Search
728 x 90

“الدرون” سلاح الاغنياء… والفقراء ايضاً

“الدرون” سلاح الاغنياء… والفقراء ايضاً

من “ام كامل” الى “الدرون” القتالية، انتقلت الطائرات المسيّرة من دون طيار من مرحلة المراقبة والاستكشاف والتصوير الى الهجوم والقصف والاغتيال … وحتى الانتحار. ادخلت الميدان العسكري في مرحلة جديدة من المعارك لا يتكبد فيها المهاجم اي خسائر بشرية، لا بل يأتي تحديد الهدف بدقة متناهية لا مجال فيه للخطأ او العبث. فغيّرت طبيعة المعركة الجوية جذرياً وبسرعة فائقة قد لا تقف عند حدود مستقبلاً. فالطائرة المسيّرة – كما يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني المضطلع في الشؤون العسكرية الجنرال خليل الحلو لموقع beirutinsights – باتت السلاح المثالي في الحروب “غير متكافئة” السلاح.

 

“كيان”… المولودة الاخيرة

ثلاثة تطورات عسكرية شهدتها المنطقة في اقل من ثلاثة اشهر اعادت خلط الاوراق الاستراتيجية في حساب الربح والخسارة في الحروب التقليدية، مسلّطة الضوء على سلاح جديد تمثل بالطائرة المسيّرة من دون طيار:
– اسقاط الحرس الثوري الايراني طائرة مسيرة اميركية “غلوبال هوك” للتجسس في 20 حزيران 2019، قال انها اخترقت الاجواء الايرانية فيما نفت واشنطن ذلك.
– سقوط طائرتين مسيرتين اسرائيليتين محملتين بالمتفجرات فوق الضاحية الجنوبية في 25 آب 2019.
– استهداف الحوثيين منشأتي نفط “ارامكو” السعوديتين بالطائرات المسيرة (الايرانية الصنع) وصواريخ كروز في 14 ايلول 2019.
واذ بدا ان الاستراتيجية العسكرية العالمية دخلت في مرحلة جديدة ستنقل المعارك الى مستوى مختلف عن الحرب التقليدية، كشفت ايران في الاول من ايلول 2019 عن طائرتها المسيّرة القتالية الجديدة باسم “كيان” المصممة في عام واحد فقط – والتي تستطيع “ان تضرب أهدافاً بدقة عالية جداً خارج حدود البلاد، ولديها القدرة على الطيران لأكثر من ألف كيلومتر والتحليق على ارتفاع خمسة آلاف متر وعلى حمل أنواع عدة من الذخيرة”، كما قال قائد قوة الدفاع الجوي الإيراني العميد علي رضا صباحي فرد .
وقد اتى الهجوم الحوثي على “ارامكو” السعودية اخيراً ليثبت هذا الطرح، علماً ان المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي اكد استخدام 18 طائرة مسيرة و7 صواريخ كروز في الهجوم، وليس طائرات مسيّرة فقط كما اكد الحوثيون.

من “ام كامل” الى “الدرون”

لم يعرف الشرق الاوسط الطائرات القتالية المسيّرة الا في حرب تشرين العام 1973، الا ان اول مشاركة فعّالة لها في المعارك كانت في العام 1982 خلال معركة سهل البقاع حيث اسقطت اسرائيل 82 طائرة سورية من دون ان تخسر طائرة واحدة من اسطولها الجوي.

فالجنوب اللبناني عرف النوع الاستطلاعي والتجسسي منها منذ الستينيات يوم كانت اسرائيل ترسل طائراتها المسيّرة على علو منخفض عبر الحدود للتجسس. وباتت تعرف شعبياً باسم “ام كامل” بعدما كان الاهالي يقرأون حرفي MK على جناحيها.

واذا كانت اولى التجارب العملية على هذا النوع من الطائرات بدأت في بريطانيا العام 1917، فإن تطويرها تم منذ العام 1924 كأهداف متحركة للمدفعية. الا ان اول استخدام عملي وناجح لها تمّ في حرب فييتنام التي تُعتبر حرباً “غير متكافئة السلاح” asymmetric كما تعرف باللغة العسكرية.

من هنا يقول العميد المتقاعد في الجيش اللبناني الجنرال خليل الحلو لموقع beirutinsights شكلت حرب فييتنام “غير المتكافئة” مصدر الهام لعدد كبير من الدول و التنظيمات غير الحكومية في حروبها، اكان بالنسبة الى كوريا الشمالية ام ايران ام حزب الله. كما اقتبسها تنظيما القاعدة وداعش.

فالطائرات المسيّرة تشكل سلاحاً صغيراً نسبياً امام قوة الجيوش والاسلحة الكبيرة، وإذا كانت لا تشكل وحدها السلاح المثالي، فإنها تساعد في كسب الحرب، كما يؤكد الجنرال الحلو الذي يعطي مثالاً عن الطائرات المسيرة التي يستعملها الحوثيون في حربهم ضد ثالث اكبر ميزانية عسكرية في العالم التي تمثلها المملكة العربية السعودية بسبعين مليار دولار سنوياً، علماً ان هذه الطائرات لا يمكن ان تحلّ ابداً في المرحلة الراهنة محل القاذفات الكبيرة والطائرات المقاتلة التي تساند قوى البرّ في المعارك

سلاح الفقير وسلاح الغني

ما هي اذاً هي الطائرات المسيرة التي هي بمثابة السلاح الاساسي في الحروب اليوم؟

هي سلاح الفقير والغني في آن، يؤكد الجنرال الحلو، اذ ان المهم هو ماذا تحمله، اكانت اجهزة بصرية او رصد فائقة التطور ( لبصمة نبرة الصوت مثلاً او رقم سيارة او هاتف). وقد يصل سعر الواحدة منها الى 30 مليون دولار متى كانت فائقة التطور.

فالطائرة المسيّرة الاميركية التي اسقطتها ايران في حزيران 2019 يمكنها التحليق على علو 50 الف قدم، ويمكنها ان ترصد مساحة تصل الى 7 ملايين كيلومتر مربع ، اي انها “ترى” من موقعها ومن دون ان تخرق اي اجواء اخرى، السعودية ومصر وايران والسعودية والعراق وسوريا ولبنان واسرائيل وجزء من تركيا. وهي تسمى ISR (الذكاء، المراقبة ، الاستطلاع intelligence, surveillance, reconnaissance ) .

ويوجد نوعان من الطائرات من دون طيار وفق قيادتها، منها العسكري المتخصص في المراقبة، ومنها المقاتل، ومنها يقوم بالمهمتين معاً، . وهي تعتمد طرق طيران ودفع مختلفة فمنها ما يطير بأسلوب المنطاد ومنها ما هو نفاث ومنها ما يدفع عن طريق مراوح:

– الطائرات المتحكم فيها عن بعد: مثل طائرة Predator.

– الطائرات ذات التحكم الذاتي: ويتمتع هذا النوع بذاتية أكبر في إتخاذ القرارات ومعالجة البيانات التي تسجلها.

اما ميزات الطائرات المسيّرة فثلاث وفق الجنرال الحلو: وزنها الذي يتراوح بين 15 كلغ و100 طن، قدرتها على البقاء في الجو التي تتراوح بين 15 دقيقة بالنسبة الى المسيّرات الصغيرة و80 ساعة كحد اقصى للطائرات المسيّرة البريطانية، من هنا اهميتها وتدني كلفة بقائها في الجو، ناهيك عن امكان تحريكها عن بعد، اذ ان بعض الطائرات المسيّرة الاميركية المتطورة جداً، تضرب افغانستان فيما الشخص الذي يحرّكها موجود في تكساس. اما ميزتها الثالثة فالسلاح الذي تحمله ويجعل من اسمها killer drone، فمنها من تستطيع حمل صاروخين مضادين للدروع او اكثر، بحيث تكون مهمتها قتل اشخاص – كما فعل الجيش الاميركي في اغتيال ثلثي قيادات داعش في سوريا والعراق.

كما هناك الـ suicide drone ، اي الطائرة المسيرة الانتحارية كالطائرتين اللتين استهدفتا الضاحية الجنوبية، بحيث كانتا تحملان قنابل بدائية (5 كلغ سي فور) ومهمتهما السقوط على الهدف لتفجيره.

76 دولة منتجة 

منذ الحرب العالمية الأولى، كانت الولايات المتحدة والمانيا وبريطانيا، أولى الدول استخداماً للطائرات المسيّرة في جيوشها، ثم لحق بها الاتحاد السوفياتي في ثلاثينيات القرن الماضي بعدما ظهرت اول طائرة من دون طيار في بريطانيا العام 1917.

وفيما كان دور هذه الطائرات استطلاعياً فقط، زُوّدت لأول مرة بالصواريخ في الهجوم على كوسوفا العام 1999 .

حتى العام 2000 كانت الولايات المتحدة الاميركية تحتكر غالبية صناعة الطائرات من دون طيار، تشاركها فيها بريطانيا واسرائيل. الا ان الصين فاجأت العالم في 2010 يوم كشفت عن 25 تصميماً مختلفاً للطائرات من دون طيار خلال عرض عسكري قامت به. كما أعلنت العام 2018 بدء تصنيع الطائرة من دون طيار”CH-7″ بمواصفات متطورة تجعلها قادرة على التحليق حتى ارتفاع 13000 متر، وسرعة 571 ميلا في الساعة. ومن الممكن تزويدها بمخزون صاروخي وقنابل بعيدة المدى لتتعامل مع الأهداف الأرضية والبحرية.

وقد توّسع المجال البحثي حيالها بعدما اثبتت ” الدرونز” نجاحها في الحرب الاميركية في العراق وافغانستان، اذ تم تقدير البرامج البحثية التي تقوم بها الحكومات والشركات والمعاهد البحثية في العالم بـ 680 برنامجاً بحثياً العام 2011.

كما اظهر تقرير للكونغرس العام 2012 ان نحو 76 دولة تعمل على تطوير وتصنيع 900 نظام من نظم هذه الطائرات، بحيث ان العدد ارتفع من 41 دولة تمتلك طائرات دون طيار في 2005 إلى 76 دولة في 2011 ، ومن بينها مصر وتونس والجزائر وسوريا والإمارات العربية المتحدة والسعودية وإيران.

وقد توقع الخبراء في هذا المجال أن يقارب الإنفاق العالمي الـ 100 مليار دولار مع نهاية العام 2019، نتيجة لتطويرها المستمر والطلب المتزايد عليها.

ايرانية بتصميم اميركي

اذا كان من الممكن اليوم شراء طائرة صغيرة من دون طيار من خلال موقع “امازون” بسعر يكاد لا يتعدى الـ 250 دولار، فإن احدث الطائرات من دون طيار هي X 45 التي من المتوقع أن يتم استخدامها في القتال الجوي في المستقبل وسيتم التحكم بها عن طريق الأقمار الصناعية.

وتأتي في مرتبة ادنى طائرتا الـ predator والـ reaper الاميركيتان بحيث تستطيع الاولى الطيران المتواصل لمدة 40 ساعة وهي استعملت في أفغانستان للاستطلاع والمراقبة فيما الثانية تستطيع إطلاق الصواريخ الموجهة بوزن 225 كلغ.

وقد دخلت الدول العربية مجال تصنيع هذه الطائرات بتواضع شديد بدءاً بالإمارات التي صنّعت العام 2008 طائرات “يبهون يونايتد 40″، والجزائر التي انتجت طائرة “أمل1- 400” عام 2013 ، فالسعودية بطائرة “لونا” (وهي نسخة عن طائرة المانية بالإسم نفسه)، واخيراً مصر.

اما تركيا فطوّرت بسرعة صناعة طائراتها المسيّرة لتبدأ بتصديرها الى قطر من طراز بيرقدار “TB2”.

ومن اللافت ان تكون ايران طوّرت سريعاً وبفترة زمنية قصيرة اسطولها الجوي من الطائرات المسيّرة، علماً انها كانت تصنّع هذه الطائرات ما قبل الثورة الإسلامية العام 1978 لمهمات استطلاعية، وقد طوّرتها خلال الحرب الايرانية- العراقية لمراقبة المواقع العراقية وتصويرها.

وباتت طهران تصنّع اليوم “الدرونز” بثلاث فئات: تلك التي تحلق على علوٍ منخفض ومتوسط وعال، بحيث ان بدء تصدير طائراتها بدون طيار إلى الدول الحليفة العام 2001 شكل مرحلة المزيد من الدراسات والتصاميم في هذا الصدد.

ويكشف الجنرال الحلو في هذا الاطار ان اهم الطائرات الايرانية المسيّرة هي الصاعقة 1 (التي تحمل 4 صواريخ سديد 1) و الصاعقة 2 (التي تحمل صاروخي سديد 1). ويلفت الى ان تصاميم هذه الطائرات تم نقلها من تصميم الطائرة المسيرة الاميركية RQ-170 التي نجح الايرانيون في الاستيلاء عليها في 5 كانون الاول 2011 فوق مدينة كاشمار شمال شرق ايران. ويركزها الايرانيون اليوم في جزيرة قشم في ممر هرمز.

كما هناك طائرات الشاهد 129 المسيرة التي تملك منها ايران بين 20 و40 طائرة، وتحمل 400 كلغ من الذخيرة فيما يقدر مداها بـ 3 آلاف كيلومتر، علماً ان المعلومات شحيحة بشأنها نظراً الى ان طهران عرضتها في عرض عسكري من دون التطرق الى ميزاتها. كما انتجت ايران طائرة “سفره ماهى التي تلقب بشيطان البحر الإيراني نظراً الى انها أول طائرة إيرانية من دون طيار لا يكتشفها الرادار.

ويقول الجنرال الحلو ان الايرانيين لا يسلمون طائرات “الصاعقة” الى اي من حلفائهم، لا بل زوّدوا حزب الله بطائرات “ياسر” و”الابابيل” المسيّرة. كما سلموا الحوثيين طائرات “يا علي” (مجالها 700 كلم) كتلك التي اطلقوها على مطار ابها السعودي.

وبالتطرق الى الضربة الحوثية الاخيرة على منشأتي “ارامكو”، فإنها يجب ان تكون تمت بمسّيرات ايرانية من نوع “الصاعقة” التي تستطيع التحليق لأكثر من 1000 كلم – اذا ثبت ان الضربة تمت بطائرات مسيرة وليس بصواريخ “كروز”. فإما تكون طهران سلّمت الحوثيين هذا النوع من المسيرات، وإما تكون دربتهم على تصنيعها بمواد اولية غير ايرانية… فحينها تكون الحرب في الخليج انتقلت الى مرحلة جديدة، يقول الجنرال الحلو.

شبه عصيّة على الرادار

لكن هل يمكن التصدي للطائرات المسيرة بعد رصدها؟

يؤكد الجنرال الحلو ان صعوبة رصد الطائرات المسيرة تكمن في حجمها وتعذر كشفها او رؤيتها بالعين المجردة. اذ ان بصمتها الرادارية تتفاوت وفقه، بحيث ان صغر حجمها يزيد من صعوبة رصدها اذ ان رادارات الدفاع الجوي مصممة أساسا للطائرات الكبيرة. كما ان كلفة اسقاطها قد تفوق سعرها بأضعاف الاضعاف. فعلى سبيل المثال، ترتفع كلفة الصاروخ الواحد من انظمة “باتريوت” الى مليون دولار في حين قد تبلغ قيمة الطائرة المسيّرة اقل من الف دولار، ناهيك عن خطر التصدي لها فوق المناطق السكنية اذا كانت محملة بالمتفجرات… والطائراتان اللتان استهدفتا الضاحية الجنوبية آخر مثال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات