Search
728 x 90

الخطاب العنفي في لبنان : انها اللادولة العميقة

الخطاب العنفي في لبنان : انها اللادولة العميقة

هل تمكن لبنان من تصفية ميراث الحرب تصفية جذريةفيما التراكمات الموروثة من الحرب -ولو بشعارات -تنحو بقوة نحو ترسيخ السلم باستثناء خطاب حزب الله من منطلق واقعه الذي يصنف الحزب مقاومة ضد اسرائيل بتشريع رسمي؟

غالبا ما تتعاقب في لبنان في الشهر الواحد نفسه مناسبات دينية او حزبية تشكل خليطا من تراكمات التركيبة الطائفية والتطورات الاجتماعية والسياسية التي شهدها هذا البلد على امتداد عقود واغرب ما فيها انها لا تزال تستبطن طبائع لبنانية عامة تنحو نحو العنف النائم تارة واليقظ طورا .

قد لا تكون هناك مناسبة محددة توجب اثارة هذا البعد العميق جدا وربما الأعمق في طبائع الشرائح اللبنانية الطائفية والحزبية في شكل عام ولكن ثمة فرادة حقيقية تبرز مع تواتر مواعيد المناسبات التي تحييها احزاب او تقيمها طوائف ومذاهب وتظهر معها معالم الوحدة النادرة هنا بين اللبنانيين ولو من باب يصنف سلبيا اي التمجيد الضمني للعنف تحت شعارات كثيرة .

لا يقتصر هذا البعد على اي فريق سياسي وحزبي لبناني ما دامت الطائفة في لبنان تمد الأحزاب والقوى السياسية بالمصل المحيي الاساسي وتصور المفهوم الغالب للحزب بانه حارس الطائفة . لذا لا تعود مسألة احياء المناسبات الخاصة بهذا الحزب او ذاك عند أي طائفة او مذهب مجرد طقوس سياسية وتنظيمية او حتى دينية فقط بل تتأصل هذه الطقوس لاحياء مجمل تاريخ الحزب ومراسه في حقبات الحرب والسلم مع أرجحية دائمة لابراز المراس الحربي والقتالي ضمنا لان حقبات السلم الحالي لا تزال مطبوعة بالصراعات الداخلية ولو توقف المدفع مع نهاية الحرب منذ نحو ثلاثة عقود .

ولا يحتاج التمحيص في هذه الناحية الى عناء كبير اذ ان اللوحة اللبنانية تقدم بسهولة مشهد الأحزاب الأعداء والخصوم وهم يقيمون طقوس عروض العضلات السياسية والتنظيمية والطائفية سواء بسواء في مناسبات غالبا ما ترتبط في الذاكرة الجماعية لقواعد هذه الأحزاب بواقعات قتالية وحربية اكثر منها مناسبات أخرى تتصل بزمن السلم . وعلى ذلك دلائل وأمثلة لا تحصى تبرز دلالاتها المهمة بانها تشمل جميع الافرقاء والطوائف من دون استثناء تقريبا . فبفارق زمني قصير وفي ظرف أسابيع، كما أسلف الذكر، يمكن رصد مناسبة احياء ذكرى نهاية حرب تموز ٢٠٠٦ التي يعدها حزب الله ذكرى انتصاره على اسرائيل ومن ثم احياء ذكرى تغييب الامام موسى الصدر لدى حركة امل التي تشكل مع حزب الله اقوى حزبين وقوتين شعبيتين لدى الطائفة الشيعية كما مناسبة ذكرى ألوف المقاتلين المسيحيين الذين سقطوا في صفوف القوات اللبنانية كما ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل كما ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا …الخ .

في كل من المناسبات المذكورة وسواها ايضا تبرز غالبا تراكمات موروثة من الحرب ولو بشعارات تنحو بقوة نحو ترسيخ السلم باستثناء واحد تقريبا يشكله خطاب حزب الله من منطلق واقعه الذي يصنف الحزب مقاومة ضد اسرائيل بتشريع رسمي يتيح له الحفاظ وحده على السلاح من خارج السلاح الشرعي للدولة . ولعل هذا العامل لعب ولا يزال يلعب دورا ثقيلا في تحفيز الخطاب المناهض للحزب وحلفائه من خلفية الصراع الذي حكم لبنان بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005 وسط تطورات دراماتيكية اعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري واقامت صراعا حادا ومديدا بين معسكري قوى 14 آذار المناهضة بقوة للوصاية السورية ولحزب الله ومشروعه السياسي والقتالي والتنظيمي وقوى 8 آذار الحليفة للنظام السوري والمؤيدة بقوة لحزب الله كونه عمودها الفقري الاساسي .

والحال ان واقع لبنان بعد الطائف وامتدادا الى الزمن الحالي لم ينحُ مرة داخليا او خارجيا نحو تصفية ميراث الحرب تصفية جذرية سواء بفعل ثقافة سياسية متأصلة ومشبعة بالطائفية او بفعل تطبع دائم مع تدخلات خارجية وارتباطات لقواه وطوائفه بدول اقليمية او عربية او غربية . وضع الطائف اساسا هشا وشكليا لالغاء الطائفية السياسية من خلال تشكيل هيئة وطنية تطلق مسار الاتجاه نحو مجلس نيابي منزوع القيد الطائفي وإقامة مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف ولكن اي شيء من هذا لم ينفذ بعد نحو عقود ثلاثة من وضع الطائف موضع التطبيق وتحوله الى دستور البلاد الجديد عقب انهاء الحرب في لبنان .

والخطاب المشبع ضمنا بالإبقاء على التحفز القتالي لا يعني حصرا وبالضرورة ان الاطراف اللبنانيين بأكثريتهم العظمى لم تخلوا عن العنف وسيلة تحقيق لاهداف سياسية . ولكنها مسألة تطبع وثقافة عميقة كالدولة العميقة تماما في دول اخرى متطورة ومتقدمة ولديها في الوقت نفسها نقاط ضعف وتكوين تستلزم عقودا وربما عصورا لإزالتها فضلا عن عمليات تشريع وسن قوانين محدثة تتناول كل اوجه التعبير السياسي والاعلامي والالتزامات الفردية بدءا من قانون الانتخابات مرورا بقانون الاعلام بلوغا الى تعديلات جذرية على قانون العقوبات نفسه . والفارق الاساسي بين لبنان ودول اخرى ان الاول يعاني دوما من واقع اللادولة الذي يبقي مفهوم العنف مواكبا لأزماته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات