Search
728 x 90

الجريمة بأدلة سياسية… في سياق تاريخي

الجريمة بأدلة سياسية… في سياق تاريخي

عندما وضعت غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في اطارها السياسي، فهي ارست بعداً مثبتاً ليس لاغتيال الحريري في حد ذاته من ضمن الاغتيال السياسي بل لكل الاغتيالات الأخرى التي سبقت او تلته أيضاً باعتبار ان جريمة الحريري افتتحت مرحلة سياسية إقليمية لا تزال تستدرج تداعيات خطيرة حتى الآن في 2020.
ففي الصفحة 14 من القسم الاول من الحكم المقتضب او الفقرة 394 من الحكم بنصه الكامل، وضعت المحكمة الاعتداء في خلفيته التاريخية والسياسية بعبارتها ” لا شك ان اغتيال سياسي بارز بتفجير سيارة مفخخة – بعدما كان استقال لتوّه من منصب رئاسة الوزراء ويستعد لخوض الانتخابات النيابية التالية – كان عملاً سياسياَ”.

أدلة سياسية

صحيح ان الحكم لم يجد “اي دليل على ضلوع قيادة حزب الله وسوريا في الاعتداء” الذي اودى بحياة رئيس حكومة لبناني في أدّق ظرف سياسي مرّ به لبنان قبل خروج القوات السورية منه بعد احتلال دام 30 عاماً، الا ان غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية استندت في اقتناعها بأن الجريمة سياسية الى سلسلة أدلة اوردتها فقرة الحكم 787، وختمتها بعبارة “ لربما كان لدى سوريا وحزب الله دوافع لتصفية الحريري وبعض حلفائه السياسيين”.

فالسياقان التاريخي والسياسي بدأتهما المحكمة بعبارات ثلاث :

“منذ نهاية الحرب الاهلية، كانت سوريا تهيمن على الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية في لبنان” و” منذ انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان العام 2000، تزايدت المعارضة اللبنانية الداخلية على استمرار وجود القوات السورية في لبنان واحتفاظ حزب الله بميليشيا مسلحة، خلافاً لاتفاق الطائف” و “ تجلت تلك المعارضة من خلال ولاءات سياسية شملت حزب جنبلاط والمسيحيين واعضاء تيار المستقبل“.

المعارضة هذه انفجرت الى العلن مع السعي السوري الى التجديد للرئيس اميل لحود لثلاث سنوات جديدة عبر ترهيب المعارضين بكل الوسائل. وهذا ما ابرزته المحكمة في قولها “في آب 2004، امر الرئيس الاسد الحريري فعلاً بتأييد التمديد لولاية الرئيس لحود، قائلاً ان سوريا وحدها ستختار رئيس لبنان”.

وذكرت شهادات عدّة يومها ان الحريري، وخلال لقائه الرئيس السوري بشار الاسد لعشر دقائق في آخر اجتماع بينهما، ذكّره بتعهده بعدم السعي لتمديد ولاية لحود. فردّ الأسد بأن هناك تحوّلًا في السياسة وأن القرار اتُّخذ بالفعل، قائلاً “يجب أن يُنظر إلى لحود على أنه ممثله الشخصي في لبنان” وأن “معارضته بمثابة معارضة للأسد نفسه”. ونقلت عنه هذه الشهادات قول الاسد انه “يفضل تحطيم لبنان على رأس الحريري ووليد جنبلاط على أن يُحطم كلامه في لبنان “. (1)

وقد ذكرت الصحافية الإيرلندية لارا مارلو أن الحريري أخبرها أنه تلقى تهديدات من الأسد، علماً ان هذا الاخير نفى في مقابلة مع صحيفة دير شبيغل الالمانية الواقعة قائلاً: “لم أهدد قط ولم يوجه أي ضابط مخابرات سوري مسدساً إلى رأسه”.

وفيما اصدر مجلس الامن القرار 1559 الذي اتخذه في جلسته الرقم 5028 المعقودة في 2 أيلول 2004 – والقرار يقضي بمطالبة كل القوات الأجنبية المتبقية بالانسحاب من لبنان وبحل كل المليشيات اللبنانية ونزع سلاحها – صوّت الحريري وكتلته النيابية في 3 ايلول 2004 لتمديد ولاية لحود رغم التهديد المباشر الذي تلقاه من رئيس النظام السوري. كان القرار 1559 ترجمة للكباش الذي أقامه بشار الأسد في وجه توافق فرنسي أميركي على احترام إرادة اللبنانيين وليس فرض أي خيار رئاسي عليهم نتيجة تدخل سوري . مضى الأسد في تحدّيه الإرادة الدولية فيما صدرالقرار الدولي عن مجلس الامن معبراً عن الرغبة الدولية في احترام إرادة اللبنانيين وفي الذهاب ابعد، أي المطالبة بالانسحاب السوري من لبنان وحلّ كل الميلشيات في إشارة الى ” حزب الله” الموالي لإيران.

كان القرار اذا بمثابة الفتيل المحفّز لاغتيال الحريري نتيجة الدعم الذي تلقته المعارضة دولياً لمطالبها. فرفعت هذه الاخيرة من سقف رفضها للتمديد للحود ، بما في ذلك “خلال اجتماعات البريستول الثلاثة في 22 ايلول 2004، و13 كانون الاول 2004، و2 شباط 2005″، كما ذكرت غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية التي اضافت ان ” حلفاء الحريري السياسيين عبّروا جهاراً عن تأييدهم القرار 1559″.

وما بين الاجتماع الاول والثاني للمعارضة في البريستول، جاءت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في 1 تشرين الاول 2004 “لتشكّل تحذيراً للحريري وجنبلاط بعدم تجاوز حدودهما“، كما اورده الحكم الدولي. ولم تمض ايام الا وقدم الحريري استقالة حكومته في 26 تشرين الاول 2004.

سبق ذلك وفي جلسة من عشرين دقيقة فقط، أقرّ مجلس الوزراء في جلسة استثنائية في 3 ايلول مشروع قانون لتعديل المادة 49 من الدستور التي تسمح بتجديد ولاية الرئيس إميل لحود ثلاث سنوات إضافية وحتى 23 تشرين الثاني 2007، وذلك بمعارضة وزراء اللقاء الديمقراطي الثلاثة، اي بمعارضة جنبلاط.

تحدثت المحكمة في الادلة السياسية عن ان الحكومة السورية ارادت “ان يمدد مجلس النواب ولاية الرئيس لحود الذي كان من اشدّ الموالين لسوريا فيما الحريري وحلفاؤه كانوا من اشد المعارضين لذلك”، كما ذكرت الادلة الدولية التي اضافت: ” في الاشهر التي سبقت الاغتيال، كان حلفاء الحريري يطالبون علناً بوضع حد للهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والسورية في لبنان”.

لذلك كان الاجتماع الاخيرللمعارضة في البريستول في 2 شباط 2005 والذي انضم اليه رفيق الحريري عبر ممثلين له ،بمثابة الشرارة التي اطلقت قرار الاغتيال حيث اجتمع ممثلو المعارضة بمشاركة ممثلين عن تيار المستقبل، داعين إلى تطبيق القرار 1559 بحذافيره الذي سيفضي الى الانسحاب السوري الكامل من لبنان، اي انهم طووا نهائياً صفحة المطالبة بالإنسحاب السوري التدريجي.

وقد كشف رئيس تحرير جريدة «المستقبل” هاني حمود في افادته امام غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية في 19 ايار 2005 ان “القيادة السورية كانت تأخذ على الحريري عدم تصدّيه للقرار 1559 لمنع صدوره او على الاقل عرقلته”.

حمود اضاف يومها ان “الحريري كان يريد اخراج الجيش السوري من لبنان لكنه لم يكن يريد التعاطي مع البند الخاص بميليشيا حزب الله إلاّ بالحوار، لئلا يحصل صدام في لبنان”.

وبالفعل ذكرت ادلة المحكمة الدولية ان ” الحريري كان يعتقد انه ينبغي حل ّحزب الله، على الاقل عندما يتحقق السلام مع اسرائيل”، لافتة الى ان المتهمين “بدر الدين وعياش وعنيسي وصبرا كانوا مناصرين لحزب الله”، وان ” مصطفى بدر الدين من كبار المسؤولين العسكريين في حزب الله”.

يضاف الى هذه الاجواء الضاغطة التحضير لانتخابات ايار 2005 حيث كانت تريد دمشق تأمين غالبية نيابية موالية لها في المجلس النيابي الجديد. وقد سعت الى فرض “على الحريري بعض المرشحين المعروفين بأنهم “وديعة سورية”، كما قالت ادّلة المحكمة الدولية التي اضافت ان الحريري “كان يعتزم الترشّح لانتخابات ايار 2005، ولعلّه كان سيقترح الحدّ من الهيمنة السورية على لبنان ويؤيد الانسحاب الفوري للقوات السورية“. واشارت الى ان “القانون الانتخابي المقترح لانتخابات 2005، والمدعوم من الحكومة السورية، كان يهدف الى الحد من احتمالات انتخاب اعضاء من كتلة الحريري وبذلك الحد من احتمالات تعيينه لولاية وزارية جديدة“، وان “الحكومة السورية تصر ان يقبل الحريري بما يسمى “الوديعة” السورية في لائحته الانتخابية. وهو كان معارضاً”.

وفي هذه الفترة، ذكرت اكثر من معلومة تم كشفها بعد الاغتيال، ان الحريري تلقى مطلع شهر شباط مناشدة من صديقه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، بوجوب التزام الحذر. وتلاه بعد ايام تحذير مماثل من مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن.

ويجب عدم الاغفال ان الحكم الدولي اورد ان “مسؤول الاستخبارت السورية العسكرية في لبنان رستم غزالة تلقى دفعات مالية شهرية منتظمة من الحريري بدءاً من 1993، بما في ذلك دفعة “مزدوجة” الاحد في 13 شباط 2005″… اي قبل 24 ساعة من تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

بعدها كرّت سبحة الاغتيالات في اعقاب الانسحاب السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 مستهدفة المعارضين لسوريا: اغتيال سمير قصير في 2 حزيران 2005، اغتيال جورج حاوي في 21 حزيران 2005، محاولة اغتيال الياس المر في 12 تموز 2005 ، محاولة اغتيال مي شدياق في 25 ايلول 2005، اغتيال جبران تويني في 12 كانون الاول 2005 ( بعد ساعات على تسليم رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري ديتليف ميليس لمهامه).

ولم تتوقف سلسلة الاغتيالات هنا، لا بل طالت من كان له علاقة بالتحقيقات بجريمة اغتيال الحريري. فتعرض المسؤول عن ملف التحقيق نائب رئيس شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي المقدم سمير شحادة لمحاولة اغتيال في 5 ايلول 2006، وذلك قبل 10 ايام من تقديم رئيس لجنة التحقيق الدولي في اغتيال الحريري تقريره الجديد إلى مجلس الأمن. كما اغتيل النقيب في شعبة المعلومات وسام عيد في 15 كانون الأول 2008، ومن ثم رئيس فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي وسام الحسن في 19 تشرين الأول 2012.

وذكرت معلومات يومها، ان الاغتيالات التي طالت شعبة المعلومات تهدف الى قطع حبل الوقائع التي تم كشفها بفضل شبكة الاتصالات للمشتبه فيهم باغتيال الحريري.

وفي الموازاة، اغتيل وزير الصناعة بيار الجميل في 21 تشرين 2006، فالنائب وليد عيدو في 13 حزيران 2007، ومن ثم النائب انطوان غانم في 19 أيلول 2007، واللواء الركن فرنسوا الحاج مدير العمليات في الجيش اللبناني في 12 كانون الأول 2007.

فالسياق التاريخي للإغتيالات التي تلت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري قد تجد ملاذها في عبارة وحيدة اوردتها غرفة الدرجة الاولى في المحكمة الدولية من ضمن ادلتها: ” كانت المعارضة المتنامية للوجود السوري في لبنان تهدد مصالح سوريا”. وحتى اغتيال محمد شطح في 27 كانون الاول 2013 فإن الاغتيالات السياسية كانت تكرّ متوالية بهدف فرض تنفيذ مشروع سياسي اقليمي لبناني كان من ابرز مؤشراته ان كل الاغتيالات التي حصلت او محاولات الاغتيال لم تطل سوى منتمين او موالين للفريق السيادي المعارض للمحور الذي بات معروفاً راهناً بالمحور السوري – الايراني. ولكن هذه الادلة التي لا تزال حيّة في اذهان اللبنانيين لم تجد ترجمة شافية لها في قرار المحكمة في اغتيال الحريري.

المراجع 

(1) – Report of the Fact-finding Mission to Lebanon inquiring into the causes, circumstances and consequences of the assassination of former Prime Minister Rafik Hariri United Nations, 24 March 2005.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات