Search
728 x 90

الضحايا الجدد لزلزال المرفأ..التحقيقات والقضاء ؟!

الضحايا الجدد لزلزال المرفأ..التحقيقات والقضاء ؟!

ليست ظاهرة جديدة او غير مألوفة في السياسة اللبنانية ان تتداخل المؤثرات السياسية بقوة في الملفات القضائية بل ان ثمة تجارب لا تحصى على معارك سياسية اتخذت القضاء مسرحها المفتوح وأدت في الخلاصات الى مزيد من اضعاف السلطة القضائية وإخضاعها لسطوة السلطات والسياسيين .

واذا كان عهد الرئيس الأسبق اميل لحود اعتبر حتى وقت ليس ببعيد من أسوأ العهود التي جرى خلالها تسخير القضاء لمآرب سياسية استخدمت ضد الرئيس رفيق الحريري خصوصاً ومناهضي العهد عموماً بما أفضى لاحقاً الى زلزال سياسي وامني ترجم في اندلاع حرب الاغتيالات فإن العديد من الدوائر والاوساط المحايدة راهناً يخشون ان يكون عهد الرئيس ميشال عون قد اسقط القراءات الموضوعية في حدها الأدنى للتداعيات البالغة الخطورة التي ستترتب على الاستهانة في جعل القضاء عصا غليظة يمسك بطرفها والمحرك التقريري العهد لأن مؤشرات الاصداء على ذلك تنذر بأوخم العواقب بل وبتخطي المجريات التي حصلت إبان عهد لحود الى الأسوأ .
ذلك ان التعامل مع فتح الملفات القضائية التي كانت تتسم باستنسابية مكشوفة وأحادية فاقعة أيام لحود وكانت تتركز على ملاحقات لرجالات ووزراء مرتبطين بالرئيس رفيق الحريري كانت تعزى الى الوصاية السورية التي كان العهد اللحودي واجهتها الداخلية لا اكثر ولا إقل . اما في الحال الحاضرة فإن يغدو مخيفاً ان تستحضر التجربة التي كان مناصرو التيار الوطني الحر بزعامة العماد المنفي الى فرنسا ميشال عون آنذاك اكبر ضحاياها في حين يترنح عهد الرئيس عون امام آخر سنتين من ولايته عند هاوية سحيقة والبلد معه بأسره .
اندلعت في الفترة الأخيرة معركة سياسية مكبوتة بين العهد وأطراف أساسية على خلفية اتهام الثلاثي تيار المستقبل وحركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي للعهد بأنه يدفع في اتجاه توظيف القضاء للاقتصاص من خصومه وذلك على اثر بدء إحالات قضائية في وزارات ودوائر لموظفين محسوبين على الأطراف الثلاثة دون سواهم . والحال ان هذه المعركة ما كانت لتأخذ توهجاً واسعاً لولا انها انطلقت فعلا غداة اصدار وزارة الخزانة الأميركية مجموعة عقوبات بحق رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، الأمر الذي اغضب باسيل للغاية وتعاطف معه بقوة الرئيس عون وبدأ تفاعلات الملفات المفتوحة وتلك التي فتحت لاحقاً تتهدد بمشهد صراعي واسع سيضاف الى تعقيدات الوضع الداخلي الكارثي .
كان لهذا الجانب وحده وبمعزل عن أي تداخل في أي جوانب سياسية أخرى ان يفاقم التدحرج الآخذ بالوضع نحو متاهات بالغة الخطورة سياسياً واقتصادياً وماليا ًواجتماعياً خصوصاً مع ازدياد الانسداد الحاصل في مسار تأليف الحكومة العتيدة برئاسة الرئيس سعد الحريري بعد مرور ثلاثة اشهر على المراوحة والدوران في حلقة مفرغة من دون التمكن من تجاوز تعطيل تأليف الحكومة .
ولكن أسوأ الأخطاء الجديدة والطارئة التي جاءت لتسكب زيت التوترات على نار معارك تصفيات الحسابات السياسية وشد الحبال في الملف الحكومي حصل في الأيام الأخيرة في ملف التحقيقات الجارية في انفجار مرفأ بيروت . كان يمكن ان يشكل ادّعاء المحقق العدلي في ملف انفجار المرفأ القاضي فادي صوان إنجازاً حقيقياً ونقلة إصلاحية مرموقة لجهة توسيع الملاحقات القضائية نحو المستوى السياسي ولأول مرة مع ادعائه على رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب وثلاثة وزراء سابقين للأشغال والمال هم علي حسن خليل، الذراع اليمنى للرئيس نبيه بري، وغازي زعيتر النائب في كتلة بري أيضاً ويوسف فنيانوس، الذراع الأخرى لزعيم تيار المردة الزغرتاوي سليمان فرنجية . ولكن سهام الادعاء المفاجئ الذي شكل للوهلة الأولى ما بدا انه ضربة جريئة سرعان ما طاشت تماماً امام هبوب عاصفة عنيفة وحادة من مختلف مراجع الطائفة السنية ضد استهداف رئاسة الحكومة الى درجة شكلت تعويماً لشخصية سنية كانت معزولة وتصنّف في خانة التبعية التامة لحزب الله وقوى 8 آذار .
ولم يقف الامر عند حدود قيام الرئيس سعد الحريري بزيارة حسان دياب في السرايا مثبتا فوقه خطاً احمر يمنع أي تعرض قضائي له، بل ان الأسوأ تمثّل في المخاوف الجديدة والجدية من ان يكون الصراع الناشئ بعد الادعاءات على دياب والوزراء السابقين الثلاثة قد تسبب بتراجع خطير في التحقيقات الجارية في انفجار المرفأ الى حدود تلاشيها تدريجياً.
واذا كانت الأسابيع المقبلة وحدها ستكفل الإجابة على هذه المخاوف فإن ثمة عاملاً ثابتاً لم يعد ممكناً تجاهله في هذه المسألة ان تداخل السياسي بالقضائي قد اقتحم ملفاً كان يفترض حمايته والحفاظ على الطابع القضائي الحيادي الكامل فيه لأنه يتصل بأكبر زلزال هزّ لبنان هذه السنة وأرجعه عشرات السنين الى الوراء وزاد ازماته ومعاناته وشكل كارثة مخيفة .
وبات من الموضوعية المطلقة والحال هذه، الخوف على ذهاب التحقيق اسوة بالقضاء كله بجريرة المعارك الصغيرة التي تسخر بقايا العافية اللبنانية العليلة لهذه الطبقة السياسية التي لم يعرف بلد منكوب شبيهاً لها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات