Search
728 x 90

التسوية الرئاسية… حتى متى سرّ الأسرار؟

التسوية الرئاسية… حتى متى سرّ الأسرار؟

ما هي ملامح بنود تسوية 2016، وهل أضحى رئيس الحكومة في المقلب الآخر في المعادلة السياسية؟
فالسنوات الثلاث من ولاية رئيس الجمهورية أفصحت عن أحداث وممارسات بيّنت جوانب مخفية من التسوية الرئاسية التي لا تحتكم إلى وثيقة وطنية كالميثاق الوطني الاول، ولا إلى وثيقة سياسية بات جزء منها دستورياً كاتفاق الطائف، ولا إلى وثيقة وأد فتنة مذهبية كاتفاق الدوحة.

في كل مرة تنشأ أزمة، والعهد يقترب الآن من الشهر التاسع في سنته الثالثة، يعلو صياح وصراخ مفاده أن التسوية الرئاسية في خطر، أو توشك على الإنهيار، ما يقود البلاد إلى المجهول. تنكفىء الازمة وتتنفس التسوية مجدداً، قبل أن يتأكد للجميع أن ليس ثمة مشكلة فعلية، كما في كل مرة، وليس الذعر سوى جزء من اللعبة السياسية المرافقة للتسوية نفسها، وأحد آلياتها. كل ذلك، من غير أن يُفصَح يوماً عن مضمون التسوية الرئاسية، وإن جهرت هويتها بأصحابها، وهما فريقا التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، إلى الشريك الحقيقي الثالث المضمر حزب الله.

لعل الغرابة في ما حصل ويحصل، أن الأزمة المفتعلة من حين إلى آخر، على أبواب استحقاق ما أو حدث، تتمحور من حول شخصين فحسب، هما الرئيس سعد الحريري والوزير جبران باسيل. الفلك الذي تدور من حوله تسوية 2016، إلى حد أن في وسع أحدهما ـ كما الإثنين معاً ـ التسبّب في مشكلة تبدأ ويُظنّ أنها ستنفجر أكثر، ثم تتلاشى للفور.

لكل منهما، على قدم المساواة، تعطيل مجلس الوزراء كما تحريك الشارع ووضع الإستقرار في خطر حقيقي. بل المفارقة، في كل المشكلات المماثلة، بقاء رئيس الجمهورية ميشال عون في منأى كامل عنها، فلا يبرز دوره سوى في أوان الإحتكام إليه، مع أنه الشريك الرئيسي للحريري في ما أبراماه معاً.

إذا بهذا الواقع يبصره اللبنانيون كما لو أنه في بساطة لا مثيل لها: خلاف رئيس الحكومة مع وزير بات يمثّل منذ انتخابات 2018 أكثر من كونه صهر الرئيس ومفاوضه الرئيسي الوحيد في ملفات الحكم والإدارة والسياستين الداخلية والخارجية. منذ أيار 2018 يُنظر إلى باسيل ـ كما ينظر هو في مرآة نفسه ـ على أنه رئيس الكتلة الكبرى في مجلس الوزراء (11 وزيراً يمثلون الثلث +1) ورئيس الكتلة الكبرى في مجلس النواب (29 نائباً). بذلك يصبح ـ أو يراد كذلك ـ الوحيد الممنوح فيتو التعطيل، لا فيتو التحفظ والإعتراض فحسب كزملائه الآخرين.

قد تكون تسوية 2016، التي أوصلت عون الى قصر بعبدا، والحريري الى السرايا، وحدها دون كثير من التسويات خبرها لبنان على مر أزماته وعقوده الطويلة، لا تزال غامضة ملتبسة، مشوبة بالشكوك. المعروف منها قليل معلن هو الشراكة في الحكم بين عون والحريري، والكثير المكتوم سرّي مبهم مسكون بالاجتهاد والتكهن، مرتبط بتقاسم المصالح في ادارة البلاد. لم يعرف اللبنانيون أو قرأوا مسودة معلومة لهذه التسوية او تفاهماً واتفاقاً صُرّح عنه. من قبل، سلسلة تسويات شهدها لبنان أضحت نصوصها جزءاً من وثائق تاريخه المعلن المدوّن، برسم الحاضر والتاريخ، وبرسم دعمه او مناوأته. أثارت سجالات وخلافات وانقسامات، ونجمت عنها أحياناً حروب مدمرة، إلا أنها ظلت في صلب إدارة السلطة، وسلّم بها الأفرقاء إلى حين ظهور تطورات تتجاوزها. إلا أن ليس لتسوية 2016 من ذلك كله شيء.

قد يكون في إيراد نبذة سريعة عن تسويات حتمّتها وقائع واحداث، أبرمها أفرقاء أساسيون لبنانيون للسير بنظامهم السياسي والدستوري في مرحلة محن وطنية خطيرة، ما يكشف أن اياً منها لم يكن سرياً، وليس فيها ما يحمل أصحابها على الخجل منها أو الإختباء وراء بنود سرّية فيها:

ـ عام 1943 أبرم الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح تفاهماً وطنياً دُعي الميثاق الوطني. لم يكتباه في وثيقة مستقلة. إلا أن الصلح أدرجه في البيان الوزاري لحكومته التي سبقت الاستقلال في تشرين الثاني عامذاك، فأضحى مدوّناً ووثيقة تاريخية إستناداً إلى البيان الوزاري، أتاح بقاء هذا الميثاق حياً قرابة 46 عاماً.

ـ عام 1958، مع خروج لبنان من “ثورة 1958″، وتداعيات “ثورة مضادة” تبعتها، إستقر الرئيسان فؤاد شهاب ورشيد كرامي على معادلة إقترحها الرئيس صائب سلام هي “لا غالب ومغلوب”، قضت بإرساء الرئيس الجديد للجمهورية توازناً داخل الحكم، عوّل على المعادلة المعلنة تلك. إذا بها تصبح على مر العقود التالية أقرب إلى قاعدة دستورية ووطنية، في كل مرة خرجت البلاد من إنقسام، كي يستعيد اللبنانيون مصالحتهم الداخلية من غير أن يشعر أحد بإلحاق هزيمة بندّه.

ـ عام 1989 كان اتفاق الطائف التسوية المكتوبة لإعادة بناء النظام اللبناني وفق أسس دستورية وسياسية، وزّعت الصلاحيات والسلطات على نحو مختلف تماماً، للمرة الأولى منذ عام 1926، وأنهت الحرب. إلى الآن يتحدّث الأفرقاء بلا تردّد ـ وإن في الظاهر على الأقل ـ عن مرجعية إحتكام مدوّنة هي اتفاق الطائف كانت كفيلة بإنهاء حرب اللبنانيين بعضهم مع بعض.

ـ عام 2008 شهد اسوأ التسويات هو اتفاق الدوحة، رمى إلى استيعاب التناحر السنّي الشيعي في لبنان، المكمّل لما كان يدور منه في المنطقة، وبناء سلطة سياسية جديدة دونما مسّ النصوص الدستورية. إلا أنها تأخذ في الحسبان توازناً جديداً للقوى، متكافئاً في حد أدنى بين الطرفين المحليين المنخرطين في التسعير المذهبي، وهما تيار المستقبل والثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل). بدوره اتفاق الدوحة كان مكتوباً، إلا أنه آل إلى ما هو أبعد من تثبيت التوازن: ترسيخ أعراف مناوئة للقواعد والأحكام الدستورية تسبّبت إلى حدّ في تعطيل الكثير منها، وأوشكت أن تقوّض اتفاق الطائف.

لا أحد ينسى، أيضاً، عشرات مسودات تسويات ظلت حبراً على ورق لم تبصر النور، خصوصاً في سني الحرب. كلها مدوّنة، ذات هويات لم يستحِ بها أصحابها ولا تخفّوا وراءها، ولا أحجموا عن شرحها وتبريرها. كلها في بطون العقود الاخيرة المنصرمة.

أما تسوية 2016، فبالكاد عُرف منها أنها اتفاق شفوي، على الأقل، بين عون والحريري على البقاء معاً، جنباً إلى جنب، في الولاية الحالية لرئيس الجمهورية وطوالها. هي نفسها التسوية الشفوية بأبطال آخرين، حاول الحريري إبرامها في تشرين الثاني 2015 مع النائب السابق سليمان فرنجيه، كي يكونا شريكي الحقبة الجديدة وتقاسم النفوذ في البلاد. بيد أنها اخفقت. بانقضاء أشهر، في ظل شغور رئاسي ضارٍ بدأ في ايار 2014 ولما كان انتهى، وبإزاء اصرار عون على الوصول الى رئاسة الجمهورية وتمسك حزب الله به واخفاق 45 موعداً لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، سلّم الحريري بحقيقتين متلازمتين: إحداهما سيئة الوقع عليه هي أن لا رئيس للجمهورية ما لم يكن عون، وأخرى يتوخاها ويستعجلها هي ان لا عودة له إلى السرايا من دون إنهاء الشغور الرئاسي بشروط حزب الله.

بذلك، أضحى الأفرقاء الثلاثة هؤلاء يدورون في حلقة مفرغة. ليس في إمكان أي منهم طرد الآخر، أو تجاوزه، أو فرض خيار يرفضه. لذا اقتضى انتظارهم هذا الوقت، وفي ظن كل منهم أن الآخر سيُنهك أو ينهار تمهيداً لليّ ذراعه.

الواقع أن ليس من الصعوبة بمكان تمييز هؤلاء بعضهم عن بعض. لا خيار سوى واحد: تخلي حزب الله عن ترشيح عون، أو انجرار الحريري إليه. بقدر ما كان عون والحريري معنيين بالوصول إلى الحكم، كان حزب الله معنياً بشأن أكثر إتساعاً وأبعد: بناء سلطة حليفة له تكفل له الإستقرار الداخلي، بينما يستمر حينذاك في الإنخراط في النزاعات الإقليمية في سوريا واليمن، حليفاً لإيران وعدواً للسعودية. كما أن عون حليف صلب له لحماية سلاحه، إلا أن شغف الحريري في العودة إلى السرايا وتنشيط مصالحه وإعادة إحيائها من داخل الإدارة، وتعويض ضائقته المالية، يبرّدان حماوة حملاته على سلاح حزب الله ومغامراته الإقليمية.

الواضح أن حدس الحزب لم يُخطىء وقتذاك. ولا الآن.

لأن حزب الله أصر على عون رافضاً عرض الحريري ترشيح فرنجيه إلى هذا المنصب، إختصر الرئيس السابق للحكومة، حينذاك، المسافة المتبقية في السباق الرئاسي، ورشّح رئيس تكتل التغيير والإصلاح. فإذا كل من الرجلين، تبعاً لهذه الحصيلة، قادر على أن يكون ضامناً فعلياً للآخر، كي يصل إلى رأس هرم السلطة. من أجل الوصول إلى هذا الخيار، كان باسيل الجسر الموصل إلى هذا التفاهم الشفوي، فأضحى الشريك المفاوض في بلوغ تسوية 2016.

ذلك فحسب ما يعرفه اللبنانيون عن تسوية 2016: وصول عون الى قصر بعبدا والحريري الى السرايا. ما خلا هذا البند، لا أحد سبر غورها وأسرارها.

ولأنها غير مدوّنة في وثيقة، ربما في مسودات خرطش عليها الحريري وباسيل في اجتماعات سرّية في باريس على مر أشهر صيف 2016، فإن السنوات الثلاث من ولاية رئيس الجمهورية أفصحت عن تطورات وأحداث وممارسات، بيّنت جوانب مخفية من التسوية الرئاسية. إلا أنها لا تحتكم إلى وثيقة وطنية كالميثاق الوطني الاول، ولا إلى وثيقة سياسية بات جزء منها دستورياً كاتفاق الطائف، ولا إلى وثيقة وأد فتنة مذهبية كاتفاق الدوحة.

إنه، فحسب، اتفاق اقتسام جلد الدب بعدما نجحا في اصطياده.

تدريجاً راحت تتضح ملامح بنود ضمرتها تسوية 2016، لعل أبرزها:

1 ـ تثبيت معادلة الأحجام المتكافئة لتمثيل طوائفها في السلطة، في الرئاسات الثلاث. ذاك ما عنته أولاً عبارة “العهد القوي” غير المألوفة في سِيَر العهود الرئاسية، ثم عبارة “الرئيس القوي” في إشارة إلى المعاند الذي لا يرضخ، ثم عبارة “القوي في طائفته” كالكلام عن الحريري في الشارع السنّي والرئيس نبيه برّي في الشارع الشيعي، لتبرير القوي في الشارع المسيحي وهو التيار الوطني الحر. توخى ذلك أيضاً نبذ بروفيل “الرئيس التوافقي” نهائياً، بعدما شاع طويلاً، وعُدّ على الدوام الحل الوحيد للخروج من انقسام الأفرقاء اللبنانيين. مع ذلك ليس كل تاريخ رؤساء لبنان رجال توافقيون. أولهم شهاب أحكَمَ الرؤساء وأعقلهم والأب الأول للدولة اللبنانية. أما الآخرون، باستثناء الرئيس شارل حلو، حتى الرئيس ميشال سليمان، فجاءت بغالبيتهم انتخابات رئاسية جدية كالرؤساء بشارة الخوري وكميل شمعون وسليمان فرنجيه والياس سركيس وبشير وأمين الجميّل، أضف ما بعد اتفاق الطائف الرؤساء رينه معوض والياس هراوي وإميل لحود، وصولاً إلى عون نفسه. ليس سراً أن العبارات تلك تريد في نهاية المطاف أن تكون وصفة ترشّح باسيل لخلافة عمّه الرئيس.

2 ـ تكريس الزعامة السياسية للحريري في رئاسة الحكومة وفي الشارع السنّي، ما يقتضي أن يكون المرشح الوحيد لدخول السرايا في عهد عون. تالياً الوقوف إلى جانبه ودعمه في كل ما تعوزه استعادته ما فقدته زعامته في السنوات الأخيرة، سواء في ضائقته المالية، أو أزمة احتجازه في السعودية بكل تداعياتها، من ثم تفرّع الزعامات السنّية المحلية منذ انتخابات 2018. ذلك ما يُفسّر تجنّب الحريري، مرة تلو أخرى، إظهار خلافه المعلن مع باسيل ـ إذا كان كذلك ـ على أنه خلاف مع رئيس الجمهورية. بل يتمسّك بمرجعيته، ويحتكم إليه. لا يمنعه ذلك أحياناً، وإن تبرأ، من التعويل على الرؤساء السابقين للحكومة ودار الإفتاء وتيار المستقبل حتى، للإفصاح عن تحفظات يفضّل أن لا يجهر بها دائماً.

3 ـ تحوّل التيار الوطني الحر الممثل الأقوى للمسيحيين في الحكم، من غير أن يكون الوحيد. بيد أن الواجب الملقى على عاتق الحريري، إبطاء تحالفاته مع شركائه المسيحيين الآخرين السابقين مرافقيه منذ عام 2005، وإنزال الكثير من الأثقال عن أكتافه لئلا يراعي مصالحهم. الواضح أن الخيارات الجديدة للحريري قادته إلى الإكتفاء بحليف واحد هو باسيل، وإحاطة نفسه بالخصوم والمعارضين كرئيس الحزب التقدّمي الإشتراكي وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب سامي الجميّل والشخصيات المسيحية المستقلة المبعدة.

4 ـ تقاسم تيار المستقبل والتيار الوطني الحر الحصص في التعيينات، الأمنية والقضائية والديبلوماسية والإدارية، ناهيك بوضع اليد على مقدرات الإدارة. حصل جزء أساسي من ذلك في السنوات الثلاث المنصرمة، وثمّة سلة تعيينات جديدة تنتظر إقتسامهما إياها، ما تسبّب في رفع نبرة إعتراض جنبلاط وجعجع جراء ملاحظتهما إهمالاً مقصوداً لحصتهما. ليست الحملات المتبادلة بين الحريري وجنبلاط، ودعوة جعجع إلى اعتماد المعايير في التعيينات، سوى محاولة استباقية لحرمانهما ما يريدانه. في جوانب كثيرة من الإنتقادات، الحادة أحياناً، الموجهة إلى رئيس الحكومة أنه أضحى في المقلب الآخر في المعادلة السياسية. بعدما كان رأس حربة في حرمان عون من المشاركة في حكومة 2005، ثم إقصاء أنصاره عن الوظيفة العامة والإدارة، يدفع الآن حليفاه الرئيسيان آنذاك ثمن تخليه عنهما تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات