Search
728 x 90

الشارع الى اين؟

الشارع الى اين؟

حين تخطى وجود الشعب في الطرقات والساحات الاسبوع الاول بوحدة طائفية ومناطقية قل نظيرها بالنسبة الى لبنان البلد الطائفي والمذهبي حتى العظم ، تعدت المسألة اطار الغضب الآني الذي اعتقده اهل السلطة. المتظاهرون يؤكدون التمسك بمطالبهم ولا سيما استقالة الحكومة وزجّ الفاسدين في السجون، والحكم والحكومة يتمسكان بورقة الاصلاحات التي اعلنها الرئيس سعد الحريري بعد جلسة مجلس الوزراء اليتيمة منذ بدء الحراك.

مهما كان العنوان الذي يحمله انتشار الشعب في المناطق كافة من الجنوب الى الشمال فالبقاع، اكان تظاهرات ام انتفاضة ام ثورة، ماذا بدّل في المشهد اللبناني، وهل استطاعت اصوات الثائرين على الفساد ان تؤثر في مشهدية الساحة بشكل جذري يفضي الى تغيير او تحسين ما حتى لو كان متأخراً؟

قراءة مخضرمة للوضع من قبل من عايش الحرب اللبنانية بكل تلاوينها وتقلّباتها واسمائها على مدى ثلاثين عاماً قد تفضي الى مجموعة ملاحظات اولية باعتبار انه من السابق لاوانه قراءة هذه الحركة الجماعية من كل الطوائف والمناطق وبمشهد شبابي وعائلي بعيداً من الاحزاب. لكن الخلاصة الى هذه الملاحظات لا تمرّ من دون تسجيل الخوف الذي يعصر القلب من ان تكون خيبة الامل هذه المرة ايضاً نصيب كل من وضع آمالاً على قلب الطاولة من بكرة ابيها، وكأن لبنان جمهورية افلاطون الخاضعة لقواعد المنطق والعقل والديمقراطية المرفهّة.

1- لبنان لا يخضع للعبة الديمقراطية بمفهومها العصري المجرد من اي عوامل تؤثر فيها. صحيح انه جمهورية، لكن هذه الجمهورية هي طائفية بامتياز، تتحكم بها الغرائز المذهبية بالعمق التي تفرض وجوب تطبيق مبدأ 6 و6 مكرر حتى في توجيه تهم الفساد فكيف في الوزارات والتعيينات ومناصب الفئة الاولى والثانية وحتى الثالثة؟ يكفي التذكير ان مفتي الجمهورية اعتبر الرئيس السابق فؤاد السنيورة “خطاً احمر” لدى فتح المدعي العام المالي علي ابراهيم ملفات الفساد في آذار 2019، وان وزيري الاتصالات السابق والحالي جمال الجراح ومحمد شقير رفضا المثول امام ابراهيم في إطار التحقيق في ملف الاتصالات مطلع تشرين الاول الجاري، لاعتبارهما ان القضية سياسية وليست قانونية. ففي هذا التقويم عوامل سياسية تلعب ايضاً على خلفية ان هناك انتقامات سياسية تتخفى وراء ما يجري. وكان لافتاً في هذا الاطار ما نقل عن القاضية غادة عون لجهة قولها انها تعاطفت مع الحركة الشعبية ففتحت الجارور في مكتبها وسحبت ملف الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي وعائلته، وهو ملف كما قالت موجود منذ اكثر من سنة ولم يتم تحريكه . وهي نقطة سلبية ولو اريد بها دلالات ايجابية من حيث استنسابية فتح الملفات من حيث التوقيت ومن حيث طبيعة الملفات وكذلك من حيث حيادية القضاء وموضوعيته.

2- قواعد اللعبة السياسة – في لبنان كما في كل بلد- تفرض الا يكون هناك اعداء وحلفاء دائمين. فحلفاء اليوم قد يتحوّلون الى اعداء الغد بحيث يدفع المواطن بينهما ثمن انتمائه او تأييده لهذه الجهة او تلك. وما التحالفات والعداءات في السنوات الثلاث الاخيرة سوى خير دليل على ذلك، من “الابراء المستحيل” الذي حمل لواءه التيار الوطني الحر بحق تيار المستقبل وتم طيّه في التفاهم الرئاسي بين التيارين، الى اتفاق معراب بين التيار العوني والقوات اللبنانية وخلخلته بفعل الممارسة السياسية، ومن ثم نسفه، الى التفاهمات الظرفية بين اكثر من جهة سياسية. وقد يبدو اتفاق مار مخايل بين التيار الوطني الحر وحزب الله الوحيد الصامد منذ العام 2006 لوفرة تقاطع المصالح بين الفريقين وللظروف الاقليمية المؤاتية له.

3- لبنان بلد يتحكم فيه مبدأ المحاصصة تاريخياً والذي اخذ بعداً جديداً بعد اقصاء الوصاية السورية القيادات المسيحية كالعماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع عن السلطة بعد اقرار اتفاق الطائف الذي انهى الحرب في لبنان . والمقاربات التي اعتمدت خلال الاعوام الاخيرة تحت شعار ” استرداد حقوق المسيحيين” الذي حمله التيار الوطني الحر والعماد عون قبل انتخابه رئيساً وواصل فيه رئيس التيار وزير الخارجية جبران باسيل وطبّقه في الممارسة السياسية اليومية استئثاراً في المواقع الادارية لصالح تياره، اثار استفزازات طوائفية ومناطقية متعددة ظهرت انعكاساتها في ردود الفعل على الارض وفي ما نقل عن باسيل في اليوم التاسع للانتفاضة الشعبية انه اخطأ في الدفع بهذا الشعار بعيداً على حساب المصلحة الوطنية وانه سيغير من ادائه مستقبلا.

ويكفي التذكير في هذا الاطار ان تشكيل الحكومة الاخيرة استلزم اكثر من 8 اشهر كي يؤمّن كل فريق سياسي وطائفي حصته “الحرزانة” فيها، ناهيك عن ان تعيين اي مدير عام او مسؤول في مناصب الفئة الاولى يستلزم مفاوضات قد تستغرق اسابيع ان لم يكن اشهر. فعشرات الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية تم توقيف تثبيتهم لأن جداولهم لا تراعي التوزيع الطائفي “المتوازن”، ناهيك عن تعيين نواب حاكم مصرف لبنان الذي لا يزال معلقاً منذ ان انتهت ولايتهم في آذار 2019.

4- ثقافة الفساد متجذرة في اللعبة السياسية اللبنانية منذ عقود بحيث تُعتبر مكاسب مالية مشروعة و”ذكية”. لها اربابها ومافياتها في كل حقول الدولة من دون استثناء. من هنا المماطلة في تشكيل الهيئات الناظمة في اكثر من وزارة ولا سيما “المربحة” منها من مثل الكهرباء والاتصالات ، كما بذل كل الوسائل لتخطي ادارة المناقصات . ويصبّ موقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الاخير المتوجه الى المتظاهرين في هذا الاطار، اذ قال لهم: “أتريدون ان تستبدلوا فاشلاً بفاشل وفاسداً بفاسد؟”، وكأنه يؤكد لهم ان كل التظاهرات والاعتصامات لن تغير قيد انملة في النظام المتحكم بالبلد.

5- نظرية المؤامرة التي تدخل في اللعبة السياسة اللبنانية متى خرج الوضع على المألوف، خصوصاً ان لبنان كان ولا يزال ساحة للتدخلات الخارجية ولتصفية الحسابات الدولية، مما شكل مبرراً لأي تقصير او تقاعس او حتى تواطؤ من قبل الحكم. فحكومة العهد الاولى لم يعتبرها رئيس الجمهورية حكومته ساعياً الى تثبيت توازنات جديدة في حكومة ما بعد الانتخابات على قاعدة ان تكون “حكومة العهد” وهي الحكومة التي تتم المطالبة باستقالتها. حتى ان استحداث وزارة للفساد لم يساهم في القبض على اي فاسد في تاريخ الجمهورية اللبنانية، اذ ان اي اتهام يوجه الى اي مسؤول يُلصق فيه طابع ” الحسابات السياسية.

اما حكومة “الى العمل” التي لم تنجز الا القليل منذ تشكيلها فعزا وزراء السبب الى عرقلة عملها من قبل من بقيت اسماؤهم مكتومة او من قبل جهات “مغيّبة”، بحيث ان كل فريق يتقاذف مسؤولية التعطيل ويلقيه على الآخرين.

هذا في مبدأ العمل السياسي المتوافق عليه في لبنان. اما في الواقع فعشرات الآلاف من كل الاعمار في الساحات على طول امتداد جغرافية لبنان منذ اكثر من عشرة ايام. صوتهم واحد: “ثورة، ثورة”، “كلن يعني كلن”. يطالبون بلقمة العيش، بحق الطبابة والتعليم، بضمان الشيخوخة… بوضع كل الفاسدين ، اي بنظرهم، كل الطبقة السياسية الراهنة، في السجون، بقلب الطاولة على الجميع، من رأس الهرم الى اسفله. هم لا يرضون بأنصاف الحلول، كما تعوّدت عليه السياسة اللبنانية، بمعادلة “لا غالب ولا مغلوب” التي تتحكم بالمشهدية السياسية، وبحلول تضمن “الا يُفنى فيها، لا الراعي ولا الغنم”، اي باختصار ان يبقى البلد قطاراً لا يحيد عن سكّته. تتحكم به مافيات الفساد وتقاسم الحصص السياسية والاقتصادية والمالية، بحيث يرفع علم الطائفية الاحمر في وجه من يتجرأ ويحاول زعزعة النظام القائم.

ويكفي النظر الى تطورات ما يزيد على الاسبوع في الشارع من اجل اثارة تساؤلات كبيرة مشروعة .

1- ثلاثة ايام ونصف اليوم من التظاهرات وشلل البلد منذ 17 تشرين الاول استلزمت الحكومة وقتاً كي تقرر الانعقاد… وكأنها ليست مؤمنة بجدية الحراك الشعبي. ثمانية ايام استلزمت رئيس الجمهورية ليخاطب شعبه. فلو خرج وخاطبه من القلب من اليوم الاول او الثاني وقال ما قاله في اليوم الثامن لربما، ربما، تبدل الوضع.

2- لفت عدم انعقاد المجلس الاعلى للدفاع او مجلس الامن المركزي من اجل اتخاذ قرارات حاسمة حول الخطوات التي يجب اتخاذها على نحو عزز الانطباعات بسلطة مفككة وعدم وجود مقاربات واحدة لمعالجة انتفاضة اللبنانيين. اما السبب وفق متابعين مطلعين على التطورات، فلأن اياً منهما لا يريد ان يتحمل مسؤولية اي خطة قمع او لجم للمتظاهرين، باعتبار ان الموضوع سياسي بامتياز، كما قالت وزيرة الداخلية ريّا الحسن في 23 تشرين الاول ” الحل بالسياسة وليس بالأمن”، وكما قال ايضاً بيان للجيش اللبناني ” إلى جانبكم في مطالبكم الحياتية المحقة، والجيش ملتزم حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي بعيداً عن إقفال الطرق”.

3- ثلاثة ايام من التظاهرات كانت كفيلة بحثّ الحكومة على تحقيق اصلاحات عجزت عن تحقيقها في ثلاث سنوات من العهد.

4- كل ما جرى على مدى ايام طويلة اظهر ان اهل السلطة في حال انكار لما يجري في الشارع وخطورته ومعناه . هناك خوف حصل من تكرار تجارب ثورات الربيع العربي لكن هذا لم يمنع تبني الاداء نفسه لجهة رفض تقديم اي تنازل على الارض، من مثل اجراء تعديل وزاري لاستبدال الاسماء الاستفزازية، بما ان استقالة الحكومة وتشكيل غيرها صعب نتيجة مخاوف من قطب مخفية ترمي الى تعديل موازين القوى الراجحة لمصلحة ” حزب الله” او لاخراجه من الحكومة في حكومة تكنوقراط او اختصاصيين كما يطالب المتظاهرون . وهذا ما اكده نصر الله في كلمته الثانية بعد التظاهرات في 25 تشرين الاول لدى “رفضه استقالة الحكومة” … ناهيك عن ان اقتصاد لبنان لا يملك ترف اهدار الوقت.

5- تعذر اسقاط النظام، ولا سيما رئيس الجمهورية الماروني، في الشارع لأن ذلك سيؤسس لسابقة تنذر بإسقاطات اخرى في المستقبل قد تطاول رؤساء طوائف اخرى ايضاً.

6- تخطّي المتظاهرين “عقدة” الزعيم، فهم لم يتراجعوا ولم يتأثروا لا بخطاب رئيس الجمهورية ولا بخطاب رئيس الحكومة ولا بكلمة الامين العام لـ ” حزب الله”. لا بل ان كل هذه المواقف اثارت رد فعل عكسياً حتى عندما قال عون انه يتفهم صرختهم وألمهم ومطالبهم ويتبناها، وعندما خرج الحريري بسلسلة اصلاحات وجُب تنفيذها في ثلاثة اشهر، وعندما هددهم نصرالله في 20 تشرين الاول قائلاً “لن يسقط النظام، روحوا بلّطوا البحر”… وبعدما سكت الرابع وهو رئيس المجلس النيابي نبيه بري. والدليل التظاهرات التي سُجلت في عقر دارهم، اكان في بعلبك ام النبطيه حيث اعتدى انصار بري على المعتصمين، ام طرابلس، متهمة اياهم بالفساد ومطالبة برحيلهم.

7- هشاشة المتظاهرين غير الموحدّين تحت راية واحدة، باستثناء مطالبهم الحياتية، التي تجعلهم عرضة للتلاعب من قبل افرقاء محليين لديهم اجندات داخلية قد لا يكون اقلها الانتخابات الرئاسية بعد 3 سنوات. والدليل الاشكالات التي سًجلت بفعل شعارات “كلن يعني كلن” .

8- عقدة “اليد الخارجية” التي تحرك دوماً الشارع اللبناني والدليل ما قاله نصر الله في 25 تشرين الاول حول ان ” الحراك لم يعد عفوياً ومعلوماتنا أن الوضع خطير وهناك تدخل من سفارات اجنبية” محذراً من حرب اهلية، ناهيك عن الفيديوهات والحملات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتناول “لوجستية الثورة” من تأمين الطعام والماء والمظلات الموحدة للمتظاهرين.

…. والخوف ، كل الخوف، الا يكون هؤلاء المتظاهرين سوى وقوداً لأجندات سياسية محلية وخارجية قد ترميهم جانباً متى حققت غاياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات