Search
728 x 90

العالم ينفطر قلبه على لبنان الذي ينتهي

العالم ينفطر قلبه على لبنان الذي ينتهي

بات لبنان في الاسابيع الاخيرة يسابق من حيث الانهيار المتسارع لعملته ووضعه الاقتصادي الانهيار السوري متصدراً المواقف الدولية والصفحات الاولى من الصحف العالمية. فناشد البابا فرنسيس المسؤولين اللبنانيين العمل لحل الأزمة المعيشية في لبنان، مشيراً الى أن “في لبنان أطفالاً جائعين وليس لديهم ما يأكلون” فيما كانت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستينا جورجيفا اعلنت ان ” قلبها ينفطر على ما يحصل في لبنان”. 

هذا اللبنان الذي استطاع ابناؤه تجاوز الاعوام الطويلة من الحرب والاجتياحات الاسرائيلية والاحتلال السوري لثلاثة عقود والسيطرة الفلسطينية، شارف وضعاً كارثياً لم يعرفه في زمن الحرب وسط تعنّت وامتناع عن اي تنازل يفترضه القيام بإصلاحات بل على العكس من ذلك.

ووصلت الازمة الاقتصادية الى الرغيف واصطفاف آلاف اللبنانيين امام المخابز من اجل الحصول على ربطة خبز في ظل تحذيرات سياسية من الوصول الى الاسوأ خلال اسابيع قليلة في ظل امتناع علني وواضح للقوى السياسية المتحكمة بالسلطة والمؤلفة من ” حزب الله” وحلفائه من اجراء اي اصلاح في اي قطاع اساسي مكلف ومطلوب من صندوق النقد الدولي كالكهرباء مثلا.

ويثير هذا الواقع تساؤلات عن المغزى من تشبث اهل السلطة بمكتسباتهم في ظل هذا الواقع على خلفية ان الانهيار المحتوم والذي لم يعد من مفر منه في ظل المعطيات المعروفة يمكن ان يؤدي الى احد احتمالين : احدهما هو تدجين الشعب اكثر من خلال إفقاره كما يحصل في الدول التوتاليتارية فيشغلون الناس بملاحقة لقمة عيشهم فقط والاعتماد اكثر من اي وقت على القوى السياسية التي تتزعمهم سياسياً وطائفياً . فتصبح السيطرة السياسية اكثر تجذراً ولا سيما انه في حال جرت انتخابات نيابية مبكرة تحت وطأة احداث تغيير سياسي كمتنفس للوضع فإن شراء الاصوات المعهود في الادبيات السياسية اللبنانية يمكن ان يحصل بأبخس الاثمان في ظل حاجة الناس الى ادنى متطلبات الحياة والى الوظائف التي فقدوها.

اما الاحتمال الآخر فهو ثورة غير متوقعة من اهل السلطة ولو انهم باتوا اكثر ثقة بعد ضرب انتفاضة 17 تشرين الاول التي قام بها اللبنانيون ضد الطبقة السياسية، وقد تم توظيف هذه الانتفاضة وتطييفها بحيث ضعف تأثيرها وذهبت في اتجاهات تخدم اهل السلطة ولو ان الغضب يتزايد لدى الناس.

لكن هذا الجانب الواقعي الفجّ للامور يتم تجاوزه عبر الدفع في اتجاه تأكيد الاقتناع بأن لبنان هو اسير او رهينة حرب في ظل نفوذ متوسع لايران عبر الحزب على لبنان كما على سوريا والعراق ومواجهة الولايات المتحدة هذا النفوذ والتضييق عليه دفعاً لايران للجلوس الى طاولة المفاوضات للتوصل الى اتفاق نووي جديد. وبهذا المعنى اعتبر ” حزب الله” قانون قيصر الذي بدأت الولايات المتحدة بتنفيذه في 17 حزيران 2020 حضّاً للنظام على التنازل لانتقال سياسي وتضييقاً على ايران في سوريا، استهدافاً مباشراً له تماماً على غرار نظام بشار الاسد في حين ان الضرر من قانون قيصر يفترض ان يكون جانبياً على الحزب وليس محورياً.

وشهد لبنان اخيراً تطورّين معبّرين تمثل احدهما في دعوة رئيس الجمهورية الى لقاء وطني يجمع كل الاحزاب والتيارات لكنه لم يستطع ان يحصل الا على دعم ما يسمى بقوى 8 آذار لولا ان رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان لبى الدعوة خصوصاً من اجل ايصال رسالة اكد من خلالها ضرورة العودة الى اعلان بعبدا الذي اُقرّ في عهده من اجل النأي بالنفس عن حرائق المنطقة. وهو اعلان تخلى عنه لاحقاً ” حزب الله” عبر تدخله في سوريا واليمن والعراق.

لكن المغزى ان هناك شرخاً سياسياً بدأ يتّسع وهو يشكل جزءاً من الازمة الراهنة حتى بطابعها الاقتصادي ولا سيما ان اقتصار السلطة على ” حزب الله” وحلفائه ادى الى الابتعاد كلياً بلبنان عن محيطه العربي لكي يشكل عنصراً من المحور الايراني. وهذا احد اوجه المقاطعة العربية وعدم الالتفات الى لبنان الذي طالما حظي بدعم الدول الخليجية النفطية.

اما التطور الآخر فتمثل في اصدار قاضي العجلة في مدينة صور قراراً قضائياً يمنع الاعلام من التحدث مع سفيرة الولايات المتحدة الاميركية في لبنان لمدة سنة في اشارة الى منعها ايضاً من التصريح. وهو امر نجمت عنه فوضى كبيرة تم من خلالها التصعيد مع الولايات المتحدة من جهة واحراج لبنان في علاقاته معها ومن اجل حضّها على مغادرته كما اطيح القضاء بأسره بالتجاوز المهين لقاضي لا تسمح له، لا صلاحياته ولا موقعه ولا مكانه، اصدار تقرير مماثل وتم توجيه رسالة الى الاعلام من اجل ضبطه وتقييده.

ومرد ذلك الى تضييق يشعر به الحزب على خلفية اضطراره الى تقديم شيء من اجل تنفيس الوضع او التخفيف منه حماية لمصالحه في بيئته في شكل خاص . فهناك اقتناع متعاظم بربط اهل السلطة لبنان بالانتخابات الاميركية على وقع ان ايران تدافع عن الاوراق الممسكة بها ومن بينها الوضع في لبنان حتى لو انهار ما دامت ايران هي بدورها في حال انهيار اقتصادي . وتالياً هي لن تخفف من وطأة الوضع في لبنان وذلك في اطار عدم التهاون مع الولايات المتحدة من اجل التفاوض معها قبل موعد الانتخابات الرئاسية الاميركية في 5 تشرين الثاني المقبل. ومن هنا التصعيد الاخير على خط الحزب والولايات المتحدة لعدم الرغبة في التنازل في اي ورقة يمسك بها راهناً، سواء كانت الحكومة ولو انها انهارت بين يديه وتكتفي بالتخبط في تنفيذ ما يريده اهل السلطة، او في الذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة او الى اصلاحات تمهد لحصول لبنان على قروض من صندوق النقد الدولي او اكثر التخلي عن ورقة عدم التفاوض على الحدود البحرية مع اسرائيل.

فحتى بالنسبة الى الافراج عن خطوة اصلاحية واحدة يمكن ان تساعد في فتح ابواب وصول اموال للبنان لا يظهر الحزب اي تنازل ولذلك يتم تحييد الانظار الى معارك جانبية رفضاً للتخلي عن اي ورقة وتمريراً للوقت حتى الخريف المقبل او قبله بقليل اذا شعرت ايران ان اميركا قد تعيد انتخاب الرئيس دونالد ترامب لولاية ثانية.

ففي وقت ما ستضطر ايران الى الجلوس الى طاولة المفاوضات مجدداً لكن لبنان يبدو انه التحق بسوريا على رغم مساعدته من الدول الغربية خلال الاعوام التسعة السابقة للحرب السورية من انتقالها اليه. وانشغال هذه الدول في الاشهر الاخيرة بأولويات اخرى فضلا عن تداعيات تفشي وباء الكورونا ترك لبنان وحيداً ومعزولاً، ما استنزف قدراته في اطار محاولة النظام السوري وقف انحداره الاقتصادي والمالي وممارسة التعنّت في اجراء اصلاحات داخلية.

واياً تكن الاثمان السياسية التي يمكن ان تنتج عن اي طاولة مفاوضات اقليمية دولية فإن الخشية الكبيرة ان يكون لبنان عبر خطّاً احمر عبر تدمير طبقته الوسطى التي كانت تعتبر صمّام الامان الاقتصادي وتدمير الثقة بنظامه المالي والمصرفي بحيث قد لا تكون له قيامة في المستقبل المنظور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات