Search
728 x 90

العقوبات الاميركية: هدية الى انتفاضة اللبنانيين

العقوبات الاميركية: هدية الى انتفاضة اللبنانيين

قد يبدو ساذجاً بالنسبة الى كثيرين القول ان واشنطن قدمت هدية لا تثمن لانتفاضة الشعب اللبناني التي انطلقت في 17 تشرين الاول 2019 ضد الطبقة السياسية بأسرها من دون القدرة على تحقيق اهدافها.

فالدول تعطي اولوية لمصالحها في الدرجة الاولى وليس لمصلحة شعوب اخرى لكن مبادرة وزارة الخزانة الاميركية الى فرض عقوبات على جبران باسيل، الرجل الثاني في العهد العوني و” رئيس الظل” وفق تسمية قادة سياسيين نظراً الى احالة رئيس الجمهورية مراجعيه في السياسة الداخلية الى صهره ، تخدم هدف الانتفاضة ولا سيما انها خطوة اولى على طريق معاقبة سياسيين اخرين وفق قانون ماغنيتسكي المبني على “المساءلة في مجال حقوق الانسان والفساد والانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان في جميع انحاء العالم”.
وقد يبدو مؤسفاً ان تسعد غالبية عظمى من اللبنانيين بالعقوبات على باسيل من الولايات المتحدة الاميركية او اي دولة ولكن في بلد فقد شعبه القدرة على المساءلة والمحاسبة وكأن السياسيين وتحكمهم بالشعب وموارده ومستقبله كالقدر الذي لا امكان لنقضه، تبدو هذه الخطوة الاميركية بمثابة جرعة دعم غير مسبوقة ولا سيما اذا كانت ستلحق بها عقوبات يمكن ان تصيب سياسيين آخرين تولوا مناصب واستغلوا نفوذهم في تحقيق ثروات خاصة كبيرة وانهيار الوضع اللبناني.
والواقع ان الطبقة السياسية التي واجهت انتفاضة كبيرة اربكتها طيلة سنة تصرفت كما لو ان هذه الانتفاضة لم تحدث اي تغيير وتجاهل كلياً او معظم افرادها ما يفترض ان يعنيه ذلك من ضرورة تغيير في الاداء، فأبقت على مقارباتها التقليدية لشؤون البلد ان في تأليف الحكومات ، وجرت حتى الان ثلاث محاولات خلال سنة واحدة، او في التعاطي مع انهيار مالي واقتصادي غير مسبوق ومع انفجار في مرفأ بيروت تعامل معه العالم بأسره بالكثير من التعاطف والدعم للبنانيين فيما لم تحدث اي اهتزاز في ضمير المسؤولين في لبنان.
ولعل هذه السنة الكاملة شكلت علامة فارقة بالنسبة الى الولايات المتحدة التي دعمت مطالب اللبنانيين المنتفضين وطالبت بأن تؤخذ مطالبهم على محمل الجد وتتم معالجة شؤون البلد في شكل مختلف الى درجة ان الاتهامات الاولى التي هدفت الى اجهاض الانتفاضة انطلقت من “حزب الله” والحليف القوي لرئيس الجمهورية ميشال عون ووجهت الى الولايات المتحدة بدعم وتمويل المنتفضين.
وينبغي الاقرار في الوقت نفسه ان واشنطن لم تكف خلال سنة كاملة بعد انطلاق انتفاضة اللبنانيين عن ربط تقديم اي مساعدة للبنان بالاستجابة الى مطالب الشعب اللبناني وكذلك فعلت الدول الغربية التي حذت حذو واشنطن . ففي كل موقف ادلى به مسؤول او ديبلوماسي اميركي كانت الاشارة قوية وواضحة الى وجوب الاستماع الى مطالب الناس، وهو امر لم يقم به سوى عدد قليل من الزعماء السياسيين فيما واصلت الغالبية منهم مقاربة الواقع السياسي كما جرت عادتها بأن تفعل خلال اعوام طويلة.
ولعل النقطة التي طفحت الكأس لدى الولايات المتحدة كما لدى الدول الغربية التي وجدت نفسها ملزمة بإيلاء اهمية للبنان خارج المواقف التقليدية التي كانت ربما تطلق على سبيل رفع العتب ليس الا وكذريعة لعدم الاهتمام بلبنان او ايلائه اولوية كبرى، هي انفجار مرفأ بيروت. هذا الانفجار الذي شكل ذروة استهانة اهل السلطة والقيّمين على الامور بلبنان بالاهتمام بالشأن الداخلي وبالحفاظ على اللبنانيين اضطر الدول الكبرى الى الالتفات بقوة الى لبنان باعتبار ان المزيد من انهياره قد يكون مكلفاً اكثر بكثير من محاولة منع المزيد من هذا الانهيار. اذ ان نظرية ان الولايات اعتمدت قبل ذلك سياسة فرض عقوبات على ” حزب الله” ومن يدور في فلكه من مؤسسات وشخصيات داعمة لإجباره على تحمل مسؤولية انهيار بلبنان بسببه كانت سائدة لديه ولدى حلفائه ايضاً. وحتى ان فرض عقوبات على جبران باسيل يرتبط في جزء منه بكونه من ابرز الحلفاء الذين امّنوا تغطية للحزب وساهموا في تمكينهم في السيطرة على القرار السياسي اللبناني من اجل طموحات شخصية. ولكن باسيل ايضاً كان ولا يزال الشخصية التي كانت اكثر من طاولتهم انتقادات المنتفضين اللبنانيين على رغم استهداف هؤلاء كل الطبقة السياسية. لكن تركيزًا قوياً طاوله في ظل اداء للعهد التصق بمسؤوليته عنه من تعطيل وعرقلة وممارسة نفوذه في التعيينات لمصلحة مستشاريه ومناصريه الى جانب استهانته المخيفة بملف الكهرباء الذي هو في عهدته شخصياً منذ ما يزيد على عشر سنوات ولو ادير بالواسطة من جانب مستشارين او مساعدين له، والذي تسبب بعجز في الخزينة اللبنانية يتجاوز 62 مليار دولار. ولذلك انشدت اغاني ضد باسيل واضحى الاكثر استفزازاً للبنانيين فيما انه رأى ذلك تماماً كما رآه رئيس الجمهورية الا انهما ادرجا ذلك من ضمن ” محاولة الاغتيال السياسي” لباسيل في رأيهما منعاً لوصوله الى رئاسة الجمهورية الطامح اليها باسيل كأن يرثها بعد عمه الرئيس الحالي.
ولم يكن ممكناً للولايات المتحدة ان تصدر عقوبات على شخصية لبنانية تحظى بالصدقية في الداخل اللبناني ولكن هذه الاجواء جميعها المناهضة لاستمرار الاداء السياسي المتعجرف والمكابر ازاء الاهتمام بإدارة الشأن اللبناني وفق ما يفترضه منطق الدولة، تشكل دعماً قوياً غير مباشر للخطوة الاميركية التي اتخذتها وزارة الخزانة الاميركية ولا سيما اذا كانت ستهز العصا للمسؤولين اللبنانيين انهم جميعاً تحت المراقبة وان عليهم تصحيح اداءهم .
وتجدر الاشارة الى ان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو اشار في سياق إعلان العقوبات، إلى أن باسيل من خلال أنشطته الفاسدة- ساهم في نظام الفساد السائد والمحسوبية السياسية اللذين ابتلي بهما لبنان، واللذين ساعدا وسهّلا أنشطة حزب الله المزعزعة للاستقرار. وتضمن النص الأصلي للعقوبات، على اتهامات كثيرة متعلقة بالفساد من خلال المناصب الرفيعة المستوى التي شغلها باسيل في الحكومة اللبنانية كوزارة الاتصالات والطاقة والمياه وبعدها وزارة الخارجية والمغتربين. وبحسب النصّ نفسه، فإن باسيل عزز في العام 2017 قاعدته السياسية بتعيين أصدقاء له في مناصب مهمة ومنح آخرين أشكالاً أخرى من النفوذ في الساحة السياسية اللبنانية.
وفي العام 2014 خلال توليه وزارة الطاقة – وفق نص العقوبات أيضاً- أصدر باسيل قرارات وافق من خلالها على تنفيذ مشاريع تحوّل أموال الحكومة اللبنانية إلى أفراد مقرّبين منه، وذلك من خلال مجموعة من الشركات التي شكّلت واجهة لهذه العملية.
لكن ما يبدو اكثر التصاقاً بالطابع السياسي من هذه الاعتبارات هو اولا ان استهداف باسيل يصيب حليفاً قوياً واساسياً وربما وحيداً لـ” حزب الله” في مسار يؤذي الحزب اكثر من استهداف شخصيات من بيئته الطائفية المباشرة. وهو ما يعني ان من يتحالف مع الحزب ويقدم له الدعم اياً كان نوعه سيكون معرّضاً للعقوبات التي تشكل ضرراً على رجال الاعمال واصحاب المؤسسات او الشخصيات السياسية الطامحة لتبوّء مراكز سياسية متقدمة. وهو مؤشر على ان واشنطن التي اعتقدت ان وصول العماد ميشال عون، حليف الحزب، الى رئاسة الجمهورية قد فقدت الامل بعد اربع سنوات في السلطة من رغبة لديه مدفوعاً على الارجح بإرادة مستشاره وصهره باسيل في التموضع في نقطة وسطية بعيداً من الحزب وبما يمكن ان يعيد التوازن الى اللعبة السياسية اللبنانية.
ومع الاستمرار في التعامل مع تأليف الحكومة اخيراً بعد الاعتراض الواضح من عون على تكليف الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة، بدت الامور تراوح مكانها فيما ان باسيل اعتمد لغة مزدوجة ازاء الاميركيين معتبراً انه يستطيع ان يقدم خدمات سياسية لهم من خلال صلاته الوثيقة بالحزب في ظل اعتقاده انه يتمتع بالحصانة من العقوبات الاميركية، ولو ان معلومات تحدثت عن تهديد اميركي بها نظراً لمصاهرته رئيس الجمهورية وكونه رئيساً لتيار مسيحي اساسي . واشتد اقتناعا بوجود هذه المناعة مع اقتراب موعد الانتخابات الاميركية في ظل الاعتقاد ان الادارة الاميركية الساعية الى ولاية جديدة للرئيس دونالد ترامب لن يرد لبنان في اولوياتها في المدى المنظور وهناك هامش كبير للاستفادة في تعزيز الاوراق الداخلية سياسياً. وهذه النقطة تحديداً اي التفات الادارة الاميركية الى فرض عقوبات على شخصيات لبنانية في عزّ احتدام الخلاف الداخلي الاميركي حول نتائج الانتخابات هي النقطة التي لم يتم اخذها في الاعتبار علما انها تشكل رسالة قوية الى ان السياسة الاميركية تقوم على الاستمرارية.
العقوبات مؤذية سياسياً الى حد كبير، وقد يكون امام باسيل مسار طويل لدى الادارة الاميركية المقبلة من اجل نزع اسمه عن لائحة العقوبات علماً ان السياسة العونية اعتبرت دوماً ان مناهضة الاميركيين والتصدي لهم امر مربح كما فعل الرئيس عون بالذات في غالبية مساره السياسي.
لكن قد تكون الامور تبدّلت كثيراً في الزمن الحالي. اذ ليس سهلا على شخص مثل باسيل على سبيل المثال ان يُمنع من دخول الولايات المتحدة فيما جعل ديدنه زيارات سنوية متكررة الى الولايات الاميركية سعياً الى استنهاض المغتربين من اجل دعمه مالياً وسياسياً عبر تشكيل لوبي قوي له متمدد وشامل في المدن والولايات الاميركية تمهيداً لتحقيق طموحه الرئاسي. كما ان شمول العقوبات قدرته على التصرف بأمواله فيما ان اصابته الكبيرة هي من ادراجه على قائمة العقوبات على نحو يصيبه في الخارج اكثر من الداخل نتيجة الاصطفافات الداخلية السياسية المعروفة. وتالياً فإنه اذا لم يصحح وضعه في السنتين المتبقيتين من ولاية عمه الرئيس عون فإن فرص وصوله الى رئاسة الجمهورية غدا مستحيلا علما انه كان صعباً اصلاً. فأي رئيس مقبل لن يتمتع بموقع وسطي متوازن لن يجد فرصة مهما كان الدعم الذي سيقدم له تعطيلاً كما حصل مع الرئيس عون من ” حزب الله” او لمجرد ان يتمتع الحزب وحده بالقدرة على ايصال مرشحه.
في الوقت الراهن ثمة تساؤلات اذا كانت الخطوة الاميركية ستحدث تغييراً في اداء رئيس الجمهورية واهل السلطة اي حليفه ” حزب الله” ام انه سيصار الى التشدد اكثر على وقع العقوبات في الوقت الذي يملك الطرفان اوراقاً كثيرة لاستمرار التحكم في الوضع الداخلي فيما الادارة الاميركية الحالية تتهيأ لمغادرة البيت الابيض، ويستعد الرئيس الديموقراطي المنتخب جو بايدن للدخول اليه في 20 كانون الثاني المقبل. وهي فرصة راهن عليها الحزب مع ايران من اجل التنفس وتصحيح الاوضاع ولكن يخشى ان لبنان النازف سيكون ضحية حسابات انتقامية لكرامات شخصية تعتقد انها اصيبت في العمق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات