Search
728 x 90

الحكومات اللبنانية من أصغرها إلى أكبرها: المطرقة لم تعد تفيد

الحكومات اللبنانية من أصغرها إلى أكبرها:  المطرقة لم تعد تفيد

تراوح عدد اعضاء الحكومات اللبنانية على مر العهود بين الاصغر والاكثر فضفاضاً، وفق الظروف السياسية التي اوجدت كلا منها. الا ان هذه الحكومات، منذ اتفاق الدوحة عام 2008 وسلسلة الاعراف المحدثة الناشئة عنه، احالت عامل الوقت عنصراً رئيسياً في صنعها، مما جعل من مطرقة الرئيس لإدارتها عنصراً فائضاً لم يعد يفيد.

عندما قرّر الرئيس فؤاد شهاب عام 1960 تأليف الحكومة الأكبر في لبنان حتى ذلك الوقت، وكان الرقم قياسياً آنذاك فعلاً، كي تكون من 18 وزيراً ترأسها الرئيس صائب سلام، اتى بفكرة المطرقة ـ للمرة الاولى ـ كي يدير جلسة مجلس الوزراء. مذذاك درجت بين يدي رئيس الجمهورية. توضع على منضدة خشبية صغيرة قرب ملفاته الى الطاولة. يستخدمها لافتتاح الجلسة واختتامها، وتنظيم حوار الوزراء وسجالهم كما لقطع هذا السجال. اعتاد شهاب عقد جلسات مجلس الوزراء بعد ظهر الاربعاء، كل اربعاء، في منزله في جونيه، بعد انقضاء الدوام الرسمي، كي لا يهدر الوزراء اوقات اعمالهم في وزاراتهم.

عام 1974 كان الرقم القياسي الثاني الاعلى مع الرئيس سليمان فرنجيه. قرّر تأليف “حكومة كل لبنان”، فرفع عدد وزرائها الى 22 وزيراً برئاسة الرئيس تقيّ الدين الصلح.

شأن ما عرف لبنان الحكومات الاكبر عدداً عامي 1960 و1974، عرف كذلك الحكومات الاصغر عدداً. في معظمها لم تتمثل الطوائف كلها، ولم ينشأ عن هذا النقص تشكيك او طعن او شعور بالغبن والافتئات. عُدّت حكومات استثنائية ارتبطت باستحقاقات داهمة، او نجمت عن تعذّر صيغ اخرى للتأليف. يمكن ادراج هذه في انواع ثلاثة:

ـ حكومة انتقالية إختبرت مرتين مع شغور منصب رئاسة الجمهورية. الاولى من ثلاثة وزراء برئاسة اللواء شهاب جراء استقالة مفاجئة للرئيس بشارة الخوري عام 1952، والثانية في حال مماثلة مع انتهاء ولاية الرئيس امين الجميّل عام 1988 دونما انتخاب خلف له، بتأليف حكومة من اعضاء المجلس العسكري الستة برئاسة العماد ميشال عون. لأنهما اتتا لخلافة الرئيس الماروني الذي شغر منصبه، ترأسهما ماروني كان في الحالين قائد الجيش، وبدا هذا الاجراء سابقة. الا ان عهد الشيخ بشارة شهد قبل حكومة شهاب هذه، في الايام القليلة التي سبقتها، صدور مراسيم حكومتين ثلاثيتين ترأسهما الرئيس ناظم عكاري وسلام للهدف نفسه. الا ان رئيسيهما اعتذرا.

ـ حكومة انتخابات ثلاثية برئاسة الرئيس حسين العويني عام 1951 في عهد الرئيس بشارة توخت، بعد اول تعديل لقانون الانتخاب منذ عام 1934، الاشراف على الانتخابات النيابية العامة.

ـ حكومة موظفين رباعية برئاسة الرئيس خالد شهاب في مطلع عهد الرئيس كميل شمعون عام 1952، وكانت آخر خيارات الرئيس بعدما اخفق في تأليف حكومة سياسية جرّاء نزاع بينه والجبهة الاشتراكية الوطنية التي خرج من صفوفها. اذ طلب كمال جنبلاط، قطبها الثاني، ان تمسك بغالبية مقاعدها، فرفض رئيس الجمهورية.

ـ حكومة رباعية لجبه ازمة وطنية وانقسام داخلي حاد، إختبرت ايضاً مرتين: اولاهما عام 1958 برئاسة الرئيس رشيد كرامي، وثانيتهما عام 1968 برئاسة الرئيس عبدالله اليافي. الاولى رمت الى اطفاء الحرب اللبنانية الصغيرة حينذاك، والثانية لاستيعاب تداعيات النزاع المسلح بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية وانعكس انقساماً وطنياً وطائفياً خطيراً. في الحكومتين اللتين تألفتا من وزيرين مارونيين ووزيرين سنّيين دون سائر الطوائف، شغلهما باستثناء رئيسها الوزراء الثلاثة اياهم: العويني وريمون اده وبيار الجميّل.

لكن جردة على عهود الرؤساء المتعاقبين تفصح عن ان اياً من رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تأليف الحكومة، حتى عام 1960 ثم عام 1974، لم يكن متحمّساً لتأليف حكومة فضفاضة. مع الشيخ بشارة الحكومة الاكبر من تسعة وزراء، مع شمعون من 14 وزيراً، مع الرئيس شارل حلو من 16 وزيراً، مع الرئيس الياس سركيس من 22 وزيراً، مع الجميّل من عشرة وزراء. على مرّ هذه الحقب، عُدّ حجم الحكومات وعدد وزرائها شأناً ثانوياً. كان يكفي تعيين وزير واحد كي تشعر الكتلة النيابية ممثلة، او حتى تتخلى عن تمثيلها في مقابل توزير شخصيات غير برلمانية او رجال اختصاص، ما دام الحساب هو في نهاية المطاف في مجلس النواب.

تلك حال لبنان القديم. بعد اتفاق الطائف اصبح الامر مغايراً تماماً.

في المراحل ما قبل الاخيرة لتأليف الحكومة الثالثة للرئيس سعد الحريري ـ وهي مراحل لما تنقطع بعد ـ طُرحت اقتراحات عدة للتخلص من مأزق تعذّر تأليفها جراء الشروط والشروط المضادة، والتنازع على الحصص والمقاعد والحقائب. طوال خمسة اشهر اجتمعت الخلافات على تقاسم الحصص والمقاعد والحقائب. في الشهرين المنصرمين دار نزاع مماثل على مقعد واحد فقط، هو الوزير السنّي السادس من غير ان يُعثر بعد على حل له. الا ان سلالاً من الاقتراحات رافقت البحث عن هذا المخرج.

احد الاقتراحات تلك، ما بين 29 تشرين الاول 2018 و19 كانون الاول، توسيع حكومة 30 وزيراً الى حكومة 32 وزيراً. ثم جاء بعد ذلك طرحان آخران متلازمان، واحد اكثر استفاضة وثان اضيق. قدّم وزير الخارجية جبران باسيل في الاجتماع الذي ضمه والحريري في بيت الوسط في 2 كانون الثاني خمسة اقتراحات، ثلاثة منها ارتبطت ايضاً بحجم الحكومة: 32 وزيراً او 36 وزيراً ـ وهي المرة الاولى في تاريخ الحكومات اللبنانية يؤتى على ذكر رقم كهذا ـ واصغر من هذا وذاك 24 وزيراً على غرار حكومة الرئيس تمام سلام عام 2014. الا ان الحريري مانع، كما من قبل، في رفع العدد الى اكثر من 30 وزيراً، كما في خفضه الى ما دونه.

رمى تداول رقمي 32 و36 الى محاولة التوصل الى مخرج للعقدة السنّية المتمثلة في توزير احد النواب السنّة الستة، معارضي الحريري وتياره والقريبين من حزب الله، او مَن يمثلهم. مرة من دون الانتقاص من الحصة السنّية للحريري وهي خمسة وزراء سنّة، ومرة لتفادي انتزاع المقعد السنّي السادس في حصة رئيس الجمهورية المقايَض مع الرئيس المكلف بمقعد مسيحي، ومرة بتعويض الحريري الذي لا يزال يرفض توزير هذا الفريق مقعداً اضافياً يعزّز حصته الوزارية يعهد فيه الى علوي. الوجه المقابل لهذا التعويض في حكومة 32 وزيراً حصول كتلة باسيل على المقعد الاضافي الـ32 لاسناده الى وزير يمثّل الاقليات. بعد ذلك جيء على ذكر 36 وزيراً بزيادة 6 وزراء مناصفة بين الطائفتين الكبريين، بحيث يخرج الجميع من مأزق العقدة السنّية رابحين، بمَن فيهم غير المعنيين بها في الاصل.

تكاد تقتصر مقاربة تأليف ثانية حكومات العهد على ان تقاسم الحصص وحده كفيل ارضاء هذا الفريق او ذاك. لذا لم يُعثر على الحل سوى في اقتراح توسيعها اكثر مما يسع اي حكومة لبنانية ان تحتمل هذا الكمّ من الوزراء. في ذلك خير استعادة لما فعله السوريون، عشية انتخابات 1992، عندما فرضوا في مرحلة التحضير لقانون الانتخاب آنذاك رفع عدد النواب من 108 نواب وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف، الى 128 نائباً، بزيادة 20 نائباً. معظم هؤلاء وُزّع على المناطق الأكثر تأثراً بالنفوذ السوري، بغية ارضاء اوسع شريحة من الحلفاء وادخالهم في البرلمان الجديد. تالياً التعويل عليهم لتعزيز حجج استمرار الوجود السوري، بشقيه العسكري والسياسي، آنذاك.

سبق الوصول الى هذا الاستحقاق، محاولة تجريبية بيّنت للسوريين جدواها عندما رعوا في 24 كانون الاول 1990 حكومة اكثر من فضفاضة، من 30 وزيراً باسم حكومة الاتحاد الوطني برئاسة الرئيس عمر كرامي. شكلت هذه سابقة في عمر الحكومات المتعاقبة التي لم يسبق لها ان ادركت هذا العدد من الوزراء. اكثر من ربعهم وزراء بلا حقائب، دعيوا وزراء دولة. مذذاك، في ظل الحقبة السورية، درج تأليف الحكومات على اتباع هذا الرقم.

ما خلا حكومتي الرئيسين رشيد الصلح عام 1992 المنوط بها اجراء الانتخابات النيابية عامذاك وكانت من 24 وزيراً، وسليم الحص الاولى في عهد الرئيس اميل لحود وكانت من 16 وزيراً، فإن الحكومات التالية في الحقبة السورية منذ اولاها مع كرامي عام 1990 حتى آخرها مع كرامي نفسه عام 2004، شُكلت من 30 وزيراً توزّعت الحصص فيها على الرؤساء الثلاثة. الا ان الحصة الكبرى كانت لدمشق بامساكها عبر حلفائها بثلثيها. على مرّ عشر حكومات فرضت دمشق سبعاً منها ثلاثينية. بيد ان هذا الرقم لم يتحسّن كثيراً بعد جلاء جيشها السوري عن لبنان في نيسان 2005، فأبصرت النور اربع حكومات ثلاثينية من سبع ما بين عامي 2005 و2016، تحت شعار ان هذا العدد الفضفاض من الوزراء يجعل منها حكومة وحدة وطنية. الذريعة التي تسلّح بها السوريون، وانتقلت عدواها بعد مغادرتهم الى الحلفاء والخصوم على السواء.

لكن العكس صحيح ايضاً تبعاً للذريعة نفسها، من اجل صواب التبرير: من اجل تأليف حكومة وحدة وطنية، يقتضي ان لا تقل عن 30 وزيراً، مع ان حكومة سلام عام 2014 تمثل فيها الافرقاء جميعاً، واقتصرت على 24 وزيراً وزّعت فيها الحصص مثالثة وفق معادلة ثلاث ثمانات.

رغم ان الحكومات الثلاثينية ابان المرحلة السورية لم تمسِ عبئاً، بتأليفها كما بممارستها الحكم جراء مرجعية دمشق لها، بيد انها اضحت في ما بعد، منذ اتفاق الدوحة عام 2008 وسلسلة الاعراف المحدثة الناشئة عنه تزامنت معها، احالت عامل الوقت عنصراً رئيسياً في صنعها. فكيف عندما يشارك في تأليفها اكثر من فريق؟

 رؤساء حكومات ما بعد اتفاق الطائف 

حكومة 14 وزيراً

حكومة 16 وزيراً

حكومة 24 وزيراً

 

حكومة 30 وزيراً 

 

سليم الحص 

 1989

x

عمر كرامي 

 1990

      

x

رشيد الصلح

1992

  x
 

 رفيق الحريري 1992       

x
 

رفيق الحريري 1995        

x

رفيق الحريري

1996        

x

سليم الحص

1998

x        

         رفيق الحريري 2000

 

x
   رفيق الحريري 2003    

 

x
    عمر كرامي 2004       

 x

نجيب ميقلتي 2005

 

x    

فؤاد السنيورة 

2005

     
     فؤاد السنيورة 2008   

 

سعد الحريري

2009 

   

 نجيب ميقاتي 2011

 

تمام سلام 2014

 

 

   سعد الحريري 2016

2

1

3

11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات