Search
728 x 90

الترامبية التي ستطبع المجتمع الاميركي

الترامبية التي ستطبع المجتمع الاميركي

مع اعلان فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بالإنتخابات الرئاسية الأميركية، فإن اربع سنوات من ترؤس دونالد ترامب اكبر ديمقراطية في العالم لن تمحى بسهولة، لأن ما قبل ترامب ليس كما بعده.
معه، شهد المجتمع الأميركي منحى سياسياً لم يعرفه قط في تاريخه القديم والحديث، مطيحاً بكل القيم التقليدية السابقة.
من الشعبوية الى الانفراد بالقرارات السياسية الخارجية، فالازدراء بالمؤسسات الرسمية التي تعتبر مرجعية ثابتة في النظام الاميركي والتشكيك بعملها، الى الاستغناء عن الوسائل الاعلامية واستبدالها بناطق رسمي وحيد هو “تويتر”، الى العدوانية العلنية في التعامل مع كل من يعارضه الرأي، فاتهام الخصم بالتزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات… كلها جعلت المراقبين يتكلمون عن “الترامبية” التي ستترك حتماً بصمتها في السياسة الأميركية.

“ترامبية” لا مفر منها

المشهد ليس في افريقيا او اميركا اللاتينية او آسيا او الشرق الأوسط. والاتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج الانتخابية ليست صادرة من سياسي في بلد من العالم الثالث، والشتائم والعبارات “غير المألوفة لياقة” لا تتردد في خطاب زعيم من “جمهورية الموز”… انما كل ذلك يحصل في اعرق ديمقراطيات العالم التي تتجه الأنظار العالمية اليها بصفتها “قائدة” العالم الحر. فبمقدار ما اثار الرئيس الاميركي دونالد ترامب استغرابا في فوزه في الانتخابات الاميركية في 2016 وخلال ممارسة مهامه الرئاسية خلال السنوات الاربع الماضية، فإن استغرابا كبيرا يرافق اداءه وتعامله مع نتائج الانتخابات الاميركية التي بدت على نحو مبكر متوقعة انها لن تصب في صالحه. وهذا الاستغراب ليس اميركياً فحسب ولا سيما ان المجتمع الاميركي اعتاد على اداء شعبوي غير مسبوق للرئيس الاميركي، وتمثل اخيراً في تحريض الاميركيين المناصرين له على الاعتراض بشدة على نتائج الانتخابات بذريعة التزوير، بل غدا الاستغراب عالمياً لاداء غير متوقع من الولايات المتحدة و مفاجىء من رئيسها بالذات.
فالإنتخابات الأميركية قسمت المجتمع الاميركي عمودياً بشكل جذري بحيث ستترك حتماً بصمة لا تمحى في المسار السياسي المقبل، محملّةً سيد البيت الأبيض الجديد وزر تبعات لا يستهان بها. وتزايدت المخاوف الاميركية من اضطرابات قد تهدد بخطر العنف في ظل رفض الرئيس ترامب مسبقاً الاقرار بهزيمته في الانتخابات وبدء تداول سيناريوهات عن تداعيات هذا الرفض قانونيا وعملانيا. ناهيك عن رفض تسليم السلطة سلمياً قائلاً “يجب أن نرى ما سيحصل، و”سأقبل بنتائج الانتخابات فقط إن فزت بها”.
ويتخوف المراقبون من ظهور العنف في اكثر من منطقة، حتى لو أقر ترامب بهزيمته، وذلك بعدما شحن أنصاره بخطابه العنفي، بحيث انهم يلجأون الى العنف كوسيلة مشروعة بما أنهم يعتبرون انهم غير ممثلين ديمقراطياً، ناهيك عن انه شكك بنزاهة اكبر المؤسسات الديمقراطية متهماً اياها بالغش والتزوير، واضعاً اياها في دائرة الشك بالنسبة الى مناصريه، اذ كيف ستطلب منهم هذه المؤسسات بالذات الالتزام بالقوانين السائدة بعدما تم التشكيك بصدقيتها.
وهذه المقاربة السياسية بدأ ترامب التمهيد لها حتى قبل موعد الانتخابات تحوّطاً منه لكل الاحتمالات في ظل استطلاعات للرأي كانت تتحدث عن تقدم خصمه المرشح الديموقراطي عليه بما لا يقل عن عشر نقاط ورواج فكرة ان يكون هناك رد فعل او تسونامي ضده . فقال للصحافيين قبل يوم واحد من “الثلثاء الكبير”: “فور اقفال صناديق الاقتراع، سنبدأ العمل مع محامينا” في اشارة الى استراتيجية رفع دعاوى قانونية فور الشعور بالخسارة في ولاية ما،. وهو ما سارع الى القيام به من خلال الاعلان عن تزوير في الولايات المتأرجحة اي تلك التي كانت ستحسم فوزه او فوز خصمه الديموقراطي رافضاً ان يتم فرز اصوات الاميركيين الذين صوتوا بالبريد على نحو مسبق لادراكه ان الغالبية العظمى من هؤلاء من الحزب الديموقراطي التزاماً منهم اكثر من التزام الاميركيين من انصاره وداعميه بإجراءات الحذر من جائحة كورونا. وهو تارة طالب بوقف الفرز، وطوراً بإعادة احتساب الأصوات، فنجح في الضغط من اجل اعادة الفرز وتكراره في بعض الولايات او اختيار ولايات اخرى عدم فرز صناديق وصلت بالبريد بعد يوم الانتخابات في 3 تشرين الثاني، رغبة منه في اثارة غبار كثيف على شرعية الرئيس الفائز جو بايدن الذي بكرت وسائل الاعلام في ظل مؤشرات متعددة في حسم اسمه.

جمهوريون “جدد”

البصمة هذه التي تركها ترامب على الحزب الجمهوري جعلت من أنصاره “جمهوريين جدد” يهددون بانقسام الحزب الجمهوري التقليدي بقيمه ومبادئه بعد انقضاء ولايته. فأكثر من 68 مليون اميركي صوتوا للحزب الجمهوري، لم ينتخبوا حزب رونالد ريغان او جورج دابليو بوش. لا بل انتخبوا حزب دونالد ترامب الذي جعل حزب المحافظين ينحو نحو العدائية حيال الأجانب كما الى الحمائية، مزدرياً ومحتقراً القيم الليبيرالية والسلوك السياسي الرصين كما احترام المؤسسات الديمقراطية.
فالجمهوريون المحافظون تاريخياً وتقليدياً باتوا بقيادة ترامب اكثر شعبوية واقل تحفظاً لأول مرة في تاريخهم، بحيث اعتبر ترامب – وأقنع مناصريه- بأن البيت الأبيض حق مضمون له، وخسارته في الانتخابات ليست سوى محاولة لعزله وعملية انقلاب تستهدفه. وما محاولة عزله خلال مساءلته في مجلس الشيوخ سابقاً سوى مرحلة في هذا المسار في نظره.
لكنه وفي ادائه الرافض الاقرار بنتائج الانتخابات احدث شرخا داخل حزبه نتيجة الانقسام العميق ازاء اداء يصيب الديموقراطية الاميركية وجوهرها في الصميم. فانبرى شيوخ من الحزب يعترضون او لا يوافقون على ما ذهب اليه ترامب الى درجة ان النجل الأكبر لترامب، دونالد الابن، اعتبر أن الحزب الجمهوري أظهر موقفاً ضعيفاً تجاه دعم الرئيس الأميركي في سعيه للفوز بولاية جديدة، بينما قال أخوه إريك “ناخبونا لن ينسوا هذا لكم أيتها النعاج”.
ويعكس هذا النزاع حجم الفجوة بين ترامب والحزب الجمهوري الذي يمثله في سباق الرئاسة.
هل كان يجب توقع اداء مختلف من رئيس كسر التقاليد الرئاسية المعمول بها او المتعارف عليها ؟
ينبغي الاقرار ان ترامب وقبل انتخابه في 2016 ومنذ دخوله الى البيت الابيض اعتمد اسلوباً ومقاربات فاجأت الاميركيين والعالم .ففي خطابه الافتتاحي فور تسلمه ولايته الحالية، قال ترامب:” لفترة طويلة للغاية، حصدت مجموعة صغيرة في عاصمة أمتنا كل الافادة والمكافآت من الحكومة فيما الشعب دفع ثمنها”.
وتاليا هو وعد الاميركيين منذ البداية بالإنقلاب على النظام برّمته، بدءاً بالنظام القضائي بركيزتيه: المحامين والقضاة، ومن ثم الجهات المعارضة له كما السياسيين، ومسؤولي الاجهزة الامنية… وصولاً الى الصحافة والصحافيين، بحيث حمّلهم جميعاً مسؤولية كل الشوائب والأخطاء، مبتكراً عبارة الأخبار الكاذبة “fake news” التي كان يرفقها بكل مقالة تنتقده وهي صادرة من أعرق المؤسسات الاعلامية مثل النيويورك تايمز والواشنطن بوست والتايمز.
وما كل الأخبار التي نشرت عن التدخل الروسي في الانتخابات السابقة لإنجاحه والاتهامات بتهربه الضريبي بمئات ملايين الدولارات او الاتهامات بصفقات قامت بها عائلته سوى “fake news” تستهدفه مباشرة. وبدا الرئيس ترامب الرئيس الذي لا ينام في ظل استخدامه لمنصة “تويتر” في اي وقت وفي كل محطة من المحطات المهمة او الثانوية للإعلان عن قرارات ادارية رسمية متخطياً كل الأعراف وحتى احياناً الديبلوماسية الرئاسية في هذا المجال. فأبلغ مستشاره القومي بإقالته عبر تويتر كاتباً: “أبلغت جون بولتون الليلة الماضية أنه لم تعد ثمة حاجة لخدماته في البيت الأبيض. اختلفت بشدة مع الكثير من اقتراحاته مثل آخرين في الإدارة”. وهكذا فعل بموظفين كبارا توالوا على البيت الابيض وغادروه في مدة قياسية . وبكر الرئيس الاميركي في احتكار كونه ممثل “الشعب الأميركي” جاعلاً من الديمقراطيين وكل من يعارضه “اعداء الشعب” بحيث حض مناصريه على هزمهم للقضاء على التهديد الذي يشكلونه.
تستحق ظاهرة دونالد ترامب في المجتمع الاميركي دراسة مجتمعية عميقة نظراً الى انه يثير الاستغراب الكبير ان ينتخبه هذا العدد الملاييني من الاميركيين على رغم الاستفزاز الذي شكله لملايين اخرى في المجتمع الاميركي. ولم يتوقع كثر ذلك ولا سيما ان الانتخابات التي جرت في الثالث من تشرين الثاني حركت الاميركيين للتصويت على نحو لم تشهده الولايات المتحدة منذ 120 عاماً . وكان متوقعا في ظل الفشل الكبير للرئيس الاميركي في ادارة جائحة كورونا والمواقف التي اتخذها في هذا الاطار ان تحدث ردة فعل رافضة كلياً لاعادة انتخابه في حين اظهر قسم من المجتمع الاميركي مناعة ازاء الاقتناع بالجائحة في الاصل ومسؤولية ادارة ترامب عن تخفيف وطأتها.
وينبغي الاقرار بأن الاسلوب العدائي كلاماً وتعبيراً وممارسة يجد صداه بقوة لدى قسم كبير من المجتمع الاميركي . هذا الاسلوب الذي برز في محطات كثيرة لكنه اتهم الى ارتكازه في سياسته الخارجية على تمجيد الاعداء ومعاداة الحلفاء. فأعلن على سبيل المثال خلال لقاء تاريخي ارتجالي مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ اون “انهما وقعا في الغرام” فيما وصف رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بأنه “ذو وجهين”، ووصف تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن الناتو بأنها “مقرفة ومسيئة” قائلاً عن الناتو بأنه “ميت دماغيا”.
فالأساس في سياسة ترامب الشعبوية هو في خلق حال من شعور انعدام الأمان الذي يدفع بالناخبين الى احضانه، وفق ما يقول اكثر من مراقب أميركي مستنداً الى نظرية عالم الاجتماع الاميركي شارلز تيلي Charles Tilly الذي طرح في دراسته “صنع الحرب وصنع الدولة كجريمة منظمة ” war making and state making as organized crime ، قائلاً ان الصناعة الأولوية لدولة عصرية تكون شبيهة بالتنظيم الاجرامي بحيث انها تفترض وجود لاعبين سياسيين يبتكرون تهديدات او يفاقمون تلك الموجودة بهدف اقناع “الشعب العادي” بالحماية منها.
هذا ما حصل بعد اعتداءات 11 ايلول وتحضيراً لغزو العراق. وهذا ما حصل بعدما فاقم ترامب خطر المهاجرين غير الشرعيين، مهدداً بقوافل منهم “ستغزو” البلد، مشيّداً جداراً على الحدود مع المكسيك .
وفي الوقت الذي بدا ان الاحداث الاخيرة التي فاقمت التفريق العنصري في داخل المجتمع الاميركي نتيجة مقتل المواطن الاميركي جورج فلويد في مينيابوليس بفعل اختناقه بعدما ضغط شرطي ابيض برجله على عنق فلويد الاسود، شكلت عاملاً حاسماً في خسارة ترامب اصوات الاميركيين من اصول افريقية على ضوء انقسام اميركي داخلي عميق، فإنه ادى على ما يبدو الى تقوية اليمين المتطرف بفعل سياسته المتطرفة. فقال مثلاً الرئيس الوطني لـ”حزب الفهود السود الجديدة” ياهكنون دين ياه ان ترامب “اوقظ عنصرية البيض ضد السود”. فترامب اعتبر خلال زيارته كينوشا في ويسكونسن حيث وقعت أعمال شغب بعد إطلاق النار من قبل ضابط شرطة ابيض على المواطن الأسود جاكوب بليك، ان الاحتجاجات على مقتل السود معادية لأميركا ولا عنصرية منهجية في سلوك الشرطة. وقال: “من وجهة نظري، ما حدث في هذه المدينة هو في الواقع إرهاب محلي وليس أعمال احتجاج سلمية”. كما اعلن ان حركة «بلاك لايف ماترز» المناهضة للعنصرية، أدت إلى زيادة أعمال القتل بنسبة 35%.
فالقوة هي له – كما يؤكد- والضعف دوماً للخصم.

مثال سيقتدى به

ويكمن خطر هذه الشعبوية في “العدوى” التي نقلتها الى اكثر من بلد من العالم، عبر “موجة” من الزعماء وصلوا الى الحكم بانتخابات ديمقراطية، ومن كل الاتجاهات، اكان من اليسار، (الرئيس البرازيلي السابق هيوغو شافيز)، ام اليمين، (رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور اوربان، والرئيس البولوني اندريج دودا) اضافة الى الهند والفيليبين واندونيسيا ناهيك عن الاحزاب “الشعبوية” – وأغلبها يميني- في ايطاليا واسبانيا وفرنسا والبعض من شرق اوروبا. وهذه الأحزاب غالباً ما وصفت باليمينية الشعبوية التي نمّت شعبيتها على الخوف من الآخر: اللاجئون في اوروبا، المكسيكيون غير الشرعيين في اميركا.
فالشعبوية هذه – التي تكتسب اسمها من حزب الشعب الأميركي العام 1890 الذي سميّ فوراً “شعبوياً” populists بعدما بات الحزب الثالث في اميركا من حيث عدد افراده – تبدو كحركة انقلابية ترتكز الى الداخل ورفض العولمة الخارجية. وهي بدأت بالإنتشار بقوة بعد الركود الاقتصادي العالمي في 2008 الذي كسر الثقة بالنظام الليبيرالي الاقتصادي السائد منذ ما بعد حقبة الحرب الباردة.
“اميركا اولاً” كانت شعار ترامب منذ حملته الانتخابية الاولى، بحيث اتهم حلفاء اميركا التقليديين باستغلالها ، ومهاجماً اياهم الواحد تلو الآخر. وهو وعد بوريس جونسون باتفاقات اقتصادية “لا تحلم بها بريطانيا” اذا مضى بالبريكست وبالإنفصال عن الاتحاد الاوروبي. كما توعّد الدول العربية لتدفع “ثمن حماية اميركا لهم”، واعلن ان نفط العراق من حق واشنطن طالماً هي تحميه من “داعش” في البلاد.
وما قول مدير الـ CIA السابق جون برينان سوى ابرز دليل على القلق الكبير من شعبوية ترامب. فهو عندما سُئل في برنامج “لقاء مع الصحافة”: ما هو رأيك باستقرار الديمقراطية؟، ردّ قائلاً:” اعتقد ان الديمقراطية لا تكون ديمقراطية عندما تكون بين يدي مستبد. ان المبادئ الدميقراطية التي نشأت على اساسها هذه البلاد تتآكل في هذه اللحظة .”
والخوف الأكبر من ان تكون لنتائج الانتخابات الأميركية أثرها في العالم الأجمع. فالزعماء الشعبويّون الرافضون لحكم المؤسسات في كل ارجاء الكرة الأرضية سيأخذون في الاعتبار نتائجها: نجاح ترامب مرة ثانية يعني صدقية للأسلوب الذي يعتمده، وخسارته تحتّم اعادة النظر به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات