Search
728 x 90

الصراع الاغرب بين المجتمع الدولي و”المجتمع الحاكم” !

الصراع الاغرب بين المجتمع الدولي و”المجتمع الحاكم” !

عرف لبنان في حقبات الحروب الداخلية والخارجية التي شهدها بين السبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي الكثير من تجارب التداخلات الخارجية بالعوامل الداخلية ولم تتبدل هذه الصورة كثيراً منذ انسحاب القوات السورية بفعل العامل القسري المتمثل بارتباط “حزب الله ” تحديدا بالنفوذ الإيراني . ولكن هذا الواقع لم يعد يقلل خطورة صفحة جديدة بالغة السلبية ومختلفة عن السابق تتعلق بتسبب الطبقة السياسية الحالية ولا سيما منها السلطة الحاكمة بإلحاق لبنان في لائحة الدول الأكثر تشوهاً بالمعايير الدولية .

يأتي ذلك على خلفية الاقتراب من مرور سنة على وجود حكومة تصريف الاعمال الحالية في السلطة وتخبط مسار تشكيل حكومة جديدة برئاسة الرئيس سعد الحريري في تعثرات وتعقيدات متعاقبة في وقت يضغط المجتمع الدولي بأسره على الطبقة السياسية لاستعجال تشكيل الحكومة من دون أي نجاح في احداث خرق في جدار الازمة . والحال انه نادراً ما عرف لبنان اجماعاً دولياً على خطاب موحد تجاهه كما يحصل راهناً وتحديداً منذ الانفجار المزلزل في مرفأ بيروت قبل أربعة اشهر الذي جاء في غمرة التعاطف الدولي الواسع مع الانتفاضة الشعبية في لبنان التي انطلقت في 17 تشرين الأول 2019 ليضاعف هذا التعاطف ويوزعه على اتجاهات جديدة ولا سيما منها الطبقات المتضررة والفقيرة والأكثر مدعاة للدعم .
واذا كان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ترجم ولا يزال يترجم اندفاعاً لا هوادة ولا تراجع فيه عن المبادرة التي اطلقها حيال لبنان بما يثير دهشة المراقبين حيال تصميمه الصلب امام جدار العقبات القائم في وجه مبادرته فإن ذلك لا يحجب في المقابل الموقف الدولي عموماً الذي يترجمه خطاب غربي وأممي الى جانب العديد من الدول العربية يكاد يكون واحداً في خشيته من انزلاق لبنان الى انهيار كبير ينهي معالم بقاياً صمود اللبنانيين .
ومع ان الضغوط الدولية على السلطة الحاكمة والسياسيين بلغت في الأسابيع الأخيرة ذروة غير مسبوقة من خلال المواقف الدولية شبه اليومية التي تحوّلت الى أجراس انذار متقدمة ومثيرة للقلق البالغ حيال العد العكسي المتسارع لاقتراب لبنان من انهيار مخيف اقتصادياً ومالياً واجتماعياً مع ما يترتبه ذلك من تدهور امني وفوضى واسعة فإن المفجع والمدهش في مجمل هذا المشهد ان المجتمع الدولي فشل حتى الان في تطويع القوى السلطوية والسياسية اللبنانية وجعلها تسارع الى تسهيل ولادة حكومة قد تكون خشبة العبور الأخيرة والوحيدة الى ضفة أخرى تمنع الانهيار الكبير وتحول دون سقوط لبنان .
غالباً ما كانت سمة القوى اللبنانية في الحروب الارتباط بالخارج والارتهان لسياسات وصراعات محورية دفع لبنان ولا يزال يدفع أثماناً باهظة لها . لكن الجانب النافر اكثر بكثير في الظروف الحالية ، واقله في ما يظهر في ادبيات المواقف الغربية وبعض المواقف الأخرى، يتمثل في طغيان مسألة الفساد وحتمية الإصلاحات الجراحية العاجلة لإنقاذ لبنان بما يعني تراجع العامل الخارجي في الرؤية الدولية الى لبنان الى مراتب خلفية واحتلال الإدانة الدولية للطبقة السياسية الموصومة بالفساد المرتبة الأولى والمتقدمة في الرؤية الدولية .
هذا التطور وان لم يعد جديداً منذ برز التعاطف الدولي مع انتفاضة 17 تشرين الأول يعتبر تطوراً مفصلياً على المستوى الداخلي والخارجي لأن في ظله سيكون مستحيلاً مقاربة أي حكومة لبنانية جديدة واي سلطة جديدة لعلاقات لبنان الخارجية من منظار قديم كلاسيكي لم تعد معاييره قائمة واقعياً .
ولذا يبدي العارفون والخبراء في السياسة اللبنانية وتعقيدات التركيبة العميقة فيها تشاؤماً تصاعدياً حيال ما يعتبره بعضهم صداماً صامتاً يدور بقوة بين المجتمع الدولي المفوّض كلمته لفرنسا في إدارة الازمة اللبنانية حتى لو تميزت الولايات المتحدة عن هذه المبادرة بأساليب الضغط بالعقوبات والقوى السياسية اللبنانية ولا سيما منها العهد وحلفائه الذين يدأبون على محاولات تنفير فرنسا وحملها على اليأس من الانخراط في محاولات تسوية الخلافات بين رئاسة الجمهورية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الحريري .
وانكشف بوضوح في ظل هذا الصراع ان مسار تشكيل الحكومة الجديدة انحرف عن سكته الدستورية والسياسية الأساسية بفعل صراع الأهداف الداخلية حول سنتين كاملتين متبقيتين من عهد الرئيس ميشال عون .
فإذا كان المجتمع الدولي لا يلتفت الى المشهد الا من زاوية تجنب تحوّل لبنان بقعة مضطربة جديدة في الشرق الأوسط بفعل انهياراته الاقتصادية والمالية فإن “المجتمع السياسي” الداخلي او بعضه النافذ والمتحكم باللعبة الداخلية يذهب في تعقيداته وتعطيله لتشكيل الحكومة الى حسابات تتعلق بالتحكم السلطوي لسنتين مقبلتين ويرتهن الواقع اللبناني برمته لهذه الأهداف كأولوية تعلو وتتجاهل العد العكسي المتسارع للانهيارات المتربصة بلبنان مع كل يوم إضافي يمر وسط الاستهانة بالأخطار المتصاعدة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات