Search
728 x 90

العنف السياسي في لبنان بين “مكافحة الإرهاب” و”منع التطرّف العنيف”

العنف السياسي في لبنان بين “مكافحة الإرهاب” و”منع التطرّف العنيف”

انواع عدة من المتطرفين العنيفين يرتبطون اما باستراتيجية خارجية وإما بأجندة محلية. تستدعي الاستجابة لكل منها اجتراح سياسات مخصّصة من خلال السعي إلى فهم عوامل الدفع والجذب كما التفكير بالتهديد الذي يشكّله هذا التطرّف في ضوء التفاعل بين الدين والطائفية والسياسة والهويّة.

ردينة البعلبكي وسارة عبد اللطيف

باحثتان ومنسقتا برنامج “الشؤون العربيَّة والدَّولية” في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.

في السنة الأخيرة، انحسر العنف السياسي في لبنان على نحو ملحوظ، واختفت مشاهد التطرّف العنيف منذ التحرير النهائي للجرود اللبنانية الشرقية من تنظيم “الدولة الإسلامية” في آب/أغسطس ٢٠١٧، في ظل التسوية التي انخرط فيها طيف واسع من القوى السياسية اللبنانية وأدّت إلى انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون في تشرين الأول ٢٠١٦، لكن هل صارت حركات التطرّف العنيف وممارساتها في لبنان جزءًا من الماضي فعلًا؟

حتى اليوم اعتمدت السلطات اللبنانية مسارين لمحاربة التطرّف العنيف الذي شهدته البلاد:

أولًا: مكافحة الإرهاب عبر المقاربة الأمنية التقليدية؛

ثانيًا: منع التطرّف العنيف مع إقرار استراتيجية وطنية وقائية.

أولًا: مكافحة الإرهاب

حتى العام ٢٠١٧، استجابت السلطات اللبنانية لتجلي ظاهرة التطرّف العنيف وتناميها من خلال مقاربة أمنية ذات طابع آني. شمل ذلك خوض الجيش اللبناني معارك مباشرة ضد تنظيمي “جبهة النصرة” و”الدولة الإسلامية” بعد سيطرتهما على بلدة عرسال اللبنانية في صيف ٢٠١٤، وكذلك تدخله في طرابلس بعد جولات المعارك التي شهدتها المدينة. وتضمن ذلك بالتوازي، التصدي لسلسلة التفجيرات التي شهدتها البلاد ومحاولة الحدّ منها، سواء التي استهدفت مناطق الثقل الشعبي لـ “حزب الله” في الضاحية الجنوبية لبيروت أو التي استهدفت مسجدي التقوى والسلام في مدينة طرابلس.

ونجحت الأجهزة الأمنية والجيش اللبناني في وضع حدّ لخطر التطرّف العنيف عبر المواجهات المباشرة أو تطبيق الخطط الأمنية كما في طرابلس مثلًا، وكذلك من خلال تفكيك العديد من الشبكات التي تمارس هذا التطرّف، ومنع وقوع هجمات جديدة بظل سباق محموم بين هذه الأجهزة والجماعات تلك.

لكن الحلّ الأمني يظل قاصرًا من دون وضع استراتيجية تنموية سياسية واجتماعية واقتصادية تكون علاجية أولًا، ووقائية ثانيًا، أي تلتفت إلى الأسباب البنيوية التي تعاني منها البيئات التي يخرج منها المتطرفون العنيفون وتنتشر فيها الدعوة إلى العنف بوصفه حلًا جذريًا في وجه “الظلم”.

ثانيًا: منع التطرّف العنيف

تصطدم مكافحة الإرهاب أمنيًا بالخلافات الجوهرية بين الفرقاء السياسيين اللبنانيين، حول تصنيف الجماعات والأفراد وممارسة التطرّف العنيف كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية (بخاصة بعد العام ٢٠٠٥)، بالإضافة الى تضارب الإرادات الإقليمية والدوليّة. من هنا، برزت الحاجة الى مقاربة وطنية وقائية لمنع هذه الظاهرة، استنادًا إلى استراتيجية شاملة وطويلة الأمد تعتمد مقاربة حقوق الانسان من جوانبها كافة، وذلك استجابة للخطة الأممية لمنع التطرّف العنيف التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في ٢٤ كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٥.

كان لبنان من أوائل دول الشرق الأوسط التي استجابت لمبادرة بان كي مون حين أطلقت الحكومة اللبنانية “الوحدة الوطنية لمنع التطرّف العنيف” في عام ٢٠١٧، وكلّفتها وضع استراتيجية وطنية، أقرّتها الحكومة بالإجماع تحت مسمى “الاستراتيجية الوطنية لمنع التطرّف العنيف” في جلستها المنعقدة بتاريخ ٢٧ آذار/مارس ٢٠١٨.

تتميّز الاستراتيجية بارتكازها إلى “المنظور المتوسط المستوى” الذي قلّ ما يركّز عليه الباحثون. ويُعنى “المنظور المتوسط” باستهداف الديناميات الاجتماعية السياسية على مستوى المجتمعات والسلطات المحليّة التي تؤثر على التطرّف العنيف وتتأثر به، ساعية – أي الاستراتيجية- إلى تفعيل دور البلديات و”أصحاب المصلحة” وتمكينهم من الاستجابة والسعي إلى إعادة دمج الأفراد.

كما يسجَّل أن رئاسة الحكومة اللبنانية تعتمد مسارًا تشاوريًا تُشرك فيه الخبراء الدوليين والمحليين، وكذلك الكيانات المحليّة الأمنيّة والقضائيّة والاقتصادية والاجتماعيّة المعنيّة، بالإضافة الى منظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والجامعات، من أجل بحث المحاور الاستراتيجيّة التسعة التي تضمنتها “الاستراتيجية الوطنية” بهدف وضع خطّة عمل في المرحلة المقبلة.

ثالثًا: توصيات 

١- في لبنان أنواع متعددة من المتطرفين العنيفين انطلاقًا من دوافع وطبيعة دور كل فئة منهم بحسب ارتباطها باستراتيجية خارجية أو أجندة محلية، فمنها ما هو ذات دوافع محليّة ومنها ما هو ذات دوافع أيديولوجية عابرة للحدود، وبين من يتمثّل في الحكومة أو لا يستفيد من غطاء شرعي، بالإضافة الى النوع الذي يلعب دور المحرِّض الذي لا ينخرط في العنف لكن يسبغ عليه الشرعية الدينية. وتستدعي الاستجابة لكل من هذه الأنواع الى اجتراح سياسات مخصّصة تستهدفه، وذلك من خلال السعي إلى فهم “عوامل الدفع” و”الجذب” من خلال تعزيز وتسهيل البحث العلمي، بهدف انتهاج السياسات المبنية على البحوث والأدلة.

٢- تستدعي الاستجابة الشاملة لمختلف أنواع التطرّف العنيف التفكير بالتهديد الذي يشكّله هذا التطرّف في ضوء التفاعل بين الدين والطائفية والسياسة والهويّة. من هنا، أهمية خلق سردية مضادة من خلال:

• تغليب الخطاب السياسي الشامل الاستيعابي على الخطاب السياسي والإعلامي المبني على الكراهية الذي يعمد إلى تنميط وعزل أفراد ينتمون إلى مناطق لبنانية محّددة محرومة إنمائيًا.

• تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية مثل دار الفتوى حتى تتمكن من استعادة دورها كمرجعية خاصةً لناحية تطوير برامج التعليم الديني.

٣- التوقّف عن النظر بعين الريبة إلى مخيّمات وتجمّعات اللاجئين السوريين والفلسطينيين بوصفها بؤرًا أمنية بحتة وإحقاق العدالة الاجتماعية فيها.

٤- إيجاد حلّ سريع لمشكلة السجون سواء لناحية الاكتظاظ الكثيف، من خلال بناء سجون جديدة وتسريع المحاكمات، أو لناحية اعتماد سياسة موحّدة لإعادة توزيع المساجين خصوصًا في قضايا الإرهاب ما يمنع العودة إلى العنف بعد الخروج من السجن، وكذلك فصل الأحداث عن باقي الموقوفين.

٥- وضع خطّة مستدامة منبثقة عن الاستراتيجية الوطنية للحدّ من شعور الغبن في المجتمعات المحلية التي تعتبر أنها مستضعفة ويبني بعض أفرادها عنفهم على سردية المظلوميّة.

٦- إعادة بناء الثقة بين أجهزة الدولة وبخاصة الأجهزة الأمنية والقضائية، والمجتمعات المحليّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات