Search
728 x 90

“الحرب الباردة” تنبعث في بيروت ما بعد 4 آب !

“الحرب الباردة” تنبعث في بيروت ما بعد 4 آب !

لم يكن ثمة اكثر ما يعكس الانقلاب الدولي الهائل حيال لبنان من مشهد الزحمة والتزاحم بل والتهافت الديبلوماسي المتعدد الأقطاب والاتجاهات الخارجية في قلب بيروت بعد عشرة أيام من أسوأ الانفجارات التقليدية غير النووية التي عرفها العالم في مرفأ بيروت يوم 4 آب الحالي .

واذا كانت هذه الزحمة تُعدّ من الظواهر التي عرف لبنان الكثير الكثير من سوابقها في حقبات عدة، سواء كانت تتصل بحروب وصراعات حربية او بحقبات صراعات سياسية وأمنية في زمن السلم فإنها بعد الانفجار الضخم المدمر الأخير، اتخذت بعداً مختلفاً لا يقاس تماماً بالماضي القريب او البعيد .

والواقع ان معظم اللبنانيين أخذهم الظن لمدة طويلة بانكفاء العالم الخارجي الديبلوماسي عن لبنان لفرط ما همّشت سياسات الطبقة الحاكمة والطبقة السياسية برمّتها واقع لبنان ودوره ووظيفته امام أولويات الدول، فتراجع الاهتمام به الى ادنى الدرجات، الامر الذي كان برز بقوة حتى في عزّ مفاوضات الحكومة اللبنانية المستقيلة مع صندوق النقد الدولي .

ومع ان الراعي الخارجي الوحيد الذي بقي وفياً لالتزاماته وصداقته التاريخية مع لبنان، أي فرنسا أبقت الخيط الرفيع موصولاً بين لبنان والمجتمع الدولي المانح من خلال التحرك الذي قام به وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان في بيروت قبل اقل من أسبوعين فقط من انفجار مرفأ بيروت، غير ان ما حصل ما بعد الانفجار اخذ المشهد الدولي في بيروت وحولها الى مكان آخر وموقع جديد لم يعد ممكناً تجاهل الدلالات البارزة الذي يعكسها .

فما بين الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لبيروت غداة انفجار مرفأ بيروت والزيارات المتزامنة التي قام بها وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل ووزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف ووزيرة الجيوش الفرنسية برزت معالم الصورة المزدوجة الوجه للتحرك الدولي والإقليمي الذي اثاره الحدث المأسوي اللبناني والذي لا يمكن حصر اهداف التحرك الدولي وتداعياته بهذا الانفجار فقط خصوصاً بعدما راحت معالم مواقف المسؤولين والموفدين الديبلوماسيين من تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة تطغى حتى على المساعدات المتوافدة على لبنان .

في ظل هذه الزيارات بات يمكن الاستخلاص ان ثمة مسارين باتا عملياً خاضعين لتدويل واقعي ولو من غير قرار اممي واضح ورسمي . الأول التحقيق الجاري في انفجار مرفأ بيروت . فصحيح ان التحقيق يتولّاه القضاء اللبناني وجرى تعيين محقق عدلي للقضية لكن الاستعانة بخبراء أمنيين فرنسيين ومن ثم بفريق تحقيق من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركية ليسا خطوتين عاديتين بما يعني ان عدم الموافقة على تحقيق دولي في الانفجار جرت الاستعاضة عنه بانضمام محققين غربيين الى التحقيق بما يشكل تحصينا معقولا للتحقيق .

اما الجانب الاخر من المشهد المدوّل فبرز عبر المواقف المتصاعدة للموفدين والمسؤولين الاميركيين والفرنسيين والإيرانيين الذين تقاسموا المشهد السياسي الحكومي كما لو انه شأن عادي طبيعي يعود لدولهم تداوله .

وهذا التطور شكل في خلفيته السياسية الداخلية والخارجية الإدانة الأقسى للعهد العوني وحليفه حزب الله اللذين طالما حملا على خصومهما السابقين في قوى 14 آذار استجرار المواقف التي تقحم الدول الأخرى في الاستحقاقات اللبنانية فإذا بهما اليوم يتسببان بأوسع موجة تدويلية للواقع الناشئ بعد 4 آب من دون أي قدرة واقعية لديهما على تبرير السكوت عن التدويل الزاحف . وهو الامر الذي أدى بوزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف الى رفع التحذيرات من الوجود المتكاثف لبوارج حربية فرنسية وغربية في احواض مرفأ بيروت واعتبارها بمثابة اعتداء على المقاومة حسب وصفه .

ولكن المفارقة ان حليف ظريف الأول والاساسي أي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله صمت عن وجود البوارج ولم يشاطر ظريف خشيته العلنية ربما لحسابات تتصل بالآتي من الاستحقاقات وبعدما رصدت معالم مرونة بين الرئيس الفرنسي والحزب خلال لقاء الطاولة المستديرة الذي عقد في قصر الصنوبر وقيل ان خلوة ثنائية قصيرة على الواقف أعقبته بين ماكرون ورئيس كتلة حزب الله النيابية محمد رعد .

في أي حال، وبعدما غادر الموفدون والرسل بيروت تاركين وراءهم الوسطين السياسي والإعلامي يلهثان لمحاولة جمع صورة الواقع الجديد الذي بدأ يرتسم فوق ركام بيروت، لم يعد ثمة شك بأن الواقع اللبناني اطلق صورة مصغرة عن حرب باردة تدور رحاها بين القوى الدولية والإقليمية المعنية بلبنان، وستتخذ هذه الحرب ولو ضمناً ابعاداً مؤثرة جداً في توجيه الوقائع والتطورات اللبنانية في قابل الأيام والأسابيع .

ومع ان المؤشرات الحالية تستبعد ولادة حكومة جديدة بشكل سريع ومسهل وربما تثير مخاوف من فترة تصريف اعمال طويلة للحكومة المستقيلة فإن ذلك لن يقلل أهمية متابعة الخط البياني لعودة تقدم لبنان في لوائح أولويات دول كبيرة لديها ما يكفي من متاعب ومصاعب في زمن كورونا وما يتسبب به من افدح الخسائر والتراجعات الاقتصادية العالمية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات