Search
728 x 90

الضربة القاضية؟

الضربة القاضية؟

لم يكن ينقص الإنهيار الشامل في لبنان سوى انفجار المرفأ الهائل الذي أطاح بما تبقى من بصيص أمل في استعادة فتات الوطن الذي بقي نتيجة سنوات وسنوات من الفساد والإهمال والزبائنية والطائفية وانعدام المسؤولية الرسمية.
لم يكن ينقص الوطن سوى تقاذف المسؤوليات والغموض الشامل الذي لفّ طبيعة الإنفجار وسببه مع تناقض المعلومات حيالهما في وقت بات اكثر من 300 الف لبناني في العراء وارتفعت الأضرار الى ما بين 10 و15 مليار دولار، كما قال محافظ بيروت مروان عبود، في قطر امتدّ على 30 كلم من العاصمة وضواحيها.

ماذا حصل؟

ما الذي حصل في السادسة والدقيقة الخامسة من عصر الرابع من آب 2020؟

الروايات كثيرة والفيديوهات الموثقة تظهر حريقاً كبيراً في محيط العنبر 12 من الرصيف المحاذي لرصيف اهراءات الحبوب والقمح . انفجارات صغيرة شبيهة بانفجار مفرقعات تلاها انفجار هائل شبيه بالقنبلة النووية أنتج غيمة بشكل فطر ودخاناً زهرياً، فأطاح بالرصيف ومحيطه الواسع برمته، كما بالمنازل والمؤسسات والمباني المقابلة امتداداً الى أضرار طالت قطراً طوله 30 كلم.

بين الرواية الرسمية التي استبقت تقرير لجنة التحقيق التي منحها مجلس الوزراء خمسة ايام لإنجازه، وبين التحليلات الصحفية المحلية والأجنبية التي استندت الى مسارعة الاعلام الاسرائيلي الى القول ان الانفجار نتيجة قصف جوي اسرائيلي لمخازن اسلحة تابعة لحزب الله – قبل التراجع عن هذه الرواية- وبين تأكيد الرئيس الاميركي دونالد ترامب غداة الانفجار ان ” بعض الجنرالات يرجحون وقوع هجوم أو انفجار قنبلة في بيروت “…. شتَان.

فالرواية شبه الرسمية تستند الى الاهمال المقصود او غير المقصود مع علم اكثر من مرجعية رسمية بخطورة هذه المواد. فتفيد هذه الرواية بأن العنبر 12 كان مختوماً بالشمع الأحمر ويضم 2750 طناً من مادة “نيترات الامونيوم” الشديدة الانفجار High Density Ammonium Nitrate المخزنة هناك منذ تشرين الثاني 2013 بعدما تمت مصادرتها من الباخرة “Rhosus” الآتية من مرفأ Batumi في جورجيا على البحر الأسود، كما احتجاز طاقمها.

ويفيد مكتب “بارودي ومشاركوه” الذي تولى التفاوض لإطلاق الطاقم يومها، ان شحنة نيترات الامونيوم كانت مشحونة لأمر بنك موزمبيك الدولي Banco Internacional De Mozambique ومرسلة إلى شركة Fabrica de Explosives . وكانت السفينة “Rhosus” معدة لتحميل بضائع من مرفأ بيروت إلى الأردن. إلا أن جهاز مراقبة السفن في مرفأ بيروت (Port State Control) وبعدما كشف عليها، منعها من السفر لعدم إستيفائها لشروط سلامة الملاحة البحرية.

ويقول مكتب “بارودي ومشاركوه” ان السفينة – وبعد أشهر عدة على وجودها في المرفأ- تعذر على أصحابها ومستأجريها – ولم تكشف اي معلومة اسماءهم او هويتهم- دفع نفقات رسوّها في المرفا وأجور بحارتها ، كما تخلت الجهة المرسَل إليها Fabrica de Explosives عن حمولتها.

ويقول المكتب انه ارسل كتاباً إلى رئيس مرفأ بيروت بتاريخ 7/4/2014 بعنوان “طلب إتخاذ تدابير مستعجلة”. والكتاب مسجل لدى المديرية العامة للنقل البري والبحري برقم 3017/6 تاريخ 9/4/2014، بحيث شرح خطورة وضع السفينة وحمولتها، مذكراً بكوارث سابقة ناجمة عن إنفجار نيترات الأمونيوم، ومنها إنفجار سفينة محملة 2600 طنا متريا من هذه المادة في ميناء تكساس سنة 1947.

فتلقى مكتب “بارودي ومشاركوه” رداً من المدير العام للنقل البري والبحري في 14/7/2014، أعلمه فيه بتوجيه كتابين إلى كل من الوكيل البحري لإصلاح الباخرة، والى وزارة العدل – هيئة القضايا، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتلافي غرق السفينة المحملة ببضائع خطرة. وذلك بعد صدور قرار عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت بتاريخ 27/6/2014 بالترخيص بتعويم السفينة “Rhosus” بعد نقل المواد الموجودة على متنها إلى مكان مناسب لتخزينها تحت حراستها.

وتقول معلومات صحافية ثانية ان رئيس جهاز أمن الدولة طوني صليبا قدم كتاباً الى المجلس الأعلى للدفاع يحذّر فيه من ان العنبر المذكور يحتاج إلى صيانة وقفل بابه مخلوع، إضافة إلى وجود فجوة في حائطه الجنوبي يمكن من خلالها الدخول والخروج بسهولة، طالباً من إدارة مرفأ بيروت تأمين حراسة للعنبر، وتعيين رئيس مستودع له، وصيانة كل أبوابه ومعالجة الفجوة الموجودة في حائطه.

وتضيف هذه المعلومات ان مديرية أمن الدولة رفعت كتاباً مماثلاً الى كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في نهاية العام 2019، والى رئيس الحكومة حسان دياب في 20 – 07 – 2020 عن طريق الأمانة العامة للمجلس الأعلى للدفاع تحذر فيه من خطر الاستمرار في تخزين “نيترات الأمونيوم” في مرفأ بيروت ، وذلك بعد رفع نسخة من التقرير نفسه الى نائبة رئيس الحكومة وزيرة الدفاع زينة عكر ووزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجار في مطلع حزيران 2020.

إذاً، كان علم رسمي بخطورة هذه المادة المخزنة في المرفأ بالقرب من منطقة مكتظة بالسكان… ولأكثر من 6 اعوام. لا بل تم تخزين حاويات من المفرقعات بالقرب منها… وتمّ تلحيم باب العنبر قبل ساعات معدودة من الانفجار.

وكان ايضاً، ولم يزل، تقاذف للمسؤوليات سيضيّع حتماً المسؤولية المباشرة. فلن ينفع وضع ” كل من أدار عملية التخزين وحراسة وتمحيص الملف من الـ 2014 حتى الان تحت الإقامة الجبرية” لخمسة ايام، كما أقرّ مجلس الوزراء غداة الانفجار، اذ ان كل جهة رسمية سترمي المسؤولية على الأخرى، كما سبق وحصل في سوابق عدة، حتى لو لم تكن بهذه الخطورة… بحيث تكثر التقارير والتقارير المضادة لتغرق المسؤولية والمسؤولون عن الجريمة بينها.

مخازن لحزب الله؟ 

وفي المقابل، تأتي رواية ثانية لتشكك بالرواية الرسمية، مستندة الى شهود عيان قالوا انهم سمعوا اصوات طائرات حربية قبيل الحريق وقبل الانفجار الكبير. كما صوّر آخرون ما قالوا انه “درون” فوق العنبر 12.

وتذهب هذه الرواية الى حد القول ان اسرائيل قصفت الحاويات القريبة من العنبر بعد وصولها معلومات عن وجود هناك مخازن اسلحة تابعة لحزب الله. فتفاجأت بانفجار العنبر 12 حيث نيترات الامونيوم. وتقول ان الرصيف حيث هذا العنبر يتضمن بوابة تسمى “بوابة فاطمة” المخصصة للمنطقة المخصصة لحزب الله دون غيره من أي اجهزة امنية رسمية.

وتستشهد الرواية بوقائع سابقة تعود الى كانون الثاني 2012 حيث ضبطت السلطات التايلندية 290 ليترا من نيترات الأمونيوم واعتقلت متورطين قالت انهم على علاقة بحزب الله. كما ضبطت قبرص، في ايار 2015، كمية تقدر بـ 420 صندوقاً من نترات الأمونيوم ربطتها بحزب الله. وفي الكويت، اوقفت السلطات في آب 2015 ثلاثة اشخاص قالت انهم على علاقة بحزب الله ويخزنون 42 ألف رطل من نترات الأمونيوم. وكشفت صحيفة “تليغراف” البريطانية في خريف 2015 دهم 4 مواقع تابعة لحزب الله قرب لندن، حيث كان يتم تخزين 3 أطنان من نترات الأمونيوم في أكياس ثلج. وأخيراً، في 30 نيسان 2020، حظّرت المانيا انشطة حزب الله على اراضيها بعد توقيفها شخص قالت انه ينتمي الى حزب الله كان يخزن هذه المادة في قبو تحت بيته.

الا ان هذه الرواية تتضمن ثغرة اساسية تبرز في الاستخفاف بالمعلومات الاستخباراتية الاسرائيلية التي لا يمكن ان يكون فاتها وجود 2700 طن من نيترات الامونيوم بالقرب من المركز الذي ستستهدفه.

لكن مهما كانت الرواية الصحيحة – وهذا ما سيكشفه المستقبل وحده- فإن ثغرة ثانية تبرز في غياب القوات الدولية العاملة في الجنوب اليونيفيل عن الصورة. فالقرار 1701 ، ومنذ تشرين الأول ٢٠٠٦، يقضي بأن تنتشر قوة اليونيفيل البحرية على إمتداد الساحل اللبناني “لدعم القوات البحرية اللبنانية في مراقبة مياهها الإقليمية وتأمين السواحل اللبنانية ومنع دخول الأسلحة غير المصرّح بها أو المواد ذات الصلة إلى لبنان عن طريق البحر”.

وقوة اليونيفيل البحرية – وفق موقعها الالكتروني الرسمي – منذ بدء عملياتها في 15 تشرين أول 2006 وحتى ايلول 2019، هاتفت 97377 سفينة، وأحالت 14381 من هذه السفن إلى السلطات اللبنانية لمزيد من التفتيش، في البحر أو البر… فأين باخرة “Rhosus” من نطاق عملياتها؟

ومهما كانت الرواية الأصح ايضاً، فإن نتيجة هذه الكارثة هو استنباط تعادل رعب بين اسرائيل وحزب الله سيحول في المستقبل القريب دون اي حرب محتملة بينهما على ارض لبنان. فلا اسرائيل ورئيس حكومتها المثقل بشبهات الفساد يتحملان تكبيد لبنان والبنى التحتية فيه مزيد من الانهيار حتى لو كانت الحجة الرد على حزب الله… وصور العلم اللبناني الذي اضاء واجهة بلدية تل ابيب والتي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي ابرز دليل على ذلك.

ولا حزب الله وبيئته الرازحة تحت الانهيارين الاقتصادي والمالي، يستطيع ان يتحمل مزيد من التدهور بفعل اي عملية عسكرية محتملة ضد اسرائيل.

فالخسائر التي قدّرها محافظ بيروت مروان عبود بما بين 10 و15 مليار دولار ستضاف على ديون الدولة اللبنانية المقدرة بأكثر من 100 مليار دولار. واللبناني الذي لم يكن يستطيع مواجهة فقدان الليرة اللبنانية اكثر من 60% من قيمتها وهو غير قادر على تأمين لقمة العيش لن يتمكن من إعادة البناء من الصفر. والبضائع التي كانت ارتفعت اسعارها 200% بفعل التضخم وارتفاع سعر صرف الدولار، ستتضاعف اسعارها مرتين وثلاثاً واربع بعد خراب مرفأ بيروت الذي كان يؤمن 70% من حركة الاستيراد، وبعد شبه تدمير اهراءات القمح والحبوب التي سيستغرق إعادة بنائها على أقله بين 3 و5 سنوات.

وهنا لن تنفع مقولة “ما همّ الغريق من البلل” لأن ما قبل الرابع من آب لن يكون كما بعده. فالإنفجار الذي صُنّف الثالث في قوة الانفجارات في تاريخ العالم بعد هيروشيما وناغازاكي سيفجّر حتماً كل شيئ من حوله. يكفي التذكير أن الانفجار الذي اودى بالرئيس رفيق الحريري انهى 30 عاماً من الوصاية السورية على لبنان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات