Search
728 x 90

الحكومة الآتية : المحاذير قاتلة ولا تبحثوا عن سوابق

الحكومة الآتية : المحاذير قاتلة ولا تبحثوا عن سوابق

من التسرع تقديم أي تصور للحكومة التي ستأتي لمواكبة وإدارة اخطر حقبة ومرحلة عرفها لبنان في تاريخه. فحجم الاخطار يجعل الخشية متعاظمة جداً من تشكيل حكومة لا تستوفي الحد الأدنى من مواصفات المواجهة المطلوبة.

يصعب ان تجد نموذجاً في تاريخ الازمات اللبنانية منذ الحرب وما بعدها في عصر الطائف للاحتكام الى بعض معالمه في مقارنة محتملة مع النموذج الطالع الحالي للأزمة الحكومية التي تنذر بسوابق على مختلف الصعد . اذ ان الازمات الحكومية في زمن الحرب غالباً ما كانت لا تزيد ولا تنقص الكثير من تعقيدات الوضع اللبناني لأنها كانت تواكب زمناً حربياً وتقسيمياً قلل الى حدود بعيدة من سلطات المؤسسات الدستورية بل أفرغها من كل مضمون وتأثير لمصلحة الإدارات الذاتية للميليشيات التي كانت تتحكم جغرافياً وامنياً بمناطق نفوذها .
اما في زمن الطائف والى ما بعد الانتفاضة الشعبية اللبنانية التي تحيي في ١٧ تشرين الأول المقبل الذكرى السنوية الأولى لانطلاقتها فإن تجارب الازمات الحكومية غالباً ما كانت تنتهي بتسويات على الطريقة اللبنانية أي بتوافقات ومحاصصات تقليدية بين القوى السياسية والطائفية حتى في زمن النزاع العريض بين معسكري 14 آذار و8 آذار .
هذه النمطية في الازمات اذا صح التعبير، بدأت تتبدل نسبياً بعدما بادر الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري الى الاستقالة عقب انطلاق انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 محدثاً خلط أوراق سياسية واسعاً لم تنته مفاعيله حتى الساعة . اذ ان استقالة الحريري آنذاك أدت الى الغاء معادلة المجيء بالسنّي الأكثر تمثيلا ًالى رئاسة الحكومة، الامر الذي دفع تحالف العهد وقوى 8 آذار الى ارتكاب أسوأ أخطاء هذا التحالف اطلاقاً عبر تنصيب أكاديمي مغمور شغل مرة واحدة منصب وزير التربية في حكومة نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة التي شُكّلت بعد حكومة الحريري وهو حسان دياب .
انتهت التجربة بكارثة لم يعرف لبنان أسوأ واشد فداحة منها في كل تاريخه من خلال انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 الذي توّج مساراً كارثياً في لبنان على كل المستويات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تحت وطأة جائحة كورونا التي تسبب انفجار المرفأ أيضاً بتفاقمها بل بتفلتها تماماً من الاحتواء وتفشّيها على أوسع نطاق .
لذا اعتبرت المبادرة الفرنسية التي تولاها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بنفسه وعبر فريقه الاستشاري الرئاسي المباشر كأولوية مطلقة لفرنسا اشبه بمحطة مفصلية من محطات صناعة الحقبات المصيرية في لبنان . ولكن اخفاق الرئيس المكلف السفير اللبناني في برلين مصطفى اديب في تشكيل الحكومة الجديدة احدث خطاً بيانياً طارئاً في تاريخ الازمات الحكومية عكسه جمود غير مسبوق في الواقع السياسي بما يترجم الارباك الضخم والمأزق الكبير الذي وجد العهد العوني والقوى السياسية انفسهم في شراكه ولا سيما منهم الثنائي الشيعي المتمثل بحركة امل وحزب الله اللذان يُعدّان المسببين الأساسيين في احباط المبادرة الفرنسية وافشال تجربة مصطفى اديب .
تقف البلاد الآن عند مفترق شديد التأزم والإرباك في الخيارات المتصلة بأي حكومة ستؤلف، ومن هي الشخصية المؤهلة بعد لتولي هذه المهمة المستحيلة لتشكيل حكومة انقاذية فيما يشارف الوضع في لبنان على اسقاط كل ما يمكن إنقاذه .
فإذا كانت العناوين اليومية للمشكلات الاجتماعية والصحية والمالية التي يعاني منها اللبنانيون وحدها كافية للدلالة على حجم وطبيعة الكارثة التي غرق فيها لبنان فكيف بالسيناريو القريب الأجل للوضع الآتي بعد شهرين او ثلاثة على الأكثر حين يتوقف المصرف المركزي عن دعم المواد الاستراتيجية الحيوية كالدواء والمحروقات والغذاء وتالياً تفلّت الأسعار من أخر الضوابط التي لا تزال تحول دون اشتعال الشارع بثورة “حمراء” هذه المرة لا شيء يحول دون تحولها الى فوضى دموية ؟ عند هذا السيناريو المخيف في واقعيته ستدور احتمالات البحث عن حكومة ربما تكون مواصفاتها الأولى من نوعها هذه المرة بما يعني الآخذ بعبر حكومات التوافقات السياسية المشلولة الا بتفاهمات شاقة وحكومة حسان دياب الأحادية اللون الفاشلة، ومن ثم الإخفاق في تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين تماماً حاول مصطفى اديب النفاد بها من ايدي الطبقة السياسية ففشل أيضاً .
ولكن في مجمل هذه التجارب تبدو الطبقة السياسية نفسها الفاشل العملاق الأول والأخير بدليل الانكفاء الكبير الذي فرضه عليها اقسى هجوم شنّه زعيم اجنبي على طبقة سياسية من قبل، أي هجوم الرئيس الفرنسي على هذه الطبقة في المؤتمر الصحافي الذي عقده غداة اعتذار مصطفى اديب .
سيكون من التسرع راهناً تقديم أي تصور للحكومة التي ستأتي لمواكبة وإدارة اخطر حقبة ومرحلة عرفها لبنان في تاريخه ، والامر الثابت في هذا السياق ان حجم الاخطار يجعل الخشية متعاظمة جداً من تشكيل حكومة لا تستوفي الحد الأدنى من مواصفات المواجهة المطلوبة بحيث تكون تتويجاً لمسار كارثي بدلاً من ان تكون على الأقل أداة فعالة لتأخير الاندفاع الى الهاوية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات