيراك-الحريري، وصل التعاون اللبناني-الفرنسي إلى ذروته وتبيّن أن للعلّاقات الشخصية المباشرة والصادقة أثرًا كبيرًا في تنمية العلّاقات بين البُلدان. إذ بعد تفاهم نيسان ذاك، أسهمت فرنسا بإعادة بناء البنية التحتيّة التي دمّرتها القوّات الإسرائيلية، وفتح كلّ مجالات التعاون على مستويات الإنماء والثقافة والتبادلات على أنواعها وفتح وتدشين معهد الإدارة المعروف ESA، أثناء زيارة رسمية لشيراك إلى لبنان. وذلك من دون نسيان جهود شيراك كما تقدّم في صدور القرار 1559 في مطلع أيلول 2004، ودوره الأساسي في إقرار المحكمة الدولية للبنان، إثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري.
يوم جاء جاك شيراك للتعزية في 16 شباط 2005 بعد يومين من اغتيال صديقه رفيق الحريري رسم الفنّان الراحل بيار صادق رسمًا في النهار يصوّر فيه رفيق الحريري مادًا يده من تحت التراب ليصافح صديقه جاك شيراك. واستمرّت العلّاقات بعد ذلك، فترأس الرئيس شيراك مؤتمر باريس 3 في نيسان 2007 قبيل أشهر من مغادرته السلطة، كما استمرّت العلاقة مع عائلة الرئيس رفيق الحريري.
لم يهمل نيكولا ساركوزي Nicolas Sarkozy أي قضيّة متعلّقة بلبنان. وكان له دور المؤثّر في إرساء العلّاقات الدبلوماسية مع سوريا. كما كانت له قبل اندلاع الحروب في سوريا علاقات وثيقة مع سوريا، عبر موفدَيه الدبلوماسيين كلود غيان Claude Guéant وجان دافيد لوفيت Jean-David Levitte، ولكن في الوقت الذي كان قد التقى فيه الرئيس ميشال سليمان، فضلًا عن زيارة رئيس الحكومة فرانسوا فيون François Fillon إلى بيروت في افتتاح الألعاب الفرنكوفونية في أيلول 2009. فإصرار نيكولا ساركوزي على إقامة العلّاقات الدبلوماسية بين البلدَين، جاءت من ضمن واقع العلّاقات المثلّثة يومذاك بين فرنسا ولبنان وسوريا. وكان ساركوزي يعتقد أن هذا التبادل الدبلوماسي من شأنه أن يقفل باب الأزمات الدائمة بين البلدَين الجارَين. فأقرّت العلّاقات الدبلوماسية في 16 تشرين الأول 2008.
حدث ذلك كما فُهم يومذاك، إكرامًا للرئيس نيكولا ساركوزي من قبل النظام السوري قبل أن يدرك ساركوزي نفسه أن تلك العلّاقات كانت كمثل ضربة سيفٍ في الماء، لأنها لم تغيّر شيئًا في واقع العلّاقات، من الناحية السورية بخاصة، إذ لم يصبح سفير سوريا في لبنان كغيره من السفراء العرب المعتمدين في بيروت، بل استمرّت السياسة إيّاها. واستمرّ بشّار الأسد يستقبل الشخصيات اللبنانية السياسية باستمرار، إلى درجة أن الصحافة اللبنانية كانت تُفرد في صفحاتها السياسية أخبار “استقبالات بشّار الأسد لبنانية”، كدليلٍ على عدم احترام النظام السوري لأبسط مفاهيم التعامل الدبلوماسي بين البلدَين. أما السفير اللبناني الذي عُيّن في دمشق، فلم يقم بأي دورٍ يذكر، وما لبث أن عاد إلى بيروت. ليعود ويظهر مجددًا المجلس الأعلى اللبناني-السوري الذي كان أنشئ في أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد. وتأكّدت لساركوزي أن سياسة النظام هي ذاتها بخاصةٍ عندما اندلعت حروب سوريا في ربيع 2011 ومقاطعة معظم دول العالم الغربي لهذا النظام وفي طليعتها فرنسا، ووقوف خليفة ساركوزي أي الرئيس فرانسوا هولاند François Hollande بحماسة مع احتمال توجيه ضربة عسكرية إلى سوريا من قبل الولايات المتّحدة عام 2013، قبل أن يبدّل الرئيس الأميركي باراك أوباما Barack Obama رأيه ويتراجع.

والعالم الآخر

بعد الاستقلال حضر لبنان في العالم وأقام العلّاقات شرقًا وغربًا.
في أواسط ستينات القرن الماضي أدلى وزير الخارجية فيليب تقلا في مجلس النواب ببيانٍ قال فيه: “إن السياسة الخارجية اللبنانية تمرّ بين عدّة عواصم هي القاهرة وباريس وواشنطن والفاتيكان.” كانت القاهرة هي المرجعية العربية يومذاك، وبخاصةٍ بعد التسوية التي اتّفق عليها الرئيسان فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر -كما سبق- وكانت باريس مستمرّة في تأدية مهام الصديق الغربي الأبرز، إلى درجةٍ أن الرئيس فؤاد شهاب، عندما قرّر عدم التجديد عام 1964، كان أول ما فعله هو إخطار الجنرال شارل ديغول على قراره في كتابٍ رسمي أجاب عليه الجنرال ديغول في تاريخ 16 حزيران 1964 بكلمات ودّية مضيفًا أن لبنان وفق دعوته De part sa vocation تجعل منه نموذجًا للتوازن والاعتدال وسط منطقة الشرق الأوسط التي غالبًا ما تكون مضطربة، متأسفًا للقرار الذي اتّخذه الرئيس فؤاد شهاب. وكان قبل ذلك، عندما باشر بالإعداد للإصلاحات المعروفة، استعان الرئيس شهاب أول ما استعان ببعثة إيرفد مع الأب لويس جوزيف لوبري Louis Joseph Lebret الفرنسي. كما كان من الطبيعي، وهو أول قائد جيش لبناني بعد الاستقلال، أن تستمرّ عملية تدريب الضباط اللبنانيين في فرنسا، إضافةً إلى المعاهد العلّيا الفرنسية التي كان الشباب اللبناني يقصدها ولا يزال مثل معهد البوليتكنيك وسواه.
القاهرة عربيًا وباريس غربيًا، بالدرجة الأولى، مع العلّم بأن وصول الرئيس فؤاد شهاب إلى الرئاسة في أيلول 1958 تمّ بالاتّفاق بين الموفد الأميركي روبرت مورفي والرئيس جمال عبد الناصر، عندما صارت واشنطن تأخذ حيّزًا مهمًّا في السياسة الخارجية اللبنانية في عهد الرئيس كميل شمعون مع الانحياز لمبدأ أيزنهاور، الذي أُعلن عنه في كانون الثاني 1957 في الكونغرس الأميركي بعد أزمة السويس، والذي تمحور حول الحدّ من عدم استقرار بلدان منطقة الشرق الأوسط، نتيجة المدّ الشيوعي فيها. وهو ما تمثّل بالإنزال الأميركي على شاطئ الأوزاعي في بيروت في تموز 1958، أثناء الأحداث المعروفة كما سبق ذكره. في تلك السنوات لم تحلّ واشنطن محلّ باريس، ولكنها أصبحت إلى جانبها، وبخاصةٍ بعد أزمة السويس عام 1956 وتراجُع دور الدولتَين الاستعماريتَين السابقتَين إنكلترا وفرنسا في الشرق الأوسط، عندما أوعز الرئيس أيزنهاور يومذاك بضرورة وقف العدوان الثلاثي على مصر.
فاستمرّ لبنان يمثّل مصلحةً حيويةً للولايات المتّحدة، وفق المفهوم الدقيق لهذه المصلحة حسب ما عبّر عنه الرئيس أيزنهاور عام 1957 والرئيس رونالد ريغان عام 1982 بعد ذلك في سنوات الحروب. علمًا بأن أسباب انحسار الأهمّية الاستراتيجية للبنان بالنسبة إلى واشنطن بدأت بعد عام 1967 عندما برزت المقاومة الفلسطينية بقيادةٍ جديدة وبسلاحٍ جديد واتّخاذها للبنان قاعدة أساسية لانطلاقتها سياسيًا وعسكريًا.
إن الخوض في العلّاقات اللبنانية-الأميركية والسياسة الأميركية تجاه لبنان، يستوجب مؤلّفًا وحده( 7) وكذلك سياسة عدم حسم الأمور في سنوات الحروب الست عشرة، في الوقت الذي حسمت فيه واشنطن أيام الرئيس جورج بوش الأب حرب الخليج الأولى عام 1991، أي الاعتداء العراقي على الكويت، في غضون أيامٍ قليلة، لسببٍ واحدٍ رئيسي، وهو أن الكويت كانت تمثّل “مصلحة حيوية” لواشطن. لأن المصلحة الحيوية، كما حدّدها الدبلوماسي جورج بال George Ball في كتابٍ صادرٍ له عام 1986 تحت عنوان “خطأ وخيانة في لبنان”، هي: “على عكس الصراع العربي-الإسرائيلي والحرب بين إيران والعراق، لم تشكّل هذه الحرب الأهلية اللبنانية أي خطر يذكر على مصالحنا في الشرق الأوسط. ذلك أنه ليس للبنان قوّة عسكرية هامّة، كما وأن لبنان لا يشكّل أي تهديد لأيٍ من الدول المجاورة له، هذا فضلًا عن أنه لا يملك أي مواد أولية هامّة كما في دول منطقة الخليج. فالنسبة إلى الولايات المتّحدة ليس للبنان سوى أهمّية هامشية إن على الصعيد السياسي أو على الصعيد العسكري والاقتصادي.”
وانطلاقًا من ذلك المفهوم قضت سياسة هنري كيسنجر الذي عرف لبنان وكتب عنه في مذكّراته بسياسة حصر النار، وليس بإطفائها، أي حصرها حتى لا تمتدّ إلى سوريا وإسرائيل. هذا بعضٌ من تاريخ الحروب بين 1975 و1990. وهو عولج مرارًا. ولكن ماذا بعد الحروب تلك؟
الولايات المتّحدة لم تكن يومًا دولةً استعمارية تقليدية مثل بريطانيا وفرنسا. وقد شاهدنا كيف أنه عندما تقضي مصالحها، تتخلّى بسهولةٍ فائقة عن حلفائها. وهذا ما حصل عام 1979 عندما تخلّت عن شاه إيران، حليفها الأقوى في منطقة الشرق الأوسط في زمن الرئيس جيمي كارتر Jimmy Carter وعن حلفائها في فيتنام الجنوبية سنة 1975، وسوى ذلك من الأحداث. وهي عندما تحضر في أحد البلدان فلا يكون ذلك سوى لأسبابٍ عسكرية تتعلّق بمصالحها. ولذا فهي لا تترك أثرًا ثقافيًا أو مؤسّساتيًا مثل ما فعلت فرنسا وإنكلترا في دول مستعمراتها السابقة أو دول الانتداب، إذ في ما عدا النموذج اللبناني مثلًا ودول شمال أفريقيا أو وسط أفريقيا حيث التأثير الفرنسي واضح ومستمرّ، فإن إنكلترا نقلت كلّ ثقافتها وعاداتها وقوانينها إلى الهند وباكستان واستعماراتها السابقة في أفريقيا أو في أي أمكنةٍ أخرى من العالم من دول الكومنولث في القضاء والجامعات والإدارة واللغة… وحتى لعبة الكريكت.
أميركا تتصرّف بانطلاقات مختلفة. أولًا لأن الاستعمار التقليدي انتهى، وثانيًا لأن جذب اهتمامها يحتاج إلى وسائل خاصة.
بعد الحروب، وعودة السلام إلى لبنان، عادت العلاقات إلى طبيعتها بين لبنان والولايات المتّحدة. والمسؤولون اللبنانيون وبخاصةٍ الرئيسَين رفيق الحريري وسعد الحريري، قابلوا الرؤساء بيل كلنتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترامب. هذا من دون ذكر ما للّبنانيين في أميركا من دورٍ على مختلف الصعد.

العالم الآخر

وبما أن الهدف من هذا الكتاب ليس التأريخ، بل إجراء مراجعةٍ عامة لمسيرة لبنان خلال مئة عام فإن العلاقة مع الولايات المتّحدة، كما مع غيرها، كما مع فرنسا، نوردها من باب أن أزمات لبنان مستمرّة، وأن اللبنانيين لا يجدون من يتطلّع إليهم في أيام الأخطار سوى هاتَين المرجعيتَين خارجيًا، بعدما تراجع الدور العربي إلى حدود الزوال تقريبًا، نتيجة الخضّات التي لحقت بمختلف الدول العربية. وأما سوريا، الدولة الجارة والمنكوبة، فإن التجارب المؤلمة معها على طول أربعين سنة دلّت على أن دورها في لبنان لم يحقّق للّبنانيين أي مكسبٍ، إن على صعيد الوحدة أو الاستقرار أو السلام. ولذا كدولةٍ جارة، فإن دورها غير مرغوبٍ فيه ما دام أن نظام الحكم فيها لا يزال هو ذاته. ولكن في هذا المجال بالذات لا بدّ من ذكر مرجعيتَين أساسيتَين هما الفاتيكان والأمم المتّحدة.
لقد كُتب الكثير عن مواقف البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني في توصيف لبنان بأنه “أكثر من بلد، إنه رسالةُ حرّيةٍ ونموذجُ تعددٍّ وديمقراطية للشرق كما للغرب”، بتاريخ 7 أيلول 1989 في رسالته إلى البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير. كما عن زيارته إلى لبنان في أيار 1997 لنشر “الإرشاد الرسولي” بعد السينودس الخاص الذي طلب عقده في الفاتيكان خصيصًا للبنان في 26 تشرين الثاني 1995، بعد الإعداد له لمدة أربع سنوات، وقد سبقها توجيه 170 نداءً مخصّصًا عن لبنان أو تأتي على ذكره والتي جمعت في كتابٍ خاص.
مواقف الفاتيكان بالنسبة إلى لبنان في أيام يوحنّا بولس الثاني باتت فصلًا من التاريخ الحديث للبنان. لأن ذلك البابا المناضل البولوني الأصل، الذي نشأ وتربّى ومارس أسقفيته في وطنه الأم على رفض الظلم، أسهم في تغيير موازين العالم، ليس في بلده الأصلي فحسب، إذ تمكّن مع المناضلين البولونيين من إسقاط النظام الشيوعي في بلاده، لا بل في إسهامه بالتغيير العميق عبر إزالة الأنظمة الماركسية-اللينينية في أوروبا، وإسقاط جدار برلين وزوال النظام السوفياتي. فالكنيسة تتّخذ وجه النضال عندما يتعلّق الأمر بالاضطهاد. وهكذا تعامل الكرسي الرسولي مع لبنان الذي استهلكت حروبه إثنتي عشرة سنة من أصل حبرية يوحنّا بولس الثاني. وهكذا تعاطى مع حرب العراق عام 1990 في رفضه لاستعمال الوسائل العسكرية.(8 )
في المحطّات التاريخية، ما بين اندلاع الحروب في لبنان ابتداءً من عام 1975 وحتى انتهائها عام 1990 لا يمكن لأي باحثٍ أو مراجع أن يهمل دور الكرسي الرسولي في عهد يوحنّا بولس الثاني الذي شاءت أقداره أن يتوفّى في 2 نيسان 2005 بعد أقل من شهرَين من استشهاد الرئيس رفيق الحريري. لأن هذا البابا الذي رُفع إلى مرتبة القداسة بتاريخ 27 نيسان 2014، على يد البابا الحالي فرانسوا (مع البابا يوحنّا الثالث والعشرين) كان الوحيد الذي وقف إلى جانب لبنان طوال سنوات محنته، عندما شاهد تخلّي الدول الكبرى، وبخاصةٍ الولايات المتّحدة، التي ساءت علاقته معها زمنًا بسبب لبنان، عن هذا البلد الصغير في الشرق الأوسط الذي أدرك سلفاؤه منذ قرونٍ أهمّية وجوده، وضرورة الحفاظ عليه. وروى المقرّبون منه أن أزمة لبنان كانت في ضميره توازي قضيّة بلده الأصل بولونيا.
قوّةٌ معنوية هو الفاتيكان، ولكنه أكبر قوّة معنوية في العالم، ماضيًا وحاضرًا. ولذا ليس بمستطاع أيٍ من المقرّرين ألّا يستمع إلى مواقف الفاتيكان وتحذيراته. قوّةٌ معنوية فريدة ولكن بترجمات واقعية لا يمكن لأحدٍ أن يتجاوزها. لأن البابا، رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم التي يتجاوز عدد أفرادها المليار وثلاثمئة مليون نسمة، يتمتّع بصلاحيات مزدوجة تتجاوز صفته كرئيس أصغر دولة في العالم، الفاتيكان، التي تبلغ مساحتها 0.44 كلم2، أي حوالي 44 هكتار. ولكن رأس هذه الكنيسة هو الذين يعيّن كرادلة وأساقفة العالم الكاثوليكي كلّه من كرادلة نيويورك وواشنطن وباريس وبرلين ومدريد والفيليبين ودول أميركا الوسطى واللاتينية، فضلًا عن أفريقيا ودول الشرق الأدنى والأوسط والأقصى والهند وباكستان والصين واليابان أي حيثما هنالك مسيحيون كاثوليك. فذلك ليس بالقليل، وبخاصةٍ بالنظر إلى أهمّية المراكز الروحية والمعنوية التي يشغلها هؤلاء في بلدانهم، في مجريات الشأن العام، إذ للبابا ولأعضاء الكنيسة رأيٌ في التطوّرات الاجتماعية حتى في الدول التي فصلت الدين عن الدولة. ويشهد على ذلك ما واجهه خليفتاه بنديكتوس السادس عشر وفرانسوا اللذان يتصدّيان لسياسات اجتماعية ترفضها الكنيسة.(9)
الفاتيكان اليوم، على أعتاب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، اقترب من الشرق بصورةٍ ملحوظة علمًا بأن لبنان ماضيًا بصورةٍ خاصة، هو الذي أسهم بتعريف الفاتيكان على الشرق وعلى الإسلام من خلال علماء الكنيسة فيه من اللبنانيين. وهكذا كان سينودس خريف 2010 لمسيحي الشرق، لأن الاقتراب منهم هو في البداية من مسيحيي الشرق العربي، تحديدًا شرق الثورات والثروات، شرق الانغلاق والانفتاح، في انتفاضاته وعمليات قمع أنظمته، كما حدث في سوريا وكما حدث في حروب العراق وفي اضطهاد المسيحيين. والفاتيكان أدرك أن هذه القضايا لن تهدأ في زمنٍ منظور، وقبل أن تجد قضيّته الأولى المتمثّلة بالقضيّة الفلسطينية حلًّا، والتي أولاها البابا يوحنّا بولس الثاني عنايته عند استقباله ياسر عرفات بتاريخ 15 أيلول 1982، وكذلك عندما التقى البابا فرنسيس الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز، في 8 حزيران عام 2014 في الفاتيكان وصلّوا معًا من أجل السلام.
البابا بنديكتوس قام بزيارة لبنان في أيلول 2012 وأطلق ساعة وطأت قدماه أرض مطار بيروت ذلك التصريح الذي قال فيه إن لبنان هو نموذجٌ للاعتدال والتوازن لمنطقته وللعالم مكمّلًا بذلك ما كتبه الجنرال شارل ديغول للرئيس فؤاد شهاب كما سبق. إذ حدث هذا الالتقاء في الرؤية بين الرجلين على مسافةٍ زمنية تبلغ 48 سنة.
ولكن ما ميّز تلك الزيارة يومذاك أنها أتت لنشر الإرشاد الرسولي المعدّ لمسيحي الشرق بعد السينودس المخصّص لهم عام 2010. كانت تلك علامة مهمّة تدلّ على أن البابا أراد دخول الشرق من البوابة اللبنانية. ومما قاله لدى وصوله “إن العلّاقات بين لبنان وخلفاء القدّيس بطرس هي قديمة وعميقة. ولأجل ذلك أنا آتي إلى لبنان كحاجٍ للسلام، كصديقٍ لله، وكصديقٍ للناس. أنا أعطيكم سلامي قال المسيح . وفي ما هو أبعد من بلدكم، إني آتي أيضًا بصورةٍ رمزية إلى جميع بلدان الشرق الأوسط كحاجٍ للسلام، كصديقٍ لله وصديقٍ لكلّ سكّان هذه المنطقة مهما كانت انتماءتهم الدينية ومعتقداتهم. إن أفراحكم وأحزانكم هي باستمرار حاضرةٌ في صلوات البابا الذي يطلب إلى الله رعايتكم الدائمة.”
لعلّ تلك الزيارة التي وُصفت في الفاتيكان يومذاك بأنها كانت من أنجح زيارات البابا بنديكتوس إلى الخارج، مهّدت من ثم على صعيد الشرق الأوسط لذلك اللقاء التاريخي في دبي السابق ذكره، بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب، والذي كان عنوانه الأبرز ما يدور حول العيش المشترك، كأن الذين أعدّوه استلهموا من دون شك التجربة اللبنانية، التي كان الفاتيكان يعرفها جيّدًا منذ عقود، كما يعرفها شيخ الأزهر الذي استضاف أكثر من مرّة مؤتمرات حوار، برز فيها اللبنانيون بالحضور والكلمات. وكانت وثائق الأزهر الأربع التي نشرت في مطلع كانون الثاني عام 2012 عن الحرّيات الأساسية حدثًا كبيرًا في المجتمعات العربية والإسلامية، تناولت بالتفصيل ولأول مرّة مواضيع حرّية العقيدة وحرّية الرأي والتعبير وحرّية البحث العلّمي وحرّية الإبداع الأدبي والفنّي.
فالوثائق تلك، في موجة “الربيع العربي”، مهّدت للالتقاء الحتمي مع ما دعا إليه الفاتيكان دائمًا وما كان مطلوبًا لمواجهة حركات التطرّف والإرهاب باِسم الدين التي طاولت المجتمعات الغربية والعربية على السواء.

اِلتقاءٌ مع لبنان نعم

هذه اللقاءات البالغة الأهمّية، والوثائق الصادرة عنها هي في النتيجة من وجهة نظر المؤمنين بالتجربة اللبنانية، ترجمةً وتكريسًا لها من أعلى المراجع الدينية في العالم. وهي إذا كانت لم تنعقد من أجل لبنان أو في لبنان كما تمنّى البعض ذلك، فإن لبنان كان سبقها في الإعلان والممارسة منذ عام 1926. وإذا كان قد جاء في إحدى وثائق الأزهر ذلك التعبير المميّز “بعدم جواز التفتيش في ضمائر الآخرين”، فإن المادة التاسعة من الدستور اللبناني كرّست حرّية المعتقد قبل جميع الآخرين، حتى في الغرب.
هذا يريحنا بعض الشيء ولكن هل هو كافٍ لنبني عليه مستقبلنا؟ ولكي نقول إن المئة سنة القادمة ستكون غير تلك التي عبرت؟ هذا ما سنعالجه في الفصل الرابع ولكن قبل ذلك لا بدّ، ما دمنا في الحديث عن لبنان والعالم، من أن نلقي نظرةً ولو مختصرة عن علاقة لبنان بمنظّمة الأمم المتّحدة وبمجلس الأمن خلال تلك السنوات.

لبنان والأمم المتّحدة

لم يكن بالحدث العابر ذلك اليوم الذي انعقدت فيه الدورة الثالثة لمنظّمة اليونسكو الناشئة (المنظّمة الدولية للتربية والعلّم والثقافة) في بيروت ما بين 17 تشرين الثاني و11 كانون الأول 1948. وهي وكالةٌ متخصّصة تابعة للأمم المتّحدة، تأسّست عام 1945 واتّفق على جعل مقرّها في باريس.
يومذاك كان قد انقضى على إعلان قيام إسرائيل بضعة أشهرٍ فقط (أيار 1948) ولكن لبنان كان من مؤسّسي المنظّمة الدولية في سان فرنسيسكو في كاليفورنيا بتاريخ 26 حزيران 1945، من بين الدول الخمسين التي شاركت في ذلك التأسيس. كما أنه كان من واضعي شرعة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ابتداءً من عام 1946، وهي لجنة ترأّستها إليانور روزفلت، أرملة الرئيس فرانكلين روزفلت، مع القانوني الفرنسي الكبير (وحائز جائزة نوبل للسلام) رينيه كاسان René Cassin، وشارل مالك الذي لعب دورًا أساسيًا بكونه مقرّر اللجنة، حتى بعد أن جرى توسيعها. وهو ترأّس فيما بعد المجلس الاقتصادي-الاجتماعي التابع للأمم المتّحدة. ويذكر تاريخ ذلك الإعلان، أن دوره كان مثل “القوّة المحرّكة” لتلك اللجنة، فضلًا عن أنه عام 1952، خلف إليانور روزفلت في رئاستها للجمعية العامة للأمم المتّحدة.
ولكن عام 1948، أي بعد ثلاث سنوات فقط على تأسيس الأمم المتّحدة ومنظّمة اليونسكو، اختير لبنان لمكان انعقاد دورتها الثالثة، وذلك بفضلٍ أساسي للمونسيور يوحنّا مارون، الذي كان يومذاك أول مندوبٍ للبنان في اليونيسكو، بعدما كان رئيسًا لمدرسة الحكمة في بيروت ما بين 1933 و1944. ويروي عارفوه أنه يومذاك كان صديقًا مقرّبًا جدًّا من الرئيس رياض الصلح ومن الرئيس تقي الدين الصلح وبالطبع مع الرئيس بشارة الخوري ومن الوزير الأسبق الراحل حميد فرنجية. وهو مَن دفع بهذا الاتّجاه الذي التقى مع جهودٍ دبلوماسية أخرى، وبخاصة مساعي جوزيف أبو خاطر، الوزير المفوّض يومذاك في المكسيك، مع ميلتون أيزنهاور، شقيق الجنرال دوايت أيزنهاور، في سبيل اختيار بيروت كمكان لعقد الدورة الثالثة، وتجاوز العقبات وفي مقدّمها تمثيل إسرائيل.
كانت هنالك عقبتان أساسيتان يومذاك: المبنى الذي سينعقد فيه المؤتمر، وحضور إسرائيل، كما تقدّم. فبادرت الحكومة في زمنٍ قصير إلى تشييد البناء الذي يُعرف حتى اليوم بمبنى اليونيسكو، قرب الثكنة العسكرية التي كان يستعملها الجيش الفرنسي والتي هي أيضًا لا تزال قائمة. ولكن لبنان عارض حضور إسرائيل ولم يحصل إصرارٌ على ذلك من قبل الذين رشّحوها، كون إعلان نشوئها كان حديثًا. وهكذا انعقد المؤتمر الدولي الهامّ يومذاك في البوادر الاستقلالية الأولى وكاعترافٍ دولي بعد الاستقلال بأن لبنان هذا يمثّل قيمةً ثقافية كبرى على ملتقى القارات.
يومذاك ألقى رئيس الجمهورية بشارة الخوري خطابًا تاريخيًا جاء في مطلعه:
يسعدني أن أرحّب بكم ترحيبًا صادقًا جميلًا أذكر بمناسبته قول الشاعر اللاتيني: “أنا إنسانٌ وليس بغريبٍ عني كلّ ما هو إنساني.” فباسم لبنان، الفخور باستقبالكم في أرضه المضيافة، أرض الحضارات العريقة، وملتقى ثقافات الشرق والغرب، أعرب لكم عن أخلص التمنيات، لأن يُخصِب نشاطكم، ولأن تكون أعمالكم منارات مشعّة على طريق التقدّم الفكري والإنساني…
وما تناسي شؤون الساعة، بالطلب الذي يوجّه إلى أمثالكم من الرجال، لا لضمائر كضمائركم ودوركم وأنتم ممثّلو الأمم المتحّدة للتربية والتعليم والثقافة، هو أن تكونوا دومًا في يقظة، وأن تعبّدوا السبيل وأن تساهموا في بعث القيم الروحية والمعنوية، وأن تواجهوا القوّة الهوجاء في عالمٍ تدّعي السيطرة على كلّ ما فيه، لدى أقلّ غفلةٍ من الإنسانية من المبادئ الإنسانية التي يجب أن تحيا.
وفي 16 أيلول 2019 ألقى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمام الجمعية العامة للأمم المتّحدة خطابًا إثر إقرار الجمعية العامة مشروع إنشاء “أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار” بعد أن كان طُرح قبل ذلك بأن يكون لبنان مركزًا دائمًا للحوار والتلاقي بين مختلف الديانات والأعراق، كما سبق أن طرحه في صيغةٍ أولية في 21 أيلول عام 2017.
سبق ذلك الطرح من على منبر الجمعية العامة مشاريع قدّمها عددٌ من المفكّرين والمهتمّين بالشأن العام، ابتداءً من السفير الراحل فؤاد الترك الذي شارك مع مجموعةٍ من القانونيين والمفكّرين، شجّع عليها بشكلٍ خاص القنصل العام وليم زرد أبو جودة، في إطار جامعة سيدة اللويزة. وعُقدت في سبيل ذلك اجتماعات وعددٌ من المؤتمرات إلى أن توقّفت، بعد أن أخذ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الموضوع على عاتقه، وعرضه على الجمعية العامة، قبل أن يبدّل التسمية -بناءً على اعتبارات مختلفة- لإنشاء “أكاديمية” في لبنان، وليس جعل لبنان مركزًا لهذا الحوار، الذي كان أمامه اعتراضات داخلية وخارجية ليس أقلّها الموضوع الإسرائيلي. فضلًا عن أن من شأن إقرار مثل هذا المشروع يؤهّل لبنان للتحييد الذي كان ولا يزال مطلبًا لقسمٍ كبيرٍ من اللبنانيين ولكن يعارضه قسم آخر لأسبابٍ معروفة.

الرحلة الطويلة مع الأمم المتّحدة

لكن ما يجدر ذكره في هذا المجال أنه على مدى سبعين عامًا ما بين 1948 و2018 تردّدت في أروقة الأمم المتّحدة، أكان في الجمعية العام أم في اليونسكو، أقوالٌ بأن لبنان هو ملتقى الحضارات والأديان وملتقى ثقافات الشرق والغرب. وبقي لبنان ما بين 1948 و1968 هادئًا ومستقرًّا، ولو مع بعض الخضّات.
كان لبنان الآمن والمطمئن يومذاك كأنه على ثقةٍ بنفسه وبغيره، لأن الدروس القاسية لم تكن بدأت بعد، ولا الأوهام حلّت محلّ الأمال، ولا ظهرت سياسة المصالح على حقيقتها، وبرودة التوازنات الدولية والإقليمية التي لم تقم التوازن المرجو للبلد الصغير. هذا كلّه تعلّمه لبنان فيما بعد، وعلى حسابه.
ولكن من دون الدخول في تفاصيل القرارات الدولية، يجدر التمييز بين قرارات ما قبل حرب حزيران 1967، وحروب لبنان. وهي قرارات تشير لمن يراجعها اليوم، أن ما يجمع بينها هو ذكر الإدانة الصريحة لإسرائيل دون أي استثناء. لكن لا بدّ هنا من ذكر القرار الأساس 242 الصادر في 22 تشرين الثاني 1967، بعد بضعة أشهر من حرب حزيران 1967، وهو معروف لجهة التوازن الذي انطوى عليه (انسحاب واعتراف) في مقياس التوازن الدولي الذي كان قائمًا آنذاك، ولجهة الالتباس المقصود الذي ورد في النصّ الإنكليزي في ما يتعلّق بالانسحاب من الأراضي أو من أراضٍ (وهو ما جعل المندوب الفرنسي يومذاك أرمان بيرار Armand Bérard، يطلب التسجيل بأن النصّ الفرنسي، الذي لا لبس فيه، هو بنفس أصالة النصّ الإنكليزي، مضيفًا في الوقت ذاته بأن شرعة الأمم المتّحدة تحول دون احتلال الأراضي بالقوّة)، والقرار ذاك لم يأتِ على ذكر الفلسطينيين سوى بصفتهم لاجئين.
يومذاك، مارست إسرائيل الضغط على لبنان لكي يقبل بهذا القرار -وهذا حدث قبل توقيع اتّفاق القاهرة عام 1969- إلّا أن الحكومة اللبنانية تنبّهت للموضوع وأبلغت ممثّل الأمين العام للأمم المتّحدة بأن لبنان ليس معنيًا مباشرةً بتنفيذ هذا القرار.
على أنه في أي حالٍ كان للبنان رحلة طويلة مع الأمم المتّحدة. لعلّ أبرزها كان في المراحل الأولى من الحرب في لبنان وهو القرار المحوري رقم 425. الأستاذ الراحل غسّان تويني الذي كان سفير لبنان في المنظّمة الدولية لدى صدور هذا القرار اختصر ظروف صدور القرار والمشاورات التي أدّت إلى موافقة مجلس الأمن بالتالي قال: “لن أدخل في تفاصيل كيفية صدور القرار. لن أصف تلك الليلة في مجلس الأمن، 19 آذار 1978 حين صرخ لبنان في وجه العالم: اتركوا شعبي يعيش.” حسبي إضافةً إلى قراءتنا للقرار 425 أن أسجّل الملاحظات التالية. يومها سجّل الأستاذ تويني ملاحظات عديدة تدلّ على مدى الجهد الذي بُذل في ظروف الصراع الأميركي-السوفياتي، وتوافق وزيري خارجية أميركا سايروس فانس Cyrus Vans والاتّحاد السوفياتي أندري غروميكو Andrei Gromyko، كمثالٍ على صعوبة تلك الظروف، علمًا بأن الانسحاب الإسرائيلي المطلوب في القرار (إثر اجتياحها للجنوب في آذار 1978) لم يتحقّق إلّا عام 2000 في الظروف المعروفة. فالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب الذي حصل في 24 أيار 2000، تمّ في الظروف التي تخدم المصلحة العسكرية الإسرائيلية (وهو انسحاب هرولة، لم يخدم القرار 425 ولا جرى بخاصةٍ وفقًا للقرار 426 الذي كان قرّر في البند الثاني: “إن قوّات حفظ السلام في لبنان تنشأ وفقًا للتقرير المذكور أي تقرير الأمين العام لمدّة ستة أشهر”).
ولكن بعد ذلك صدرت قرارات عدّة شدّدت جميعها على مبدأ الاحترام الكامل لسلامة أراضي لبنان ووحدته واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليًا. ولكن في حزيران 1982، صدر القرار 508 ثم القرار 509 الذي طلب من جميع أطراف النزاع الوقف الفوري لكلّ النشاطات العسكرية كمحاولةٍ للحؤول دون بدء الهجوم، الذي ما لبث أن وقع، وهو الاجتياح الذي وصل إلى بيروت والجبل. في صيف 1982 وحتى نهاية السنة حصل الكثير: وصل الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت والجبل، وحوصرت العاصمة مدّة ثمانين يومًا. كما نُفّذت خطّة لترحيل الفلسطينيين من بيروت في شهر آب، وجاءت قوّة متعدّدة الجنسيات إلى لبنان. وانتُخب الشيخ بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية، واغتيل بعد 21 يومًا. ووقعت مجزرة صبرا وشاتيلا، وانتُخب الشيخ أمين الجميّل رئيسًا جديدًا. وفي نهاية السنة افتُتحت مفاوضات مع إسرائيل.
في 18 آب 1982 بدأ تنفيذ خطّة ترحيل منظّمة التحرير الفلسطينية عن بيروت ولبنان وهي الخطّة التي تمّ وضعها بين الموفد الأميركي فيليب حبيب والحكومة اللبنانية. وكان يوم الرحيل هو اليوم الذي تنتشر فيه طلائع القوّة المتعدّدة الجنسيات في منطقة بيروت، وهي قوّةٌ شُكّلت من وحدات فرنسية وإيطالية وأميركية وبريطانية فيما بعد، نزولًا عند طلب الحكومة اللبنانية لمساعدة القوّات المسلّحة اللبنانية على القيام بمهمّاتها في هذه العملية (عملية الترحيل التي وُضع لها برنامج تنفيذ دقيق).
في ما يتعلّق بالقوّة المتعدّدة الجنسيات، فإن لبنان طلب عودتها وهي عادت وفشلت في مهمّتها على النحو المعروف وبدأت تستعدّ للرحيل خصوصًا بعد الاعتداء على مقرّ القيادتين الأميركية والفرنسية في 23 تشرين الأول 1983 كما سبق، وكانت حرب الجبل قد وقعت في شهر أيلول السابق واستمرّت التطوّرات التي أدّت إلى إنجاز انسحاب القوّات المتعدّدة الجنسيات في ربيع 1984. وقد حتّم الإعداد لمؤتمر لوزان (15 آذار 1984) إعلان بطلان اتّفاق 17 أيار الذي تمّ رسميًا قبل عشرة أيام من ذلك التاريخ. والمعروف أن ملامح الحلّ التي ظهرت في صيف 1982 أخذت تنحسر وتتراجع، وعودة الحلّ العربي (والدور السوري على وجه التحديد بدأت تظهر واضحةً منذ مؤتمر جنيف في 30 تشرين الأول 1983، الذي سبق مؤتمر لوزان).

هل كان كلّ ذلك مقدّمات لتحييد لبنان؟

على طول ذلك التاريخ حتى اليوم، كان لبنان من أشدّ الحريصين على أفضل العلّاقات مع الأمم المتّحدة. والأمم المتّحدة، في جميع قراراتها حرصت على تكرار تعابير متشابهة مثلما جاء في القرار 520 الشهير: “إن مجلس الأمن يطلب مجدّدًا الاحترام الدقيق لسيادة وسلامة أراضيه ووحدته واستقلاله السياسي في ظلّ سلطة الحكومة اللبنانية وحدها دون سواها التي تجري ممارستها عبر بسط الجيش اللبناني في كلّ لبنان”. كلّ تلك القرارات وحتى صدور القرار 1701 في 11 آب 2006، بإجماع أعضاء مجلس الأمن (وذلك إثر حرب تموز 2006)، تنحو باتّجاه إيجاد حالة حياد لبنانية، إذ أبرز ما جاء في هذا القرار: “يطلب من الحكومة اللبنانية وقوّات الطوارئ الدولية كما هو مأذون لها… نشر قوّاتها في كلّ الجنوب ويطلب من الحكومة الإسرائيلية أن تسحب تزامنًا مع بدء هذا الانتشار وبموازاته قوّاتها من جنوب لبنان”. كما يؤكّد هذا القرار البالغ الأهمّية، على تأكيد تطبيق كامل بنود اتّفاق الطائف لتصبح الدولة اللبنانية وحدها وطبقًا لقرار الحكومة اللبنانية في 27 تموز 2006 تملك أسلحة وتمارس سلطتها في لبنان. ومنع وجود أي قوّة أجنبية في لبنان لا تحظى بموافقة الحكومة اللبنانية، وتلبية طلب الحكومة اللبنانية التي تريد نشر قوّة دولية لمساعدتها على ممارسة سلطتها على كلّ الأراضي، يسمح لقوّة الطوارئ الدولية باتّخاذ الإجراءات اللازمة في كلّ القطاعات التي تنتشر فيها قوّاتها، والعمل عندما ترى ذلك ممكنًا في حدود إمكانياتها.
ذلك القرار، إذا أضيف إلى سلسلة القرارات الدولية الكثيفة بشأن لبنان والتي تدّرجت منذ استقلاله وحتى حروبه والاعتداءات عليه، طلب انسحاب جميع القوّات منه وحلّ الميليشيات وفقًا لما ورد في القرار 1559 الصادر في 2 أيلول 2004 السابق ذكره، في الظروف السياسية التي أدّت إلى إقراره، والذي تبنّى طلب لبنان انسحاب جميع القوّات غير اللبنانية منه و”يُعرب عن بالغ قلقه من استمرار تواجد ميليشيات مسلّحة في لبنان ويؤكّد على أهمّية بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية”. والقرار ذاك أعلن تأييده لعملية انتخابات حرّة ونزيهة في الانتخابات الرئاسية المقبلة تجري وفقًا لقواعد الدستور اللبناني من غير تدخّلٍ أو نفوذٍ أجنبي.
على أن محطّةً أخرى بارزة في السنوات الأخيرة، تميّزت بقرارين صادرين عن مجلس الأمن الدولي، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الأول هو القرار رقم 1595 الذي أنشأ لجنة تحقيق دولية (بالإجماع) وذلك في 7 نيسان 2005 لمساعدة الحكومة اللبنانية في تحقيقاتها بخصوص اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005.
أما القرار الثاني فهو إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تحت الفصل السابع، ويحمل الرقم 1757 بتاريخ 30 أيار 2007. فقد كان لهذين القرارين ولا يزال الأهمّية الأولى، ليس في علاقة لبنان بالأمم المتّحدة وبمجلس الأمن فحسب، بل في العناية التي يوليانها للبنان. إذ إنها المرّة الوحيدة في تاريخ الأمم المتّحدة التي تنشأ فيها محكمة دولية خاصة لمثل هذا العمل الإرهابي الذي هزّ لبنان والعالم ولا تزال أثاره مستمرّة حتى اليوم.
هذه المراجعة السريعة لعلّاقة لبنان بمنظّمة الأمم المتحّدة وبمجلس الأمن تحديدًا، تشير إلى أمرٍ أساسي لعلّ لبنان ينفرد فيه من بين كلّ الدول الأعضاء، وهي أن الأمم المتّحدة أرادت ولا تزال أن تحمي لبنان. حصل ذلك في أوقاتٍ مختلفة ومتباعدة في الزمن، لأن لبنان هذا لم يتعرّض لاعتداءات إسرائيل فحسب بل لمواجهات إن مع القوى الفلسطينية، أو لمواجهات وممارسات مع الجيش السوري. بحيث بدا لبنان، في العديد من الأحيان أنه مطوّق، وأن القوّى العربية المشاركة في القوّة العربية المتعدّدة التي أقرّت في مؤتمرَي الرياض والقاهرة في تشرين الأول 1976 كانت نتيجة لجهدٍ عربي في إنهاء أعمال الاقتتال في لبنان، بعد مصالحة مصر وسوريا، من ضمن الواقع العربي يومذاك الذي سبق زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل في 19 تشرين الثاني 1977، وقطع العلّاقات العربية بالتالي مع مصر وإخراجها من الجامعة العربية وإخراج الجامعة العربية منها إلى تونس.

كلّما اتّحد العرب استفاد لبنان

ستة عشر عامًا من الحروب ما بين 1975 و1990، لم يقف العرب حيارى أمام مأساة لبنان، ولكنهم وقفوا عاجزين عن فرض السلام. وهو سلام، كما تبيّن، كان يحتاج إلى أكثر من جهودٍ عربية لفرضه، مع العلّم أن تحقيقه وإخراجه تمّا على أرضٍ عربية هي المملكة العربية السعودية في خريف 1989، في مدينة الطائف.
في هذا الوقت بالذات، وقت صياغة هذه الصفحات، تبدو مراجعة العلّاقات مع الدول العربية وتواريخ القمم العربية ذات قيمة تاريخية فقط، وذلك في وقتٍ انساق فيه لبنان، بغير رضىً منه إلى محورٍ معادٍ لغالبية الدول العربية، التي قاطعته بشكلٍ أو بآخر. ولذا يجدر عدم التوقّف عند ذلك طويلًا، لأن الواقع العربي اليوم انتهى إلى حيث لم يكن لبنان يتمنّاه: واقع حروب وتشرذم، مع تحوّل سوريا إلى حقول حروب وركام، والعراق إلى مواجهات إقليمية ودولية وداخلية، ومصر التي لم تستقرّ بعد ربيعها الشهير وسقوط الرئيس حسني مبارك في 11 شباط 2011، في أحداث ما سمّي حينذاك بثورة يناير، واليمن في حروبٍ عنيفة منذ سنوات، والجامعة العربية شبه مشلولة، والقرار العربي الجامع مفقود إلى أمدٍ طويل، في ظلّ الانقسامات والتحالفات العربية-الدولية، التي من مظاهرها البارزة تحالف السعودية والولايات المتّحدة، وسيطرة روسيا بصورةٍ شبه كاملة على القرار السوري.
لبنان هو الخاسر الأكبر في ظلّ هذه الانقسامات والتحالفات، لأنه كلّما كان العرب متّحدين كلّما أفاد لبنان من اتّحادهم، وكلّما تباعدوا انعكس هذا التباعد على الداخل اللبناني. ما يجدر ذكره فقط أنه، قبيل السيطرة السورية على لبنان وقراره، كان لبنان في مؤتمرات القمم العربية، يتميّز بمواقفه التي احترمها العرب وقدّرها، مثل ذلك المؤتمر في أوساط ستينات القرن الماضي، عندما كان الملوك والرؤساء يدرسون قضيّة الدفاع العربي المشترك، إذ كانوا جميعهم من دون استثناء -ما عدا لبنان- يتّخذون القرارات وهم جالسون على طاولة الاجتماعات. إلّا أن الرئيس اللبناني شارل حلو يومذاك قال لهم: “أنا آسف، عليّ الرجوع إلى مجلس النواب”.
ولكن بعد ذلك، في مختلف اللقاءات العربية على أي مستوى كانت، مثل المؤتمرات لوزراء الخارجية، كان وزير الخارجية اللبناني يشارك وهو المدرك أن الوزير السوري الحاضر يراقبه.
لم يبخل العرب بالمساعدة على أي مستوىً كان، والدول الخليجية وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، مدّت يد العون أكثر من مرّة إبّان الأزمات المالية. وكذلك الكويت ودولة الإمارات وقطر. وقد عولج هذا الموضوع في فصلٍ سابق في الحديث عن نوعية العلّاقات مع الإنسان اللبناني. وعام 2002 شهد لبنان مؤتمران مهمّان: القمة العربية، والقمة الفرنكوفونية.
عُقدت القمة العربية في 27 آذار وكانت إحدى القمم الأكثر أهمّية في تاريخ القمم العربية، إذ تبنّت مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز (كان وليًا للعهد يومذاك) للسلام التي تقضي بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلّة بما فيها الجولان حتى خط الرابع من حزيران 1967، والتوصّل إلى حلٍّ شامل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتّحدة، وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة على أراضي فلسطين المحتلّة منذ 4 حزيران 1967 في الضفّة الغربية وقطاع غزّة على أن تكون عاصمتها القدس. وتفصّل المبادرة بعد ذلك ما ستقوم به الدول العربية على إثر هذه المطالب. وفي 12 تشرين الأول من العام نفسه انعقد مؤتمر الفرنكوفونية التاسع في بيروت. وفي مؤتمر الفرنكوفونية الذي سبق انعقاده في هانوي عاصمة فيتنام في تشرين الثاني 1997، أصرّ الرئيس جاك شيراك الذي كان حاضرًا على أن يكون المؤتمر التالي في بيروت، بعدما أشاد يومذاك بخطاب الرئيس رفيق الحريري الذي ألقاه بالفرنسية.
تجوالٌ في رحلة قرنٍ من الزمن لا بدّ من أن تقودنا إلى السؤال الأساسي: بعد كلّ ذلك لبنان المستقبل إلى أين؟ وهذا موضوع الفصل الرابع من هذا الكتاب.

1– هو اللورد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا الذي وعد الحركة الصهيونية بإنشاء “وطن قومي يهودي في فلسطين A national Home in Palestine”.

2 – حقائق لبنانية، الجزء الثاني، ص 98، منشورات أوراق لبنانية.

3- نشر المؤلّف عام 2012 كتابًا بعنوان “ما بين لبنان وسوريا من النظام إلى الدولة” عالج فيه بإسهاب مختلف جوانب العلاقة بين لبنان وسوريا.

4- عندما توفي الوزير الأسبق ماجد صبري حمادة بتاريخ 21 تشرين الثاني 1994، كلّف الرئيس الراحل الياس الهراوي وزير الثقافة ميشال إده تمثيله في المأتم. وقبل توجّهه، أراد الوزير إده أن يطلع الرئيس الهراوي على بعض ما سيجيئ في كلمته ومنها أن الفقيد هو صهر الرئيس رياض الصلح، وزوج ابنته الصغرى ليلى. فرفع الرئيس الهراوي يده وقال له بحزم: “حذار أن تلفظ اسم رياض الصلح هناك، بحضور المسؤولين السوريين…”

5- هذا ما سمعته أنا منه شخصيًا.

6- راجع بهذا الخصوص مؤلَّف الدكتور هيام ملّاط حول “الأكاديمية الفرنسية ولبنان” الذي يجمع كلّ ما كتبه تاريخيًا وحاضرًا جميع الأدباء والمفكّرين الفرنسيين عن لبنان، دار النهار 2001.
7- سبق للمؤلّف أن عالج الموضوع بإسهاب في كتابه “لبنان والعالم بين الدور والضرورة” الصادر عن دار النهار عام 2002 وفيه عرضٌ وافٍ لتاريخ العلاقات بما فيها السياسة الأميركية أثناء حروب لبنان.

8- إني أفتخرُ على الصعيد الشخصي بأني حظيتً بمعرفة البابا يوحنّا بولس الثاني في البدء في أعمال السينودس ثم في الإعداد فيما بعد لزيارات الرئيس الشهيد رفيق الحريري إذ كان يناديني بلقبي “Professore”، وبعدما سألني عندما دعا مجموعة من المشاركين في السينودس إلى العشاء عن مهنتي فقلت له إني أستاذٌ جامعي. ولم ينسَ ذلك إلى درجةٍ أنه أثناء زيارته إلى لبنان في أيار 1997، وفي اليوم الأخير من هذه الزيارة التي أرهقته، وقبل توجّهه إلى المطار، قام بزيارة كاتدرائية القدّيس بولس للروم الكاثوليك في حريصا. وعندما التقت نظراته بنظراتي مدّ يده إليّ وقال:Professore, professore السينودوس”، وكنت سعيدًا بذلك، كما جميع الحاضرين.

9- في هذا الصدد، سأل هنري كيسنجر مرة، بعد سنوات من تخلّيه عن مسؤولياته في الإدارة الأميركية، البابا يوحنا بولس الثاني قائلًا: “لماذا تتّخذون مواقف لها نتائج سلبية؟” فأجابه البابا: “إن جعل تعاليم الكنيسة منسجمة مع الحالة السياسية الراهنة، يحوّلها إلى نوع من الضمان الاجتماعي. الكنيسة تسعى للبحث عن الحقيقة وليس لممارسة السياسة.”

• داود الصايغ دكتور دولة في الحقوق من جامعة السوربون، وصاحب نشاطات متعددة في الحقل العام. صدر له عن دار النهار: النظام اللبناني في ثوابته وتحولاته (2000)، لبنان والعالم بين الدوروالضرورة(2002) لبنان ثورة الحرية الدائمة(2011)، ومن بين لبنان وسوريا(2012)، وعن دار سائر المشرق: وجه لبنان في عواصف الشرق (2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات