Search
728 x 90

الحكم في اغتيال الحريري كـ ” خاتمة” غير مكتملة

الحكم في اغتيال الحريري كـ ” خاتمة” غير مكتملة

“التحقيق الذي قادته السلطات اللبنانية كان فوضوياً وتم العبث بمسرح الجريمة والامن اللبناني ازال ادلّة مهمة من موقع التفجير”. 
الاشخاص المّتهمون يرتبطون بجهة منظمة والادلّة تشير الى ان الاغتيال كان سياسياً!
المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري

احبط حكم المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري غالبية من اللبنانيين الذين يعرفون في قرارة انفسهم ويدركون جيداً من يقف وراء عملية الاغتيال ولا سيما الظروف السياسية التي اشارت اليها المحكمة حول الضغوط التي كان يمارسها النظام السوري الذي كان يخشى انتقال الحريري الى المطالبة بانسحاب قواته من لبنان.

نسي غالبيتهم ان اقرار مجلس الامن لم يكن سيتم في الاساس لولا ان روسيا وضعت فيتو على امكان وصول الاتهام للنظام السوري بشخص بشار الاسد او ” حزب الله” ككيان سياسي.

ومن هنا فإن اي حكم تحت هذا السقف كان سيكون محبطاً في حد ذاته لان المجتمع الدولي امّن الحماية لمتّهمين دلّت عليهم الجريمة فوراً لكنّه منع العدالة او وضع حدوداً في الاساس امام الوصول الى النتيجة المتوخاة.

وما ليس معروفاً او متداولاً ويجب توضيحه، ان المحاكم الجنائية تأخذ بقاعدة وجوب ثبوت التهمة خارج دائرة الشك المقبول ولا تلاحق الدول او الكيانات الحزبية بل الافراد. وخلال المسار الطويل للمحكمة التي تمّت مواجهتها بأساليب لم تخل من محاولات ترهيب طاولت حتى من انتدبته المحكمة للتحقيق في الجريمة اصلاً، فإن وسطاء امنيين كثراً سقطوا على الطريق او تم اسقاطهم وقتلهم لقطع اي صلة وصل يمكن ان تصل الى الرأس المدبر الذي خطط للجريمة واعطى الاوامر لتنفيذها.

لم يحصل اللبنانيون الذين كانوا ينتظرون المحكمة على الخاتمة التي كانوا ينتظرونها فيما يعتقد ان حكماً اقوى يصدر من المحكمة كان يخشى ان يفجّر الوضع اللبناني الذي يقف في الاصل في حفرة الانهيار التي تهدد بابتلاعه.

لكن ادانة قيادي في ” حزب الله” في الوقت الذي سبق ان اشار امينه العام الى استحالة ان يتحرك اي عنصر فيه من خارج الارادة الحزبية، انما تضع الحزب بأكمله في موقع الادانة كونه تنظيماً حديدياً من حيث عمل مجموعة عناصر تنتمي اليه على تنفيذ الجريمة ولو انه لم يتوافر للمحكمة الادلة القاطعة من اجل ادانتهم.

وفيما ان الحزب سعى الى تسخيف اي قرار او ادانة تصدر عن المحكمة مسبقاً، فإن المواقف الدولية التي بنت على ادانة المحكمة قيادياً من ” حزب الله” توفّر بعداً اضافياً حيال النظرة المعروفة ازاء الحزب، اي انه حزب مسؤول عن اغتيال الحريري علماً ان الجريمة التي طاولت الاخير استتبعت بأكثر من 15 عملية اغتيال لقيادات من اخصام للحزب.

الأهمية التي يكتسبها حكم المحكمة تستند الى مجموعة خلاصات قد يكون ابرزها ان المحكمة نزعت عن نفسها الاتهامات التي طاولتها بالتسييس على خلفية تسويق الحزب على نحو مبكر من انشائها انها تستهدفه بالسياسة من دون ادلة. وهكذا ظهر ان لا مؤامرة على الحزب باعتبار انه لو وجدت لكان يجب على المحكمة سلوك طريق اخر. والخلاصة الثانية المهمة تكمن في ان قرار المحكمة الدولية الخاصة هو اول قرار جنائي دولي في تاريخ لبنان لا بل في تاريخ البشرية يصدر بالادانة في جريمة وصفتها المحكمة بالجريمة الارهابية بخلفيات سياسية وليس لاهداف فردية. ومن هذه الاعتبارات يُعدّ قرار المحكمة انجازاً في حد ذاته.

ولكن في مكان آخر، وفي ظل صدور الحكم في اغتيال الحريري في ظل تداعيات انفجار مرفأ بيروت والذي فاق بأضعاف مضاعفة جريمة تفجير رئيس الحكومة السابق والمطالبة بتحقيق دولي في الانفجار الاخير، ثمة احباط موضوعي من المجتمع الدولي . هذا المجتمع الذي يراعي مصالح كبيرة فيحول دون الذهاب وراء قتلة حقيقيين تعرفهم العواصم، ومن جهة ثانية فإن استغراق التحقيق الدولي 15 سنة من اجل صدور الحكم يحبط المطالبين بتحقيق دولي من اجل مرفأ بيروت قد يؤدي الى نتيجة من حيث محاكمة المسؤولين ام لا. وذلك علماً ان اقرار المحكمة بأن الامن اللبناني عبث بموقع جريمة الحريري واطاح الادلة انما يعني ان السلطات اللبنانية غير مؤهلة لاجراء اي تحقيق فعال في جريمة المرفأ.

ادانة الحزب على نحو غير مباشر هل يمكن ان تعطي سعد الحريري او المجتمع الدولي يداً عليا في فرض شروط على الحزب او حشره بما يضطره الى تغيير ادائه او مقاربته ؟

من الصعب جدا الاعتقاد ان حكم المحكمة الدولية وماذا يعني فعلا يمكن ان يحفز تغييراً جوهرياً في حين انه يمكن ان يحفز ضغطاً اضافياً . لكنه لا يكفي لوحده . اذ يكتسب حكم المحكمة الدولية بعده في الظروف الراهنة على خلفية الشكوك التي تساور كثيرين وعلى خلفية نظريات تتصل بواقع ان المطالبة بالتحقيق الدولي في المرفأ تعود للاقتناع بأن الموضوع ليس مجرد اهمال او فساد فحسب بل اكثر من ذلك في ظل الحديث عن اسلحة وذخائر قد تكون السبب في الانفجار الكارثي.

وهنا وجهت اصابع الاتهام في اتجاه ” حزب الله” ايضاً حتى لو صدرت نظريات تتعلق بعمل اسرائيلي ما استهدف مرفأ بيروت على رغم نفيها من الحزب واسرائيل. وكان من التداعيات المباشرة لذلك تسليط الضوء على مئات الصواريخ والذخائر الكثيرة التي يخزنّها الحزب في مناطق مأهولة على الارجح لأن لبنان ككل صغير ولا صحارى لديه او مناطق غير مأهولة.

وتضيف التداعيات الكارثية التي تمثّلت في وقوع اكثر من 200 ضحية واكثر من 6000 جريح الى جانب تدمير نصف العاصمة بيروت، الى الانهيار المالي الذي كانت تدفع اليه السلطة الحاكمة تحت سيطرة الحزب وحلفائه في اتجاه تضخّم ملف تراكمي يقود الى اعادة صياغة النظام اللبناني من اساسه تحت وطأة فوضى كل هذه الامور.

وعلى هذا القاعدة بالذات، اي درجة الخطورة التي وصل اليها الوضع اللبناني والذي تضيع في حمأته ادانة المحكمة الدولية باغتيال الحريري او تشكل جزءاً منه في احسن الاحوال، تحرّكت فرنسا وحرّكت معها مجموعة من الدول الغربية من اجل الامساك بلبنان ورمي عوّامة له تمنعه من الغرق كلياً.

وعلى هذا المستوى تدخل مستويات اخرى من التعقيد في ظل دفع ايران لأن يكون لبنان ساحة مساومة حول مطالبها تحت عنوان امكان ان يؤثر الضغط على الحزب من اجل التراجع قليلاً في موضوع سيطرته الكلّية على القرار والواقع اللبناني.

لكن هذا موضوع آخر يُفترض ان تتّضح معالمه قريباً على رغم ان ايران ربطته بالانتخابات الاميركية والنتيجة التي ستؤدي اليها، وتالياً عدم امكان المساومة مسبقاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات