Search
728 x 90

العمالة الفلسطينية : الدولة اللبنانية تتراجع

العمالة الفلسطينية : الدولة اللبنانية تتراجع

كيف سيتم التعامل مع قرار وزير العمل كميل ابو سليمان تنظيم العمالة الاجنبية، ولا سيما العمالة الفلسطينية؟ وهل القرار سياسي ام تقني، وما هي كلفة “كسر” قرار وزير وبالتالي اجراء للدولة اللبنانية تحت وطأة الضغوط الفلسطينية؟

أطلق وزير العمل الممثل لحزب ” القوات اللبنانية” في الحكومة اللبنانية كميل أبو سليمان خطة لمكافحة العمالة الأجنبية غير الشرعية بهدف “حماية اليد العاملة اللبنانية وتطبيق القوانين وتعزيز الأمن الاجتماعي وشملت هذه الخطة تنظيم عمل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. ففجرت ازمة سياسية وطائفية ودستورية انطلاقاً من ان مجلس الوزراء الذي اجتمع اخيراً، وبعد غياب لاكثر من شهر بسبب حادثة البساتين قبرشمون، سعى الى ابطال مفاعيل قرار وزير العمل لولا انه تم استدراك غيابه عن الجلسة.

وهو ما كان نقطة اعتراض قوية من حيث المبدأ انطلاقاً من انه من المستغرب ان يعمد مجلس الوزراء الى وقف العمل باجراءات اتخذها وزير العمل وتعطيلها في الوقت الذي ينبغي ان يدافع عنها ويدعمها. ووقوف عدد من الاحزاب والسياسيين الى جانب الفلسطينيين ساعد في تقوية موقفهم المعترض والرافض وصولا الى تنظيم تظاهرات الى حد بدا وزير العمل وحيداً حتى من دون دعم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون او فريقه على خلفية ترك وزير القوات اللبنانية التي تتنافس بقوة والتيار العوني، يواجه هذه المسألة لوحده علماً ان موقف وزير العمل مبدئي لكنه ايضاً يعبر عن موقف مزمن للطائفة المارونية.

من الناحية الدستورية ووفقا لبيان وزعه وزير العمل فإن ” لا ركيزة دستورية او قانونية لوقف قرار وزير العمل باعتبار انه لا يمكن لقرار من مجلس الوزراء وقف تطبيق قانون او كف يد وزير عن ممارسة صلاحياته الدستورية بتنفيذ القوانين المختصة بوزارته ” . لكن عملانياً فإنه تم تفخيخ هذا القرار المهم جداً وعطله مما قد يقيد ايدي الدولة اللبنانية في الواقع خصوصاً في ملف معالجة وضع الفلسطينيين وعمالتهم في لبنان حتى لو كان من باب تنظيمها.

ومع ان ابو سليمان نفى نفياً قاطعاً وجود اي استهداف للعمال الفلسطينيين في لبنان ، الا انه ثمة من يخشى ان التوقيت في اطلاق حملته لم يكن مناسباً مع انه كان يمهد لها منذ اكثر من شهرين. اذ ان مصادفتها مع تفجير سياسي عبرت عنه حادثة الجبل والتي لم تهدد بأزمة درزية درزية فحسب بل بأزمة درزية مسيحية ايضاً، ساهم في اخذ الامور الى منحى اخر يتصل بالطموحات المسيحية التي يعبر زعماء مسيحيون الى اعادة النازحين السوريين الى بلادهم من جهة ومقارنتهم دوماً باللاجئين الفلسطينيين وتالياً بعدم الرغبة في بقائهم في لبنان ، وقد تصاعدت موجة احتمال توطينهم مع اعلان الادارة الاميركية عما سميّ صفقة القرن.

والواقع ان الحكومة اللبنانية امام مشكلة في هذا الاطار ليس لجهة وقف قرار لوزير العمل فحسب والذي يمكن ان تفجر ازمة سياسية وطائفية ايضاً بل ان التظاهرات التي نظمتها القيادات الفلسطينية والوعود التي تلقاها هؤلاء من المسؤولين اللبنانيين بإعادة النظر بالقرار انما سيدفع الامور الى مكان اخر .

احد هذه الامكنة هو ان كسر قرار لوزير سيؤدي الى المزيد من هلهلة الدولة اللبنانية وانقساماتها العميقة كما ان انتصار الفلسطينيين في هذه المسألة التي انتصرت لهم فيها وسائل اعلام عربية ايضاً على قاعدة وجود تمييز في حقهم نتيجة الظلم اللاحق بهم، سيقوي فئات اخرى ولا سيما السوريون الذين قد يرفضون العودة الى بلدهم تحت ضغوط معينة.

والاهم من ذلك ان عدم معالجة العمالة الفلسطينية يجعل من الصعب الاعتماد على احتمال معالجة سلاح المخيمات الفلسطينية الذي يبقى شوكة في خاصرة الجسم اللبناني علماً ان لا سبب موضوعياً يسمح بأن يبقى الفلسطينيون على سلاحهم الذين يستخدمونه منذ اعوام طويلة في صراعاتهم الداخلية في المخيمات فيما انعدمت فاعليته او تأثيره في اي نزاع مع اسرائيل بعدما ” احتكر” “حزب الله” المقاومة والتحرير ضد اسرائيل فيما في ذلك تحرير القدس والاراضي الفلسطينية المحتلة .

وهو امر يبقي هذه المخيمات بؤرة للمطلوبين والهاربين من العدالة من دون قدرة للدولة اللبنانية على المعالجة. ومع ان هناك قرارا اتخذه الزعماء اللبنانيون على طاولة الحوار قبل سنوات حول نزع سلاح المخيمات فإن اي خطوة لم تتخذ في هذا المجال، مما يؤدي عملياً الى استبعاد موضوعي لاحتمال التفكير في معالجة موضوع سلاح ” حزب الله” على خلفية ان العجز هنا يستدرج عجزا هناك كما ان تبرير بقاء السلاح لدى تنظيمات تعتبر ” سنية ” يجعل من الاصعب عدم تبريره لدى تنظيمات ” شيعية” علما ان هذه الاخيرة داعمة بقوة للسلاح الفلسطيني وتحميه لاعتبارات خاصة بها وتحمي خياراتها ازاء استمرار السلاح الفلسطيني .

وهناك من يعتبر ان موضوع نزع السلاح الفلسطيني في المخيمات قد ينطوي على رسائل تفيد بقبول لبنان توطينهم فيما يحاذر الاخير ازاء اعطاء ايحاءات بهذا المعنى اقله في هذا التوقيت فيما هو يعلي الصوت رفضاً لمضامين ما سمي صفقة القرن التي تنطوي ضمنا على ذلك من خلال منح الدول التي تستقبل اللاجئين الفلسطينيين مساعدات اقتصادية كبيرة.

من جهة اخرى فإن العامل الاقتصادي لم يغب عن المنطق الرافض لتنظيم العمالة الفلسطينية من حيث القول ان القانون اللبناني وفي ضوء تعديل قانونيْ العمل والضمان الاجتماعي- بات يعامل اللاجئ الفلسطيني كفئة خاصة من العمال الأجانب، وله وضعية قانونية تختلف عن باقي الجنسيات. وإنه وبغض النظر عن المواقف في الوقت الراهن من عمالة اللاجئين السوريين وسواهم من عمال أجانب، فإن كل ما ينتجه اللاجئ الفلسطيني داخل لبنان يبقى فيه، مما يعزّز الدورة الاقتصادية للبلاد، سواء أكان مصدرها من أصحاب المشاريع الصغيرة أو من تعب العمال والحرفيين.

كما أضيف الى هذا المنطق ان لبنان يستفيد من حجم الأموال المتدفقة من خلال موازنة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والتي تبلغ ثمانين مليون دولار، إضافة لما تصرفه المنظمات الدولية بالمخيمات والتجمعات الفلسطينية، وما يرسله المهاجرون الفلسطينيون إلى ذويهم اللاجئين في لبنان والتي تقدر بعدة مئات الملايين من الدولارات.

وتالياً فإن السؤال يكمن في ما اذا كانت تنقذ الحكومة نفسها بحماية قرار احد وزرائها او تواجه الفلسطينيين في الشارع ؟

الخلاصة لا تبدو في مصلحة لبنان ما دام موضوع الفلسطينيين مرتبطاً في رأي سياسيين بأزمة حل القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي . وهذا شكل جانبا من ردود الفعل الرافضة لقرار وزير العمل على خلفية ان العمالة الفلسطينية وكل ما يتعلق بالفلسطينيين لن يسمح بمعالجته على انه مسألة تقنية كمسألة العمالة الفلسطينية مثلا بل يتم التعاطي معه كمسألة سياسية في الدرجة الاولى مما يرجح ان يجهض اي قرار او اجراء للدولة اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات