Search
728 x 90

البطريرك يملأ الفراغ ولا يقوى على اهداف المعطلين

البطريرك يملأ الفراغ ولا يقوى على اهداف المعطلين

ثمة مفارقة لافتة برزت في المشهد اللبناني في الأيام التي أعقبت الإعلان عن الغاء الزيارة الثالثة هذه السنة التي كان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يعتزم القيام بها للبنان بسبب إصابته بفيروس كورونا تمثلت في انطباعات ومعطيات شديدة الالتباس حيال تحرك داخلي متصل بأزمة تأليف الحكومة الجديدة .

هذا التحرك بادر اليه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بصورة مفاجئة ولم يكن البطريرك على ما يظهر تسلسل التطورات يعتزم التحرك لولا قيام رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بزيارة لبكركي أراد من خلالها اطلاع الراعي على حقيقة صورة التعقيدات التي وضعها في وجهه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل . جاء الحريري الى مقر الكنيسة المارونية التي لا تزال تشكل حجر الرحى الأكثر تأثيراً لدى المسيحيين بعدما تلقى في الأسابيع الأخيرة سهام انتقادات لاذعة من البطريرك الذي بدا مقتنعاً بما ابلغه اليه رئيس الجمهورية من ان الحريري هو من يتقاعس عن تقديم تشكيلة كاملة للحكومة اليه، وما ان فعل الحريري ذلك حتى بادره عون بتقديم طرح مضاد ثم انهالت عليه انتقادات الفريق الرئاسي متهمة إياه بأنه تفرد بتسمية الوزراء المسيحيين في تشكيلته خلافاً لما فعله مع الوزراء المسلمين وانه لم يعتمد وحدة المعايير في وضع هذه التشكيلة .

عند هذا الحد تبيّن ان الزيارة المسائية الطويلة التي قام بها الحريري لبكركي كانت ناجحة جداً في تحقيق هدفين ارادهما منها الرئيس المكلف : الأول تبديد كل الاتهامات والانطباعات السلبية التي كانت تصل وتبلغ الى البطريرك بالوقائع الحسيّة الملموسة والقاطعة عبر اطلاع الراعي على تفاصيل مجريات اللقاءات التي حصلت بين عون والحريري والتي كانت تشهد توافقات بينهما ومن ثم سرعان ما كان عون يتراجع عن الكثير من التوافقات بعد مغادرة الحريري القصر الجمهوري بما يعني ان جبران باسيل كان ينسف ما حصل. والثاني استمالة البطريرك بمنطق سياسي علمي الى تأييد التشكيلة التي وضعها الحريري ورفضها عون تلقائياً على أساس انها تركيبة اختصاصيين صرفة لا سياسيين بينهم وان هذه الحكومة وحدها يمكن ان تشكل بوابة الإنقاذ لان المجتمع الدولي لن يقبل بأقل منها لتقديم الدعم المالي للبلد الواقف عند الهوة السحيقة الأخيرة القاتلة . ولذا قرر البطريرك التحرك بين بعبدا والحريري، ومن ثم دعا باسيل الى بكركي ومضى في اظهار جدّيته عبر عقد لقاءات جانبية للوزيرين السابقين غطاس خوري المستشار الأقرب للحريري وسجعان قزي الوثيق الصلة بالبطريرك .
واما المفارقة المشار اليها في بداية هذا البحث فتكمن في الأجواء السياسية والانطباعات العامة المواكبة للتحرك البطريركي والتي تعكس الى حدود بعيدة انهيار ثقة اللبنانيين بكل ما يأتي من الداخل الى الداخل حتى لو على يد مرجعية كبيرة وتاريخية كبكركي لا مصلحة توجهها الا مصلحة اللبنانيين ولبنان . ذلك ان تحرك البطريرك لقي ترحيباً واسعاً على المستويين السياسي والشعبي بل بدا كأنه مبادرة جديدة حاملة آمال في امكان فتح الطريق المسدودة امام انفراج سياسي يؤدي الى تأليف الحكومة كهدية ميلادية في اقصى احتمالات الرهانات الإيجابية او مع نهاية السنة الحالية ورأس السنة الجديدة .

ولكن هذا الانطباع سرعان ما اصطدم بتعقيدات الواقع الأقوى من كل شيء، أي تلك التي تتصل بحسابات القوى النافذة التي لن ولا تسمح لأي عامل داخلي او خارجي ان يتجاوز أهدافها وهو الامر الذي بدأ يسكب مياها باردة على الآمال الدافئة التي اثارها تحرك البطريرك الراعي . والواقع انه صحّ ما تردد على ألسنة او أقلام كثر من انه من غير المتوقع ابداً ان يكون البطريرك الراعي اكثر حظاً من الرئيس الفرنسي ماكرون الذي سيمضي الشهر الخامس بعد وقت قصير على إطلاقه مبادرته الشهيرة لإنقاذ لبنان ولم يستجب له بعد أصحاب الحسابات الخفية والعلنية في احباط أي انقاذ راهن للبنان فكيف سيسمح بذلك اذن للبطريرك ؟

الأسوأ من ذلك ان غالبية اللبنانيين تعتقد ان ثمة سذاجة في الرهان على أي مبادرة داخلية في كسر المأزق المتحكم بتأليف الحكومة قبل ان تهبّ رياح إقليمية مؤاتية وتحديداً بعد تولي الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن مهماته ربما الى وقت غير قصير .

اذاً وحتى ثبوت العكس فإن التحرك البطريركي الوحيد الماثل في المشهد الداخلي خصوصاً وسط الفراغ الذي خلّفه الرئيس الفرنسي في الغاء زيارته للبنان لن يتجاوز مبدئياً حدود ملء الفراغ ومحاولة اختراقه عبثاً، واي تطور آخر معاكس سيكون نتيجة معطيات غير مرئية وغير متوقعة وهو الامر المستبعد تماماً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات