Search
728 x 90

السفير د. ناصيف حتي ناعيا عملية السلام : توطين الفلسطينيين حيث هم، عنوان الحل الاميركي

السفير د. ناصيف حتي ناعيا عملية السلام : توطين الفلسطينيين حيث هم، عنوان الحل الاميركي

بين الكلام عن “حل الدولتين” الذي طرحه الرئيس الاميركي دونالد ترامب من على منبر الامم المتحدة، وبين “صفقة القرن” التي تسعى الادارة الاميركية لتحقيقها ، تضيع القضية الفلسطينية ومعها حق العودة، ليصبح التوطين خطراً حقيقياً.
هذا ما اكده لموقع beirutinsights المندوب السابق لجامعة الدول العربية في فرنسا الدكتور ناصيف حتي.

في حمأة السياسة الاميركية المناقضة لكل القرارات الدولية السابقة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ينعي المندوب السابق لجامعة الدول العربية في باريس الدكتور ناصيف حتي حاليا “عملية السلام الفلسطينية – الاسرائيلية”، ويقول لـ beirutinsights “قد نكون ضعفاء لكننا لسنا اغبياء. فليسمحوا لنا بالقول ان عملية السلام الشامل  انطلقت من مدريد، لكن اسرائيل اخذت السلام وتركت لنا العملية.”

في اطار “صفقة القرن” التي اعلنت عنها ادارة ترامب ،يتكلم الرئيس الاميركي عن  “حل الدولتين”  الذي يرتبط برضى الطرفين للتوصل اليه، اي انه اعطى اسرائيل حق الفيتو برفضه، علماً ان هذا الحل له مرجعية دولية تتكون من القرارات الدولية ذات الصلة  وما صدر من اتفاقيات وتفاهمات في ما بعد، مما يؤدي الى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة، دولة طبيعية ، قابلة للحياة تكون القدس الشرقية عاصمتها.

اما الهدف من “صفقة القرن” يقول حتي، فهو ابعد بكثير من الموضوع الفلسطيني، اذ يرمي الى اعادة صياغة العلاقات الاستراتيجية في المنطقة، لكنه في الوقت نفسه يشكل محاولة للإلتفاف حول المسائل الرئيسة في القضية الفلسطينية، وهذا صعب جداً، ان لم يكن من المستحيل التوصل اليه. فإذا لم يحقق الشعب الفلسطيني، كما كل شعوب العالم، حقه الطبيعي في دولة كاملة السيادة وقابلة للحياة، كما دلت اليه الكثير من القرارات ، لا يمكن البحث في حل القضية الفلسطينية، لا بل سيكون العكس قائماً، ستبقى القضية الفلسطينية مطيّة لاستعمالها في انواع السياسات كافة في المنطقة، لأهداف لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية. والكلام هنا، ليس من منطلق عاطفي او عقائدي … انما من منطلق واقعي، يؤكد السفير حتي.

وإذا كان الوقت يلعب ضد “حل الدولتين”، فإن ما تقوم به اسرائيل من سياسات تفريغ الارض الفلسطينية من سكانها والسيطرة على مصادر الحياة فيها ولا سيما المياه، وسياسة استيطانية جد ناشطة، وطرد الفلسطينيين من ارضهم من الضفة الغربية، وايضاً من القدس الشرقية، ينهي فكرة قيام دولة قابلة للحياة. وهذا لن يحل النزاع، لا بل على العكس يزيده تعقيداً، ويجعل من الموضوع الفلسطيني ارضاً خصبة لأنواع الراديكاليات كافة في المنطقة.

القدس عاصمة لمن؟ 

ان القدس تُعتبر corpus separatum (كيان منفصل عن الدولتين العربية واليهودية)، ولا يجوز ضمها وفق القانون الدولي والقرارات الدولية واضحة في هذا الشأن، الا ان ترامب يتوجه نحو نقض القرارات الدولية التي وافقت عليها واشنطن سابقاً، يشير السفير حتي الذي يؤكد ان لا افق لحل الدولتين كما هو متوافق عليه دوليا في ظلدعم واشنطن اعلان القدس عاصمة لاسرائيل.

لكن هل التسوية لا تزال ممكنة اليوم؟

السفير حتي يستبعد ذلك في الافق الراهن، لافتاً الى ان المزاج الاسرائيلي وتوازن القوى يظهران ان تل ابيب ليست في وارد القيام بأي تنازلات. والموقف الاميركي يشجع بشكل مباشر وغير مباشر على هذا التشدد. ومع ان البعض يتحدث عن مثالية الدولة الديمقراطية الواحدة – وهو طرح يعود الى السبعينيات ويقضي بإيجاد دولة ديمقراطية واحدة تضم فلسطين واسرائيل معاً- فان هذا يفترض دولة علمانية فيما سياسة اسرائيل عنصرية واصولية، اذ تسعى الى اقامة دولة apartheid، اي نظام تمييز عنصري، بحيث هناك فكر داعشي استئصالي رافض للآخر في اسرائيل. وهذا الكلام مبنيّ على معايير حق المواطنة وطرد الآخرين باعتبار ان اسرائيل وطن قومي لليهود، من ضمن مفهوم دولة دينية عنصرية تخرج اهل الارض من ارضهم.

وفي رأي السفير السابق للجامعة العربية ان اسرائيل مستعدة للتخلي عن غزة، لكنها لن تتخلى عن الضفة الغربية، لسببين: الاول ديني بسبب التيارات اليهودية المتشددة- ومكانة الضفة الغربية في فكرها الاصولي، وهي اصبحت اكثرية في اسرائيل- والثاني بسبب التشدد الاستراتيجي في التمسك بالسيطرة على هذه المنطقة. فلو تم تطبيق هذا المفهوم في مكان آخر في العالم، لثارت ثائرة اصحاب نظرية الديمقراطية في الغرب، لكن ما من احد منهم يمّس باسرائيل عندما تمارس هذه السياسة.

في المقابل، هناك وضع عربي لا يفي بالحد الادنى المطلوب من موقف فاعل يتمتع بصدقية على الساحة الدولية تجاه عواصم القرار لإعادة طرح القضية الفلسطينية كقضية اساسية واولية.

السفير حتّي يلفت الى خطر التوطين عبر ارتباط وقف مساهمة اميركا في الاونروا بمشروع قرار تقدم به عدد من اعضاء مجلس الشيوخ الاميركي ويقضي باعتبار الفلسطينيين الذين لا يزالون احياء ممن خرجوا من فلسطين المحتلة فقط هم من اللاجئين، وعددهم نحو اربعين الفاً فقط من اصل 5.2 مليون فلسطيني. اما الجيل الثاني والثالث منهم، فيتم توطينهم حيث هم. ان  مشروع القرار هذا، إن تحقق، يشكل دعوة لتوطين الفلسطينيين حيث هم او في بلد ثالث. وهذا لن يمر في القانون الدولي، لأنه ينقض القرارات والاتفاقات الدولية كافة المعنية بهذا الامر.

لكن هل هذا يعني القضاء على القضية الفلسطينية؟

يؤكد السفير حتي ان مشروع قرار الكونغرس، ان تم، ينقض التسوية العادلة التي ترتكز الى قضية الهوية الوطنية، وهي حق كل شعب بالتعبير عن هويته في دولته، والتي من دونها لا يمكن التوصل الى حل مستقر وشرعي يؤسس عليه لاحقاً. فبمقدار ما نبتعد عن تحقيق التسوية الشاملة والعادلة والدائمة، نبتعد عن تحقيق حل يعتمد على الهوية الطبيعية الفلسطينية في دولة بصلاحيات دولة- وليس بصلاحيات بلديّة تسمى دولة- ستبقى القضية الفلسطينية معرضة لاستغلالها من هذا الطرف او ذاك في راديكاليات وأجندات مختلفة في المنطقة.

وفي مقابل هذا الافق المسدود، هل من بديل للوساطة الاميركية التي يرفضها الجانب الفلسطيني؟

السفير حتي يميّز بين البديل النظري وبين الادعاء بالبديل الواقعي. فواشنطن لا يمكنها ان تلعب دور الوسيط النزيه، نظرا الى سياستها القاضية بالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لاسرائيل والى وقف مساعداتها الى الاونروا، وغيرها من المواقف. وهي لم تلعب في فترات سابقة دور الوسيط العادل او المتوازن، انما دورها اليوم اكثر انحيازاً من الماضي، ليس فقط في السلوكية، انما في اتخاذ مواقف قد تغيّر طبيعة الصراع . فعندما تُعلن القدس – وهي corpus separatum- عاصمة لاسرائيل، تكون واشنطن ضربت بعرض الحائط كل القرارات الدولية التي سبق وشاركت في صنعها وكل المرجعيات التي تم الاتفاق عليها للسلام.

من هنا، وجوب التوجه الى مجلس الامن في حملة دبلوماسية لمواجهة السياسة الاميركية لأن عملية تفتيت القضية الفلسطينية ستؤدي الى مزيد من الراديكاليات في المنطقة ولن تؤدي الى اي تسوية. فما من مفاوضات تتم في العالم من دون مرجعيات متفق عليها مسبقاً. والإدارة الاميركية الحالية تطلب من الفلسطينيين التفاوض مع الاسرائيليين في حال تامة من اختلال توازن القوى والتفاهم معهم من دون اي مرجعيات ناظمة او حاكمة للسلام.

حتّي يضيف “ان الشخص يجب ان يكون على درجة كبيرة من البساطة والـ wishful thinking (التفكير بالتمني) للقناعة بإمكان السير في هذا الاتجاه.

وما الفائدة من التوجه الى مجلس الامن لمواجهة فيتو اميركي حتمي؟

هنا، يؤكد السفير حتي، اهمية حراك عربي رادع – غير موجود اليوم – لأن الفلسطينيين وحدهم عاجزون عن القيام بذلك. وما يحصل هو محاولة تفتيت القضية الفلسطينية ودفع لعمليات توطين للفلسطينيين حيث هم، بحيث يُنسف كل ما تم الاتفاق عليه من مرجعيات للسلام ، وبالتالي تتم العودة الى المربع الاول. ولن نذهب الى اي اتجاه بالسلام وستزداد المشاكل تعقيداً باضطراد، اذ لا يمكننا التوجه الى السلام بموازين القوى الحاصلة حاليا وفي عدم تبلور موقف عربي الى جانب القضية الفلسطينية.

لكن هل هناك اي افق لموقف عربي فاعل؟

الموقف العربي يجب ان يعود ، في رأيه، الى التمسك بمبادرة السلام العربية التي اعتمدت في القمة العربية في بيروت (1) وهي خطة واقعية جداً من اجل تسوية شاملة وعادلة ودائمة للقضية الفلسطينية، شرط ان تقترن بدبلوماسية فعالة تستند الى ورقة القوة، وليس بالضرورة القوة العسكرية ، انما السياسية والاقتصادية ايضاً. الا ان الموقف العربي بعيد كل البعد عن ذلك، فالقضية الفلسطينية باتت، منذ ما سمي الربيع العربي قضية منسية، لا بل قد يتم العمل احيانا على تشويهها لتصبح مطيّة للراديكاليات المختلفة في المنطقة.

وماذا عن الكلام عن تشكيل “ناتو” عربي لمواجهة السياسة الايرانية في المنطقة؟

ان المنطقة تعيش في نظام اقليمي فوضوي وليس نظام دولتي تقليدي، يشرح السفير حتي، كما هي تعيش عصر حرب باردة عربية- ايرانية، واميركية – ايرانية تخضع لمعايير ومقاييس اخرى. والمطلوب ايجاد تفاهمات لا تكون من نوع “تبويس اللحى” انما واقعية تستند الى معايير اساسية حول العلاقات بين الدول التي لا تبنى على التدخل. فيبحث كل من العرب والاتراك والايرانيين في معايير اقامة علاقات طبيعية تحتمل الاتفاق كما تحتمل الخلاف عبر احترام سيادة الطرف الآخر وعدم التدخل في شؤونه وعدم توزيع بطاقات شرعية او سحب شرعية لنظام ما ، كما يقال.

لكن ، يقول حتي، نحن بعيدون كل البعد عن هذا النظام الدولتي الطبيعي، اذ اننا نعيش نظام فوضى اقليمية، تنظيمات ارهابية واخرى مذهبية وطائفية واثنية تتقاتل على امتداد العالم العربي تحت عناوين هويات مختلفة ولو كانت تحمل عناوين ذات صورة تجميلية.

في ظل كل هذه المعطيات، هل ننعي القضية الفلسطينية اذا؟

يؤكد الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية في فرنسا انه ينعي حاليا عملية السلام. ويضيف:” قد نكون ضعفاء لكننا لسنا اغبياء. فليسمحوا لنا بالقول ان عملية السلام انطلقت من مدريد، لكن اسرائيل اخذت السلام وتركت لنا العملية. فشرط اي تفاوض هو: اما الطرفان مقتنعان، واما هناك توازن قوى يفرض على الطرفين التفاوض. الا ان اسرائيل تعتقد ان توازن القوى لا يفرض عليها اي شيئ حالياً ، وهناك توجه قوي لليمين فيها، سواء كان اليمين الديني ام اليمين العلماني الاستراتيجي نحو تكريس اسرائيل الكبرى خصوصاَ في ظل حالة التفكك الكبيرة في المنطقة العربية وفي ظل التغييرات الضاغطة في بعض الدول الاخرى او التهديدات المجاورة لها، من مثل التهديد الذي يشكله الدور الايراني لبعضها، والدور التركي لأخرى.

لكن يجب الانتباه الى ان مصالح الدول تفوق كل الاعتبارات، فالصراع الايراني – التركي عندما كان يتم على الارض السورية، وكانت الدولتان  هما على طرفي نقيض، لكنهما كان يتعاونان  اقتصادياً بشكل كبير، ولم يعرضا مصالحهما الاقتصادية المشتركة الى مواجهتهما الاستراتيجية حين ذاك في سوريا. فالدول تتبع مصالحها بتلوينات ايديولجية مختلفة، جذابة من اجل الحصول على دعم او شرعنة تدخلها او شرعنة تدخل طرف صديق لها.

(1) بنود مبادرة السلام العربية التي اعلنتها قمة بيروت في 28 آذار 2002 :

– التأكيد على أنّ السلام في الشرق الأوسط لن يُكتب له النجاح إن لم يكن عادلاً وشاملاً تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن رقم 242 و338 و425 ولمبدأ الأرض مقابل السلام، والتأكيد على تلازم المسارين السوري واللبناني وارتباطهما عضوياً مع المسار الفلسطيني تحقيقاً للأهداف العربية في شمولية الحلّ.

– مطالبة اسرائيل بالتالي:

– أ – الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من حزيران 1967، والأراضي التي مازالت محتلة في جنوب لبنان.

ب- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.

ج- قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية.

السفير الدكتور ناصيف حتي، شغل منصب رئيس بعثة جامعة الدول العربية في فرنسا والمندوب المراقب الدائم للجامعة لدى منظمة اليونسكو منذ مطلع عام 2000. عام 1991 كان المستشار السياسي والدبلوماسي الخاص لأمين عام جامعة الدول العربية، وأستاذاً في العلاقات الدولية وشؤون الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية في القاهرة بين عامي 1992–1999، وعضواَ في هيئة تحرير مجلة شؤون عربية الصادرة عن جامعة الدول العربية. كان الدكتور حتي أستاذاً زائراً في الأكاديمية المتوسطية للدراسات الدبلوماسية في مالطا واستاذا محاضرا في  جامعات غربية ومراكز أبحاث عدة. واصدر عدة كتب، منها : نظرية العلاقات الدولية (1985)، والعالم العربي والقوى الخمس الكبرى: دراسة مستقبلية (1987)، وله أيضاً عدد من الدراسات والأبحاث في الشؤون الدولية والعربية نشرت في دوريات متخصصة. كما أنه يساهم بمقالات سياسية في عدد من الصحف العربية. ويشارك في كثير من الندوات والمؤتمرات حول قضايا الشرق الأوسط وقضايا المتوسط والسياسة الدولية، وهو عضو في مراكز أبحاث تعنى بالقضايا الدولية وقضايا الشرق الأوسط. نال الدكتور حتي الإجازة في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت (1975)، والماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة ذاتها (1977). ونال الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة جنوب كاليفورنيا، في الولايات المتحدة الأميركية (1980). يرأس حاليا المعهد العالي للعلوم السياسية في جامعة الروح القدس في الكسليك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات