Search
728 x 90

التاريخ… ومناعة الاتّعاظ!

التاريخ… ومناعة الاتّعاظ!

لم نقرأ في لبنان التاريخ صحّ. لم نقرأ حتى الجغرافيا صحّ. إنقضاض، من ائتمنوا على الدولة، على منطق الدولة يشِي بالعمق بهاتين القراءتَين المغلوطتَين. لم ننتمِ بمعنى المصلحة المشتركة أولاً للعَيش معاً. وبالتالي كسرنا منصّة القِيم المشتركة.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

لم أفهم حتى اليوم عناد بعض العقول المتحجّرة في الإمعان بتدمير الدولة تحت شعار كذبة استنهاض مكامن القوّة فيها. هل هذا العناد جهلٌ أو مؤامرة؟ الإجابة عن هذين الخيارَين بالمُفاضلة مستحيل. الجهل والمؤامرة يتكاملان.

المشهديّة السياسيّة النّكبة التي نعيش، مطعَّمة بأكسسوارات ربطات العنق والتنظيم اللّوجستي المُتقَن، تستدعي مساراً طويلاً من اجتثاث جذور المتموضعين في المواقع الأماميّة، أو المتنطّحين الجدد للتموضع فيها. الاجتثاث المفترض قائمٌ على قناعةٍ بأنَّ هؤلاء سعيدون برحيل الجمهوريّة، وهُم معنيّون بترحيل الجمهور الذين تبقّوا، وعلى الأرجح قسراً، في هذه الجمهوريّة. بالمناسبة هي جمهوريّتهم وليست جمهوريّة خياراتنا وأحلامنا.

المشهديّة السياسيّة النّكبة التي نعيش أطاحت بكل صوابيّة المفاهيم وأولويّاتها. يكفي أن تُسوِّق للأمن أولاً بغضّ النظر عن مسبِّبات إمكانيّة ارتجاج الأمن، وفي الحقيقة أنَّ بين الثورة واللّأمن فالق زلزالي، يكفي أن تُسوِّق للأمن أوّلاً حتى نفهم ناكبي جمهوريّة أحلامنا بما يفكّرون ويستبطنون. الأمن أساس لكن على بناء متكامل. الأمن الإنساني لا الأمن الأمنيّ. الخُبث عند هؤلاء تشاطرٌ بدعوة اللبنانيّين العزَّل إلّا من لحمهم الحيّ، للقبول بالجوع أفضل من التوتّر المعترض. التخريب هنا مرفوض تماماً. الكلّ بات يعلم المخرّبين وأسيادهم، وحاملي السّواطير وأسيادهم….

كلّ توتّرٍ وتخريب مرفوضين، لكنّ التهويل به من باب إمكانيّة استنفارهما تمهيداً لاستعمالهما أداةً قمعيّة يضعنا أمام مرحلة تُفهمنا فيه السّلطة وأدواتها والمتحكّم بها، بأنّ عوارض ما نحن فيه من أزمات معقّدة من السياديّ، الى الاقتصاديّ – الاجتماعيّ – الماليّ، هي مقبولة بإزاء خطر عودةٍ إلى الاقتتال. هُنا يستجِدّ علينا سؤالٌ بنيويّ: “من سيُقاتل من؟”. الإجابة بسيطة في استبعادٍ لوقائع الميدان. ثمّة معتدين، وثمّة ضحايا. لا اقتتال في الأفق بل تهويلٌ بُغية استدراج رضوخٍ مُقونَن ومُدستر يُضاف فيه خضوعٌ شعبي بعد خضوع المنظومة السياسيّة بالكامل للمتحكّم بها. النتوءات هنا وثمّة في المنظومة السياسيّة معارضة لفظيّة إستعراضٌ تكتيكيّ. سِمة هذه النتوءات إمّا الانضباط في اللحظات الصعبة أو قبول فتاتٍ في المفاصل المصيريّة.

الخضوع الشعبيّ الخطير بالتهويل لا يُمكن تعديل مساره بالعمل الميداني حصراً. ديناميّاتٌ إضافيّة نحتاجها، وذلك يتمثّل بتحرُّك كُتل حرِجة كان استثمارها الأساس في أنّها تُحب لبنان، وتريد للّبنانيّين حياةُ كريمة، ودولةً نموذجيّة. هذه الكُتل الحرِجة لم تخُض حتى الساعة مسار التغيير الراديكالي المنشود. إستنقعت في الرفضيّة. تجاهلت شموليّة المطالب بمعنى موجب انضمام السياديّ إلى الحوكمة السليمة، والسياسة الخارجيّة الى تدعيم جسور العيش معاً، فلبنان نموذج تعدّدي يحتاجه العالم.

المُحصِّلة في كل ما سبق أن مناعة الاتّعاظ عندنا مُعدمة. أعدمتها امتزاجات التوتاليتاريّات بما هي كذبة قاتلة، والشعبويّات بما هي قناعٌ قبيح. لبنان أعدمته أبديّة الانهيارات.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات