Search
728 x 90

التهمة للاميركيين والمكسب لـ” حزب الله” ؟

التهمة للاميركيين والمكسب لـ” حزب الله” ؟

محصلة المشهد السياسي الراهن ورفض حزب الله التنازل المرحلي عما يعتبره ثوابت ومكتسبات، قد يؤديا الى رسم خريطة سياسية جديدة بحيث ان الانتفاضة المتهمة بأنها بتحريض ودعم اميركيين، قد تسهم في اسقاط رئيس الحكومة الذي يتهمه حزب الله بأنه ينسق مع الاميركيين، فتترك السلطة في ايدي الثنائي الشيعي وحليفه التيار العوني وحدهما دون سائر القوى في البلد.

منذ اللحظة الاولى لانطلاق انتفاضة اللبنانيين ضد اهل السلطة سارع الامين العام لـ حزب الله السيد حسن نصرالله الى إلقاء الاتهامات بوجود يد خارجية داعمة او محركة لهذه الانتفاضة في خطوة حملت مؤشرات عدة من بينها في شكل اساسي انكار امكان ثورة اللبنانيين على سياسيين استغلوا طوائفهم وأقاموا على ادارة شؤون الدولة بعمليات فساد ممنهجة ومغرقة في استباحة حقوق اللبنانيين ومستقبلهم.

ومع ان الحزب كما حلفاءه اقروا بوجود اسباب شرعية لهذه الانتفاضة الا ان حرصهم على شيطنتها يشكل جزءاً من الاستراتيجية القاضية بعدم التنازل او التنازل جزئياً وسطحياً ليس الا. وكان رمي الاتهامات في اتجاه وجود سفارات داعمة لقي رد فعل عنيفاً من جانب المنتفضين، سعى على اثره الحزب الى لملمة آثاره بمحاولة إظهار تعاطف مع مطالب المنتفضين لكن من دون التخلي عن محاولة تقويض تحركهم، ان من خلال إرسال من يعتدي على بعضهم او خيمهم في وسط بيروت وإن من خلال اتخاذ إجراءات تمنع الطائفة الشيعية او تقيد ابناءها وتمنعهم من الانضمام الى الانتفاضة.

ساهمت انتفاضة العراقيين في الوقت نفسه ضد السلطة في العراق ومحاولة اطفائها بحض من الجنرال الايراني قاسم سليماني بالقوة والعنف اللذين أديا الى سقوط ضحايا بين العراقيين الذين رفعوا سقف مطالبهم الى اخراج ايران من العراق، في تعزيز ورقة حزب الله ازاء جمهوره على الاقل من انه مستهدف مع ايران في لبنان كما في العراق ما يعني عملياً رفض ابداء اي مرونة في تأليف حكومة جديدة على اثر اعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالة الحكومة تحت ضغط الشارع.

وأضيفت الى هذه المعادلة ايضاً تظاهرات عنيفة انطلقت في المدن الايرانية واستمرت اياماً على اثر رفع الحكومة الايرانية أسعار الوقود. السلطات الايرانية استشرست كما العادة في محاولة قمع التظاهرات الايرانية متخذة من مواقف اميركية داعمة للشعب الايراني ومطالبه وحقوقه ذريعة للضرب بيد من حديد على رغم كلفة باهظة من القتلى والجرحى والمعتقلين تم التعتيم على عددهم بعدما قطعت وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت.

لم يكن موقف المرشد الايراني علي خامنئي منذ انطلاق الانتفاضة في لبنان وتلك التي انطلقت في العراق اكثر مرونة في تصنيفهما على قاعدة ان الولايات المتحدة من تحركهما. ولاحقا مع ادلاء السفير الاميركي سابقا في لبنان جيفري فيلتمان بشهادة مع احدى اللجان في الكونغرس الاميركي حول الوضع في لبنان نتيجة خبرته الطويلة بهذا الوضع وتفاصيله، اتخذ حزب الله من موقف فيلتمان ذريعة للتشدد اكثر في موضوع تأليف الحكومة وعدم الرغبة في إعطاء الرئيس الحريري الذي يريد الحزب ان يبقى رئيساً للحكومة، ما يريده للإقلاع في حكومة تكنوقراط بعيداً من الوجوه الاستفزازية التي يرفضها المنتفضون من اجل انقاذ الوضعين الاقتصادي والمالي.

هذه الشروط لعودة الحريري ومنحه فترة ستة اشهر لإنقاذ الوضع رفضها الحزب وحليفه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في ظل تحفظ الاخير عن ابعاد صهره جبران باسيل عن الحكومة ايضا كما يريد الحريري الذي لم يعد يحتمل ادارة رئاسية من جانب باسيل للحكومة.

ومع ان فيلتمان هو خارج الادارة الاميركية منذ ما يزيد على سنوات عدة خصوصاً انه شغل بعد خروجه منها منصب نائب الامين العام للأمم المتحدة في نيويورك وبات في معهد بروكنغز الاميركي كاتباً في شؤون لبنان والمنطقة ، الا ان ما ادلى به امام الكونغرس الاميركي يشكل شمّاعة يعلق عليها الحزب اتهاماته للاميركيين بأنهم وراء الانتفاضة . وهو ما يشكل ذريعة داعمة له في وجه اللبنانيين لعدم التنازل في اتجاه حكومة تكنوقراط حتى لو كان الثمن للتشدد الذي يمارسه مع رئيس الجمهورية ثمناً باهظاً ومكلفاً جداً للبنان هو الانهيار المالي والاقتصادي الذي بدأت طلائعه تدق أبواب اللبنانيين.

لا بل ان رفض ترئيس الحريري لحكومة تكنوقراط والبحث عن بديل منه لرئاسة حكومة تكنو- سياسية كما يطالب الحليفان الشيعي والعوني، اي حكومة يبقى فيها كل من الحزب وسائر الأحزاب وعدم إعطاء الانتفاضة ما تطالب به من حكومة تكنوقراط، إنما يؤدي عملانياً الى اخراج تيار المستقبل برئاسة الحريري من السلطة فيما ان الحليفين السابقين له اي الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط وحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع قد أعلنا بقاءهما خارج اي تركيبة حكومية مقبلة.

والمحصلة تبعا لذلك هي ان القوى الاساسية التي شكلت قوى ١٤ آذار سابقاً، وهي تيار المستقبل والاشتراكي والقوات ومعهما حزب الكتائب، ستكون كلها خارج السلطة. وعملانياً فإن الانتفاضة المتهمة بأنها بتحريض ودعم اميركيين تكون ساهمت في اسقاط رئيس الحكومة الذي يتهمه الحزب بأنه ينسق مع الاميركيين بحيث تترك السلطة في ايدي الثنائي الشيعي والتيار العوني حليفه وحدهما دون سائر القوى في البلد.

يجب الإقرار بأن الحزب يبالغ في تعظيم التهديد الاميركي بناء على كلام فيلتمان من دون ان يعني ذلك ان واشنطن لا تفضل ان تتألف حكومة من دون الحزب. لكن يجب الإقرار ايضا وبعيدا من اتهامات بالعمالة للاميركيين وفق ما قد تتم المسارعة الى رمي الاتهامات التخوينية في هذا الإطار لمن يتجرأ على رفض هذا المنطق ، بأن الاميركيين اظهروا حرصاً على عدم الانهيار في البلد اقتصادياً ومالياً، وكان المؤشر الذي تمثل في الغاء الدعوى على مصارف لبنانية في نيويورك بتهمة تمويل حزب الله في حرب ٢٠٠٦ ولاحقاً في اثناء تدخله في العراق حيث قتل مواطنون اميركيون ابرزها.

ولا يمكن انكار ان الكباش او الصراع الاميركي الايراني يشتد في المنطقة وقد يذهب ضحيته الشعب اللبناني كما الشعب العراقي ايضاً، لكن الحزب برفضه ولو الحد الادنى من التنازل المرحلي عن مكاسب يعتبرها من الثوابت التي لن يتخلى عنها بعدما وضع يده على الحكومة اللبنانية بذريعة انها تترجم نتائج انتخابات نيابية اجريت وفق قانون انتخابي تم إعداده لخدمة أهدافه مع حلفائه ووضع اليد على السلطة في لبنان ولو عبر واجهات مختلفة، إنما يخاطر بإطاحة مكتسبات حلفائه المسيحيين بعدما فشل عهد الرئيس ميشال عون الى جانب انهيار مالي قد لا تعرف نتائجه بسهولة .

فالرئيس الذي عطّل الحزب البلد من اجل انتخابه لمدة عامين ونصف العام، بدأ سنته الرابعة في الحكم على وقع انتفاضة طالبت برحيل صهره الذي يعدّه لخلافته ومن الصعب جداً اياً كان نوع الحكومة التي سيتم تأليفها في وقت من الأوقات ان تنجح في تعويم العهد خصوصاً ان ما يجري من محاولات لاستيعاب المنتفضين يَصّب في خانة اقتراحات لتوزير ممثلين عنهم .

وهذه خطوة تمثل احتقارا في الواقع للمطالب المرتفعة السقوف التي يرفعها اللبنانيون فيما ان المطلوب حكومة اختصاصيين تنقذ البلد او تضعه على طريق الإنقاذ بسرعة عبر إصلاحات جوهرية تظهر استيعاب اهل السلطة الدروس من نقمة الشعب وغضبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات