Search
728 x 90

الحقائب السيادية: عُرف من عمر الطائف

الحقائب السيادية: عُرف من عمر الطائف

في ظل الصعوبات التي باتت تواجه عملية تأليف الحكومة يبرز الصراع على الحقائب السيادية جانبا من الكباش في التوزانات الداخلية والطائفية وقد ” صارت اقرب الى الامتياز ذات النفوذ السياسي اكثر منها المالي من دون ان تعفي نفسها من ذلك “.

خاص – بيروت انسايتس

ليست الحقائب السيادية الاربع (المال والخارجية والدفاع والداخلية) التي يصير الى الخلاف عليها، وتمسي عقبة كأداء احياناً، في طريق تأليف حكومة جديدة، من صنع اتفاق الدوحة منذ عام 2008. ادخلت التسوية هذه في الحياة الدستورية اللبنانية كمّاً من التعريفات والاعراف غير مسبوقة، وباتت في صلب الممارسة دونما حاجتها الى نص، واوشكت ان تكون في منزلة دستورية. الا انها كلها تقف على طرفي نقيض من التسوية الأم اتفاق الطائف عام 1989، ومن ثم التعديلات الدستورية الناجمة عنه عام 1990.
يُنظر الى الحقائب السيادية الاربع، المقصورة على اربع طوائف تُعدّ رئيسية دونما اخضاعها لمعيار وقياس محدّدين (الموارنة والسنّة والشيعة والروم الارثوذكس) على انها في مكانة تتقدّم ما عداها من الحقائب الـ22 التي تتألف منها الحكومات اللبنانية، الى حد ان اضحت في مراتب متفاوتة الاهمية:
سيادية هي الاربع: المال والخارجية والدفاع والداخلية. تقع ومنصب نائب رئيس الحكومة ـ وهو موقع بلا اي صلاحيات على الاطلاق ولا يعدو كونه معنوياً محصوراً بالروم الارثوذكس ـ على قدم المساواة، رغم ان الفارق جوهري بين هذين الطرازين مرتبط مباشرة بالصلاحيات والقدرات.
يهمل هذا التقويم الطائفة الدرزية، المقيمة في صلب تأسيس الكيان اللبناني وإن تبدو الاقل الآن عدداً بين تلك، وكانت مداولات النواب اللبنانيين في اتفاق الطائف، من دون نص مدوّن، اتفقت على ان يُعهد اليها في رئاسة مجلس الشيوخ، على ان يكون نائب المجلس كاثوليكياً. هاتان الطائفتان تتساويان في الحصول على ثمانية نواب فقط في البرلمان، محرومتان من الوصول الى الحقائب السيادية الاربع.
في حقبة ما قبل اتفاق الطائف ذاع صيت كمال جنبلاط وبهيج تقي الدين وبشير الاعور في وزارة الداخلية، ومجيد ارسلان ونصري المعلوف وجوزف سكاف في وزارة الدفاع، وسليم تقلا وفيليب تقلا وخليل ابوحمد في حقيبة الخارجية.
الرئيسية عددها 11 هي المدرارة ذات القدرات المالية والخدماتية الوفيرة في شتى القطاعات التي تعني الناس: الصحة، الاتصالات، الطاقة والمياه، الاشغال العامة والنقل، الشؤون الاجتماعية، العدل، التربية والتعليم العالي، العمل، الاقتصاد والتجارة، الصناعة، التنمية الادارية.
الثانوية عددها 7: البيئة، الثقافة، الاعلام، الزراعة، الشباب والرياضة، المهجرون، السياحة.
لزوم ما لا يلزم هي حقائب وزارات الدولة: شؤون مجلس النواب. اخيراً في حكومة الرئيس سعد الحريري (2016) ادخلت في عدادها: شؤون رئاسة الجمهورية، شؤون التخطيط، شؤون حقوق الانسان، شؤون النازحين، شؤون المرأة، شؤون الفساد، من اجل ان تكون لكل وزير في حكومة ثلاثينية حقيبة، وإن وهمية بلا صلاحيات ولا ملاك ولا موازنة ولا مقار.
على نحو كهذا صارت الحقائب السيادية اقرب الى الامتياز، ذات النفوذ السياسي اكثر منها المالي من دون ان تعفي نفسها من ذاك. بيد ان الفلسفة التي تنطوي عليها، انها تضع الطوائف الاربع التي تتناوب عليها في مرتبة متساوية.
في الاصل الوزراء جميعاً متساوون في مجلس الوزراء، اياً تكن الحقائب التي يشغلونها، بما فيهم وزراء الدولة الذين يُعيّنون من دون منحهم في الغالب حقائب. لكل منهم صوت عند التصويت، يساوي زميله ويساوي واحداً لا واحداً ونصف واحد في النصاب وطلب الكلام وامرار برامجه ومشاريعه. يساوي ايضاً رئيس مجلس الوزراء في النصاب والتصويت صوتاً واحداً فحسب. وهو ما لم يُعطَ، او في الحري حُرم منه رئيس الجمهورية في اصلاحات اتفاق الطائف.
كان يسع رئيس الجمهورية قبله، عندما كان رئيس السلطة الاجرائية في ظل الدستور السابق، تبعاً للمادة 17 منه، ان يصوّت ايضاً وإن احجم الرؤساء المتعاقبون على مرّ العقود المنصرمة على استخدام هذا الحق، نظراً الى امساكهم بالغالبية في مجلس الوزراء.
المرة الاولى اعتمد توزيع حقائب المال والخارجية والدفاع والداخلية على الطوائف الاربع كان في حكومة الرئيس عمر كرامي التي ابصرت النور في 24 كانون الاول 1990. من ثم ـ من غير ان تثار خلاف ـ نيطت الحقائب الاربع هذه بالطوائف نفسها في الحكومات التالية المتعاقبة، دونما تخصيص متعمد لاحداها على هذه او تلك منها، تبعاً للانتماء الطائفي.
في حكومة الرئيس سليم الحص في 25 تشرين الثاني 1989، في الساعات التالية لانتخاب الرئيس الياس هراوي، وزّعت الحقائب الاربع على نحو مختلف لم يعكس قصرها على الطوائف الاربع، اذ عُهد الى الكاثوليكي البر منصور في حقيبة الدفاع ـ وكانت المرة الاخيرة لهذه الطائفة ـ بينما عُهِد في الحقائب الاخرى الى: السنّي سليم الحص رئيس الحكومة وزيراً للخارجية، الشيعي علي الخليل وزيراً للمال، الماروني الياس الخازن وزيراً للداخلية. لم يُنظر الى حكومة سليم الحص على انها منبثقة من تسوية الطائف كون ابصارها النور تلا اقرار هذه التسوية في مدينة الطائف السعودية اولاً في 30 ايلول 1989، ثم في القليعات في تشرين الثاني 1989 قبيل انتخاب رينه معوض رئيساً للجمهورية. لم يخضع تأليف الحكومة ايضاً لاستشارات نيابية ملزمة وفق ما نص عليه اتفاق الطائف في المادة 53 منه. كان يقتضي انتظار ادماج الاصلاحات الواردة في الاتفاق في متن الدستور وصدورها في 21 ايلول 1990. مذذاك بدأ التطبيق الفعلي لاتفاق الطائف مع اول حكومة وحدة وطنية برئاسة كرامي.
كمنت المسألة الرئيسية في حكومتي سليم الحص وعمر كرامي في وضع حقيبة المال بين يدي وزير شيعي هو علي الخليل، وفق بضعة قواعد حُسبت اقرب الى اعراف كان اتفق عليها في اجتماعات الطائف، دونما ادخالها في متن الاتفاق، وظلت تتمتع بصدقية التعهدات الوطنية الشفوية، على انه اتفاق بين موقعي التسوية تلك ارتؤي عدم تدوينها لحساسية بعضها. من هذه:
1 ـ ان لا يقل عدد وزراء اي حكومة يصير الى تأليفها عن 14 وزيراً.
2 ـ يقتضي برئيس الحكومة ان لا يُعهد اليه في اي حقيبة، كي يتمكن من الاشراف على الوزارات كلها بصفته رئيساً للحكومة.
3 ـ لا مهلة مقيّدة وملزمة للرئيس المكلف تأليف الحكومة تفادياً لاحراجه وشل دوره، على ان ينجز التأليف في مدة شهر حداً اقصى.
4 ـ وزير المال يكون شيعياً بغية تحقيق التوازن في توقيع المراسيم بين الطوائف الرئيسية الثلاث: الموارنة والسنّة والشيعة.
عملاً بالقاعدة الرابعة هذه، تعاقب على وزارة المال حتى وصول الرئيس رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة عام 1992 وزيران شيعيان هما علي الخليل واسعد دياب، قبل انتقال الحقيبة للمرة الاولى في ظل اتفاق الطائف الى سنّي، كان رئيس الحكومة نفسه، رفيق الحريري، وكانت سوريا رعت اول اخلال بالتعهدات الشفوية المبرمة في مداولات اتفاق الطائف.
حينما وُزّعت الحقائب الاربع الرئيسية المسماة حديثاً سيادية ـ ولم تكن تحمل هذه الصفة طوال اكثر من عقد ونصف عقد من الزمن (1990 ـ 2008) ـ بدا المنطلق الرئيسي ان تشكل العامود الفقري للامساك بمقدرات السلطة بين ايدي الحلفاء الموثوق بهم من سوريا، خصوصاً وان الحقائب الاربع هذه مرتبطة مباشرة بالسياسات الخارجية والمالية والامنية والعسكرية للبلاد، ومن ثم على صلة وثيقة بالعلاقات الثنائية اللبنانية ـ السورية، وبالاستراتيجيا التي تتحكم بلعبة السلطة منذ الانتخابات النيابية اذ اتاحت وضع اليد السورية على الرئاسات الثلاث وعلى المؤسسات العسكرية والامنية. هكذا، في عهد الياس هراوي، لزم صهره فارس بويز الماروني وزارة الخارجية ثماني سنوات (1990 ـ 1998)، وحليف سوريا ميشال المر وزارة الداخلية خمس سنوات (1993 ـ 1998) بعدما حل فيها سلفه اللواء سامي الخطيب مرتين على التوالي (1990 ـ 1992)، ورفيق الحريري ثم فؤاد السنيورة على رأس وزارة المال ست سنوات (1992 ـ 1998)، ومحسن دلول في وزارة الدفاع ست سنوات (1992 ـ 1998).
لم يختلف الامر كثيراً في عهد الرئيس اميل لحود. ظلت الحقائب نفسها بين ايدي الطوائف نفسها، لكن دونما تخصيص تبعاً لقاعدة حصرها بين ايدي الحلفاء اكثر منها عدّها امتيازاً لطائفة: ميشال المر ثم ابنه الياس المر وزيراً للداخلية (1998 ـ 2004)، فؤاد السنيورة وزيراً للمال (2000 ـ 2004)، محمود حمود الشيعي ثم الماروني جان عبيد وزيراً للخارجية (2000 ـ 2004). على غرار العهد السابق، كان المقصود الامساك بمفاتيح السياسات الخارجية والامنية والعسكرية، دونما اعارة الحقائب الاخرى ادنى اهتمام. لكنها في كل حال، على مرّ عهدي الرئيسين، في حوزة حلفاء دمشق لتمكينها من القبض على نصاب ثلثي مجلس الوزراء.
على نحو مطابق لما ساد ابان الحقبة السورية، وهو وضع الحقائب السيادية بين ايدي الحلفاء، احكمت قوى 14 آذار في اول حكومة استأثرت بثلثيها، برئاسة فؤاد السنيورة في 19 تموز 2005، اعقبت جلاء الجيش السوري عن الاراضي اللبنانية في 26 نيسان، السيطرة على الحقائب الرئيسية من خلال وزراء ينتمون اليها اكثر منها تخصيصها في طوائف: الماروني جهاد ازعور وزيراً للمال، السنّي حسن السبع وزيراً للداخلية، الارثوذكسي الياس المر وزيراً للدفاع، بينما آلت حقيبة الخارجية الى الشيعي فوزي صلوخ.
حتى الوصول الى اتفاق الدوحة عام 2008، كانت الحقائب السيادية قد اضحت حقوقاً للطوائف الاربع تلك ليس لأحد مسها او انتزاعها منه. الا انها ضمرت في الواقع انموذج احكام القبض على خيارات السياسات الوطنية العامة المرتبط مباشرة بالاستقرار، وخصوصاً في شقيه الخارجي والعسكري الامني، ما يبرّر ابقاءها في هذا الفريق او خصمه. هكذا حصل انتقال الحقائب السيادية من حلفاء دمشق الى خصومها عندما انهارت الحقبة السورية.
منذ اتفاق الدوحة لا تزال القاعدة نفسها سارية. في الحكومات الخمس المتعاقبة مذذاك، برئاسة فؤاد السنيورة (2008) وسعد الحريري (2009) ونجيب ميقاتي (2011) وتمام سلام (2014) وسعد الحريري (2016)، استقر العرف نفسه. تقلبت الحقائب السيادية احياناً: المارونيان زياد بارود ومروان شربل على رأس وزارة الداخلية، الماروني جبران باسيل على رأس وزارة الخارجية. الحقيبة الثالثة الدفاع لم تخرج من جيب الروم الارثوذكس. اما السنّة محمد شطح وريا الحسن ومحمد الصفدي فتعاقبوا على وزارة المال، قبل ان تعود اخيراً ـ ربما لمرة نهائية وسط جدل تشعّب بازاء ذلك ولم ينقطع ـ الى الطائفة الشيعية. وهي في حوزتها منذ عام 2014 مع علي حسن خليل.
منذ حكومة تمام سلام وصولاً الى الاسابيع المنصرمة في عمر تكليف سعد الحريري تأليف الحكومة الجديدة، راحت اصوات تعلو على مهل لكن بوثوق، للايحاء بقصر الحقائب السيادية ليس على الطوائف المعهود اليها بها فحسب، بل على الافرقاء السياسيين تخصيصاً: وزارة المال عند حركة امل، وزارة الداخلية عند تيار المستقبل، وزارة الدفاع عند رئيس الجمهورية يحل فيها الارثوذكسي الذي يرتئي، الى ان انتقلت وزارة الخارجية الى ماروني للمرة الاولى منذ حكومة رفيق الحريري عام 2003 مع آخر ماروني تبوأها هو جان عبيد. وهي اليوم في التيار الوطني الحر.
توزيع الحقائب السيادية على الطوائف الرئيسية الاربع منذ اتفاق الطائف
(1989 ـ 2016)

الداخلية

الدفاع

الخارجية

المال

حكومة سليم الحص 1989

 الياس الخازن

-3-

ألبر منصور

-5-

سليم الحص

-1-

 علي الخليل

-2-

حكومة عمر كرامي 1990

سامي الخطيب

-1-

ميشال المر

-4-

فارس بويز

-3-

علي الخليل

-2-

حكومة رشيد الصلح 1992

سامي الخطيب

-1-

ميشال المر

-4-

فارس بويز

-3-

اسعد دياب

-2-

حكومة رفيق الحريري 1992

-4- بشارة مرهج

-4- ثم ميشال المر

محسن دلول

-2-

فارس بويز

-3-

رفيق الحريري

-1-

حكومة رفيق الحريري 1995

ميشال المر

-4-

محسن دلول

-2-

فارس بويز

-3-

رفيق الحريري

-1-

حكومة رفيق الحريري 1996

ميشال المر

-4-

محسن دلول

-2-

فارس بويز

-3-

رفيق الحريري

-1-

حكومة سليم الحص 1998

ميشال المر

-4-

غازي زعيتر

-2-

سليم الحص

-1-

جورج قرم

-3-

حكومة رفيق الحريري 2000

الياس المر

-4-

خليل هراوي

-3-

محمود حمود

-2-

فؤاد السنيورة

-1-

حكومة رفيق الحريري 2003

الياس المر

-4-

محمود حمود

-2-

جان عبيد

-3-

فؤاد السنيورة

-1-

حكومة عمر كرامي 2004

سليمان فرنجيه

-3-

عبد الرحيم مراد

-1-

محمود حمود

-2-

الياس سابا

-4-

حكومة نجيب ميقاتي 2005

حسن السبع

-1-

الياس المر

-4-

محمود حمود

-2-

دميانوس قطار

-3-

حكومة فؤاد السنيورة 2005

حسن السبع

-1-

الياس المر

-4-

فوزي صلوخ

-2-

جهاد ازعور

-3-

حكومة فؤاد السنيورة 2008

زياد بارود

-3-

الياس المر

-4-

فوزي صلوخ

-2-

محمد شطح

-1-

حكومة سعد الحريري 2009

زياد بارود

-3-

الياس المر

-4-

علي الشامي

-2-

ريا الحسن

-1-

حكومة نجيب ميقاتي 2011

مروان شربل

-3-

فايز غصن

-4-

عدنان منصور

-2-

محمد الصفدي

-1-

حكومة تمام سلام 2013

نهاد المشنوق

-1-

سمير مقبل

-4-

جبران باسيل

-3-

علي حسن خليل

-2-

حكومة سعد الحريري 2016

نهاد المشنوق

-1-

يعقوب الصراف

-4-

جبران باسيل

-3-

علي حسن خليل

-2-

1- سنّي   2- شيعي   3- ماروني   4- ارثوذكسي  5- كاثوليكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات