Search
728 x 90

الطّائف بعد لبنان الكبير… وبعضُ “المسيحيّين”!

الطّائف بعد لبنان الكبير… وبعضُ “المسيحيّين”!

هُنا لبنانيٌ يكتب. مسيحيّته قائمة في الوعي الجماعي والوجدان التاريخيّ أنها في خدمة الإنسان والحريّة والعيش معاً. الطموحات السُلطويّة البائدة من فِعلٍ مَرضيّ لم يفهَم لا لبنان، ولا فرادة صيغته، ولا قوّة ميثاقه. جذور اللّافَهم تعود الى اغتيال مفاهيميّ لمعنى قيام لبنان.

زياد الصّائغ
خبير في السياسات العامة

 كان البطريرك الياس الحويّك منحازاً للمعنى. لم تُغرِهِ عروضات اقتطاعاتٍ كانتونيّة. عرَّفها بالكرتونيّة الغبيّة. وكان البطريرك مار نصرالله بطرس صفير منحازاً لديمومة لبنان الكبير. لم تُرهبه انزلاقاتٌ عبثيّة. حدَّدها بالموجات العابرة ولو مدمِّرة.

هُنا لبنانيٌ يكتب منتمياً أيضاً الى قِيَمه الإيمانيّة، ولو بمنأى عن الممارسة الطقوسيّةـ أردتُها تأكيداً لبعض المسيحييّن الذين “بَهبَطوا” حقيقة لبنان وجوهر رسالة المسيحييّن فيه، إنّنا من خُبثهم براء، ولكنّنا حتماً ننتظر “ميتانويّتهم”، على ما هي العبارة اليونانيّة للتوبة. كلُّنا في لبنان المُثخن بالجراح معنيّون بميتانويَّةٍ صادقة.
لم يعُد من وقتٍ للمكابرة والكبرياء، وللفوقيّة والاستعلاء، للكذب والتكاذب، للمصالح والصّفقات، للتسويات والرماديّات. ثمّة من صمّم منذ زمنٍ على إسقاط الهيكل وهو منذ عقودٍ يُمعِن في تدميره. يقطُن مذعوراً في هواجسه المزاجيّة. تتقاطع معه زبائنيّات تمتصّ دماء الأحرار والفقراء. الحُكم القائم في منظومةٍ سياسيّة موبوءة يستطيع إنتاج شعبويّاتٍ، وفرض اصطفافاتٍ، وتسليك سورياليّاتٍ رافعاً شعارات الإنقاذ. الإشكاليّة لا تكمن فيه، بل في من ائتمنه وسلَّفه في صناديق الاقتراع. ليس حَصراً في صناديق الاقتراع، بل من خلال انتلجنسيا وقوّة مجتمعيّة حيّة تطوَّعت لتأبيد خيوطه العنكبوتيّة حتّى جنَّةٍ مُفترضةٍ بالجُثث المجصّصة، يقدّمها للمصفّقين مليئة بالورود الزائفة.

معادلة الجثث/الورود نابضةٌ بسكيزوفرينيا نتِنة. كلّ الحُكم بات في حيِّز اللاوجود. لن تنتشله أكروباتيّات انتفاعيّة أو استنفاراتٌ مذهبيّة. كلُّ الحُكم بات في اللّاحُكم. ما زالت في يده القُدرة على الترهيب والإيلام.
تجارب التاريخ أثبتت أنّ الترهيب والإيلام محدودان. بلوغهما حدّ الإلغاءات الكاملة لمكامِن الاعتراض وَهمٌ. وإمكانيّة إفادتها من حاجةٍ معيشيّة ينفُذان منها لاستعادة مشروعيّة شعبيّة انتَفت فيها الصلاحيّة. أمّا القول بحقوقٍ طائفيّة ومذهبيّة مُنتهكة فأمسى من السِّمات الممجوجة، إذ هُم اللبنانيّون شركاء في المأساة.

ليس من الحتميّ ادّعاء اندحار الوسائل الخبيثة في إعادة تكريس خطوط تماس مذهبيّة وطائفيّة. قد يرسّخها الانتماء الجماعي للتعاضد المحدّد الجغرافيا والديموغرافيا، وفي هذا أمنٌ ذاتيُّ مُستعاد، ولَو بالغِذاء والاستشفاء والتعليم. لا بأس بذلك إذ تحلُّل الدولة يقتضي، وفي مرحلة انتقاليّة، مداواة تداعياته بِنسقٍ تعاضديّ مرحليّ، على أن يبقى تحرير الدولة من خاطفيها السياسيّين، والسيادييّن، والاقتصاديّين، والماليّين، والدستوريّين البوصلة النضاليّة الأساسيّة.

حكمة الصمود في هذا المأزق يجب ألا نُغفل فيها ديمومة التخطيط الاستراتيجي على المديين المتوسط والبعيد.
تحرير الدولة من خاطفيها الذين ذكرنا هو انتصار للوِفاق الوطني ووثيقته التي أقرّت في الطائف. لا رَيب أنّ ثمّة ثغرات فيها يجب معالجتها. لكن علينا الاعتراف بأنّ من اغتال دستور الطائف كان تقاطعاً بين ديناميّة خارجيّة وأخرى داخليّة. رحلت الأولى واستشرست الثانية. حِقد الثانية أعمى. ظهرت مع ما اُسمِيَ زوراً “القانون الأرثوذكسي” فيما هو من الأرثوذكسيّة الحضاريّة براء. وتبلورت من ثمّ مع قانون انتخابٍ هجين. إستقال بعض المسيحييّن منذ زمن بتكتيكهم من لبنان الكبير واتفاق الطائف. ولِأحدِهم الذي قال بالصوت العالي: “شفنا العيش المشترك مقابر جماعيّة”، أقول بصوت هادىء: “لم تقرأ الإرشاد الرسولي، ولا وثائق المجمع البطريركي الماروني، ولا سينودس مسيحيّي الشرق الأوسط… رجاءً إستفِق من هذا السُّبات القاتل أنت وصحبُك. يكفي المتاجرة بنا كمسيحيّين خصوصاً وكلبنانيّين عموماً. إِتقِ الله”.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات