Search
728 x 90

الجامعة الغاضبة… وفِعل تدمير القضيّة!

الجامعة الغاضبة… وفِعل تدمير القضيّة!

يحتاج لبنان جامعة تعود الى أصالتها، فترتاح نفوس كبار لبنان وترتاح نفوس الذين رحلوا، ويستعيد اليائسون الباقون من هؤلاء الكبار بعضَ أملٍ في زمن الرّعونة.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

قال الأب سليم عبو اليسوعي في احتفال جامعة القديس يوسف السنويّ (19/3/2002)، وكان حينها رئيس الجامعة، وتحت عنوان: “غضب الجامعة”، قال: “(…) وإنّ اخترتُ لكلمتي هذه عنوان غضب الجامعة، فلأُعبِّر عمّا أثاره جمود لبنان (…)، (…) وهو جمود يتجلّى في غيابه عن الساحة الدوليّة، في وقتٍ يتيح له تراثه الثقافي وتجربته الوطنيّة أن يضيء، لمصلحة العرب، العلاقة المعقّدة بين الحداثة والدّين، وفي تهاونه على الساحة الداخليّة، في وقتٍ تفرِض عليه الظروف الدّولية أن يجهّز نفسه بدولةٍ تفي بمقتضيات الحداثة؛ وفي خضوعه لدولة الوصاية التي تمنعه من تحقيق شروط الدولة الحديثة، تُضطرّه الى التخلّف (…)”. في هذا القول إشارة مباشرة الى دورِ الجامعة، أيّ جامعة، في اطلاق مسارٍ استنهاضيّ تغييريّ تنويريّ، في حِقبَةٍ كانت ولم تزَل، تعجّ بالسياسة وتغيب عنها السياسات العامة.

مخيفٌ ما نشهده في جامعاتنا من اعتلاء السياسيّين منابِرها، وتحديداً في مناسباتٍ أكاديميّة، للإدلاءِ بمتاهاتٍ شعبويّة من فعلٍ غير علميّ. الجامعة فِعلٌ وليس انفعال. إستقلال وليس تبعيّة. فِكرٌ وليس شعارات. حقيقة وليس أوهام. رصانة وليس هزج. مَقلعٌ قياديّ وليس استعراض زعماتي. إبحارٌ في العمق وليس غرقٌ في الهوامش. نقدٌ وليس تبجيل. تطويرٌ وليس اكتفاء. إنجازٌ وليس ادّعاء. جسورٌ وليس ألغام.

لبنانيّاتٌ ولبنانيّون من رَحم الابداع الكفؤ، والنزاهة العتقية، يجولون ويصولون في الكَون، ومن على أعلى منابر أقدر جامعات العالم يخطُبون، فيما هم في وطنهم مهمّشون لصالح محسوبيّاتٍ انساقت إليها الأكاديميا في لحظة تخلٍّ.

الجامعة الملتبِسة لا تستأهل عراقة لبنان. نحتاج الجامعة تعود الى أصالتها فترتاح نفوس كبار لبنان في السياسة، والفلسفة، والفن، والثقافة، والعِلم، والتكنولوجيا، والطبّ، ترتاح نفوس الذين رحلوا، ويستعيد اليائسون الباقون من هؤلاء الكبار بعضَ أملٍ في زمن الرّعونة.

الجامعة، أيّ جامعة، تحمي القضيّة اللبنانيّة في كلّ المسارات الوعرة. لا تنكفىء عن الشأن العام للخير العام. لا تستزلم لوصيّ على قاعدة تسويقه أو التطلّع للإفادة من مكرُماتٍ مفترضةٍ فيه. همُّها رسالة لبنان الحضاريّة لا المشاركة في السُلطة.

الجامعة، أيّ جامعة، تستشرِف في مراحل الاستنقاع الملوّثة. لا يُسمِّرها التاريخ. ولا تتسمّر به. تلفظ من أراد من لبنان مطيَّة لطموحاته. طموحها رسالة لبنان الحضاريّة لا التّمترس في صراعات السلطويّين.

الجامعة، أيّ جامعة، تصوِّب منعطفات الجيل الصاعد نحو تبعيّات. تقودهم ولا تنقاد. تُحاوِر قبل أن تؤيّد أو ترفض. مرامها الانحياز للمعنى وفكّ الارتباط مع العبثيّة.

بعضُ ما نعاينه في الجامعة، بعض الجامعات، يتطلّب بحثاً معمّقاً في هل لبنان ما زال مختزناً مناعةً من التقهقر الحضاري؟

**************************

جامعاتنا فخرنا، لكن وبالعودة الى الأب سليم عبو، جامعاتنا بروحها الحركيّة وديناميّتها النبويّة غاضبة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات