Search
728 x 90

البطريرك صفير في تاريخ لبنان تجربة إستثنائية زاوجت الديني بالسياسي

البطريرك صفير في تاريخ لبنان تجربة إستثنائية زاوجت الديني بالسياسي

يقتضي ان يمر وقت طويل قبل ان يصبح البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير في ذاكرة اللبنانيين، والمسيحيين خصوصاً، جزءاً من تاريخهم لا يُمحى. لم يكن، على مرّ حبريته الاطول بين اسلافه، جزءاً من تاريخ الكنيسة المارونية فحسب، وسيرة لا تنسى من بين الذين تعاقبوا عليها لقرن خلا على الاقل، هو تاريخ لبنان الكبير ـ وقد ولد البطريرك قبل ولادة هذا الكيان باكثر من ثلاثة اشهر ـ بل طوى فصولاً مهمة في تاريخ لبنان وحاضره اقترنت باسمه.

مذ أُعلنت دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، عدّت بكركي نفسها مسؤولة باستمرار عن هذا الكيان وديمومته. كذلك الحال مع إعلان الجمهورية اللبنانية في 23 أيار 1926 نظاماً دستورياً لدولة الكيان الجديد وأمة الموارنة. ثم مع الإستقلال في 22 تشرين الثاني 1943 وثيقة تعايش بين طوائفه المتعدّدة حدّدت علاقته بجواره القريب والبعيد. لم يفت سيّد هذا الصرح على تعاقب بطاركته مذذاك، منذ أولهم الياس الحويك، تأكيده دائماً أنه معني بحماية الكيان وجبه التهديد الخارجي الذي يتعرّض إليه. عندما تقول بكركي كلمتها في أحداث لبنان، تكون في سبيل مصلحة كيانه ومن أجله.

عامَلَ البطاركة الموارنة لبنان الكبير على أنه جزء لا يتجزأ من كنيستهم، لا الأرض التي إنتشرت فيها بحيوية ودينامية إستثنائية لقرون قبل ولادة الدولة والنظام. لأنها إستمرت في هذا المكان بجروده ووديانه، وهو يواجه غزوات جيوش وشعوب تحتله وتقطن فيه وتخرج منه، وتعرّض سكانه إلى الإضطهاد والنزوح والهجرة وتحاول حرمانهم من حرياتهم وتحملهم على مقاتلة أعدائهم، حسبته الكنيسة المارونية أرضها. كلاهما يُنعت بالآخر. البطريرك قائد جماعة الموارنة المنتشرين في جبال لبنان، ومرجعيتهم الدينية والزمنية في مكان اختاروه موطىء سلامهم واستقرارهم.

أدركت بكركي التهديد المستمر منذ ارتسمت حدود دولة لبنان الكبير، تجاوره سوريا إذ اعتبرت أجزاء منه سُلخت عنها، ومذ توسّع مجتمعه بضم ولايات الساحل والأطراف إلى جبل لبنان. فاختلطت فيه مجتمعات لم تكن دائماً متجانسة، واقترنت طرائق حياتها وطباعها وتنوّعها الديني والعقائدي ومصالحها الاقتصادية بالولايات والولاة الذين دانت بالتعاقب بالولاء لهم. غالباً ما نفر بعض هذه المجتمعات من بعض في الكيان الجديد، فلم تحظَ بما كان قد عرفه الجبل من حكم ذاتي في يد أمرائه. ضاهى يقين البطاركة الموارنة بمسؤوليتهم عن كيان لبنان، يقينهم بمسؤوليتهم أيضاً عن استمرار الدولة والنظام من أجل استقرار الأمة المارونية والمجتمعات الأخرى التي تشاركها الحياة فيه. إلى المرجعية الدينية التي مثلتها، اهتمت بكركي بدور وطني وسياسي واسع النطاق كان يقودها إلى الدفاع عن الحدود والكيان والدستور والنظام السياسي وتعايش طوائفه، وإلى حماية امتيازات الطائفة في الحكم وضمان طبقتها السياسية وبقاء الكنيسة مرجعية رئيسية.

هكذا عنيت بمصدرين فعليين لنشوء السلطة في لبنان، ملازمين لبقاء الكيان والدولة، وممارسة الموارنة دوراً سياسياً مرجّحاً على سواهم من الطوائف والمجتمعات الأخرى، هما رئيس الجمهورية الماروني قائد الأمة اللبنانية، والانتخابات النيابية التي تحافظ على حضور الموارنة في مواقع الحكم، ومشاركتهم الحيوية فيها. منهما ينشأ أيضاً وجودهم في الاقتصاد والإدارة والجيش والمصالح الرئيسية. ليسوا وحدهم في لبنان، لكنه وطنهم أولاً قبل أي خيارات عقائدية لاحقة.

في ظلّ الياس الحويك (1899 ـ 1931) لم يخبر لبنان الانتخابات النيابية التي لم تتخذ آليتها القانونية إلا بعد ثلاث سنوات على غيابه عام 1932. كان عليه في سنوات قليلة أن يشهد بناء دولة لبنان الكبير، كي تتحوّل من حدود دولية أعلنتها فرنسا بتفويض من عصبة الأمم، إلى دولة ذات سيادة ونظام دستوري هي الجمهورية اللبنانية وانتخاب أول رئيس لها. امتعض البطريرك من تعيين أرثوذكسي رئيساً للجمهورية الجديدة غداة إقرار دستورها عام 1926، عازياً السبب إلى أن الموارنة هم الطائفة الأكثر عدداً، وقادوا لبنان إلى استقلال كيانه عن سوريا بضم أطرافه التاريخية إليه. أبلغ قلقه إلى المفوّض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل الذي طمأنه إلى أن مارونياً سيخلف شارل دبّاس بعد نهاية ولايته. قبل انتخابه، زار شارل دبّاس البطريرك لكسب تأييده. عبّر الياس الحويك عن رضاه، من غير أن يكتم تحفظاً مبدئياً فقط احتياطاً للمستقبل. في 28 كانون الثاني 1934، كان الماروني حبيب باشا السعد ثاني رئيس للجمهورية اللبنانية.

حضر الياس الحويك دولة لبنان الكبير بعدما حمل على رأس وفد أساقفة موارنة إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، باسم مجلس إدارة جبل لبنان، مطلب الإعتراف باستقلاله وإعادته إلى حدوده الطبيعية والجغرافية، قبل أن يُنتخب أنطون عريضة بطريركاً (1932 ـ 1955)، ويشهد بعد سنتين، في كانون الثاني 1934، أول انتخابات نيابية في الجمهورية اللبنانية، أجريت وفق قانون انتخاب اعتمد المحافظات الخمس دوائر انتخابية خمساً.

أتيح للبطريرك الجديد ما حيل دون الياس الحويك الخوض فيه، وهو انخراط الكنسية المارونية في الشؤون السياسية والوطنية اللبنانية على أوسع نطاق، إلى حدّ التأثير في قرارات السلطات. عاش السلف في ظلّ الجمهورية الجديدة أربع سنوات لم تكن قد استكملت بُناها، بينما واجه الخَلَف أزمات داخلية بمواقف سياسية طبعت بعضها الحدّة. لم ينقضِ شهران على تبؤوه كرسي بكركي، حتى عبّر كـ”عميد لبنان” ـ الصفة التي نُعت بها الدور الوطني للبطريرك الماروني حينذاك ـ عن امتعاضه من الواقع القائم .

ما انبثق من الانتخابات النيابية التالية عام 1937، أول عهد الكنيسة المارونية الخوض فيها. غضبت من قرار حكومة خيرالدين الأحدب حلّ منظمات شبابية اتخذت طابعاً سياسياً، كالكتائب والنجّادة والوحدة اللبنانية، بخطاب للبطريرك أبرَزَ فيه دوافع عدم تدخّله في الانتخابات بقوله: “تركنا الأمر في ذلك لأربابه لأن الكل أبناؤنا وأعزاؤنا. فلا يمكننا أن نتحيّز إلى فريق دون آخر، ونحن بكليتنا للكل (…) اعترض علينا البعض أننا ـ ونحن الرئيس الروحي ـ نتدخّل في الشؤون الزمنية (…) إن الشعب على اختلاف نزعاته يكلفنا وينتظر منا أن نهتم، ليس بأموره الروحية فقط، بل بأموره الزمنية أيضاً”.

أسهب أنطون عريضة في إبداء الرأي في شؤون وطنية مهمة، على غرار موقفه في مؤتمر وطني دعا إليه في بكركي في 25 كانون الأول 1941، ووضع على عاتق البطريركية مسؤوليات تحقيق “الأهداف الإستقلالية والسهر على سلامة الأسس التي تراضى اللبنانيون عليها لبناء صرح الاستقلال”. لكنه، على أبواب انتخابات 25 أيار 1947، انخرط جدّياً في الموقف منها إلى حدّ الحزم والنبرة العالية. من غير أن يكتفي بمخاطبة السلطات، حمّل الناخبين وزر إمرار هذا الإستحقاق. نبّه الحكومة في 17 نيسان 1947 إلى ملاحظاته حول قانون الانتخاب و”أهمها إذا لم تُعطَ الحرية التامة في الانتخاب ولم يمنع التلاعب والتزوير في صناديق الانتخاب، يُخشى من وقوع مذابح تقع المسؤولية بها على الحكومة، لأن من أهم واجباتها الحرص على الأمن وحياة الأفراد”. عشية انتخابات 25 أيار 1947، لاحظ أن ثمة إخلالاً بنتائجها يُعدّ له، فدعا في 21 أيار إلى “إعادة انتخاب كل مَن يثبت أن انتخابه لم يكن قانونياً ليكون المجلس المقبل مثالاً عالياً للبنانيي الصميم في عهد الإستقلال”.

ما لبث أن اتخذ، قبل أكثر من سنة على خوض عهد بشارة الخوري في قانون الانتخابات التالية المقررة عام 1951، موقفاً صارخاً. وجّه في 7 أيار 1949 مذكرة بيّن فيها معارضته زيادة عدد النواب كانت الحكومة تعدّ لها، متمسّكاً بالإبقاء على عددهم الحالي وهو 55 مقعداً. لاحظ البطريرك أن “الشعب اللبناني يرزح من ثقل الضرائب، وزيادة عدد النواب تستدعي زيادة الضرائب”.

على نحو مماثل اتخذ بولس المعوشي (1955 ـ 1975)، خلف أنطون عريضة، دوراً تجاوز بعده الوطني إلى الإنخراط الحاد في السياسة. بل كاد يكون ـ ونصرالله صفير في ما بعد ـ البطريركين الأكثر تسييساً على رأس الكنسية المارونية.

واجه بولس المعوشي أكثر من سبب للضلوع في تفاصيل الحياة السياسية، بدءاً بمعارضته السياسة الخارجية لرئيس الجمهورية كميل شمعون، مروراً بإدارته الانتخابات النيابية عام 1957 وسعيه إلى تعديل الدستور وتجديد ولايته، وانتهاء بثورة 1958 التي جعلت البطريرك يقف على طرف نقيض منه، ويدعم المعارضة. نظر إليه أفرقاء لبنانيون على أنه مؤيد للسياسة الناصرية وتدخّل جمال عبدالناصر في لبنان، فيما استمد مواقفه المتصلبة من تفاقم الإنقسام الداخلي على أثر جنوح كميل شمعون إلى الإنضواء عام 1955 في “حلف بغداد”، ثم انضمامه عام 1957 إلى “مذهب أيزنهاور”. انقسم السياسيون من حول الرئيس وحكومته، وأوشك الإضطراب السياسي يمسي نزاعاً طائفياً بين مؤيدين لجمال عبدالناصر ومعارضين له، إلى أن أضحى كذلك عام 1958. كان على بولس المعوشي ـ وقد أوحى عداؤه الحاد لكميل شمعون بتحوّله طرفاً في النزاع الداخلي ـ تدارك فتنة بين المسلمين والمسيحيين.

بعد أكثر من سنة على بدء عهد جديد عام 1959، تردّت مجدّداً علاقة البطريرك الصعب المراس والكثير الإصرار على التدخّل في الشؤون السياسية حتى أدق تفاصيلها، بالرئيس الجديد فؤاد شهاب وبلغت القطيعة. الرئيس يريد أن يكون رئيساً، والبطريرك يريد أن يكون البطريرك والرئيس الظل أيضاً. عارض جهود الغالبية النيابية تجديد انتخاب فؤاد شهاب بعدما انتقد بقسوة نتائج الانتخابات النيابية عام 1964 والتجاوزات التي رافقتها، ثم أيّد في عهد شارل حلو حلفاً سياسياً وانتخابياً جمع ثلاثة زعماء موارنة هم كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إده، ودَعَمَ إسقاط مرشح الشهابية للرئاسة الياس سركيس عام 1970. ناوأ بولس المعوشي الوجود الفلسطيني المسلح واتفاق القاهرة عام 1969، وانطفأ في 11 كانون الثاني 1975 قبل أشهر من اندلاع الحرب اللبنانية.

طبعت مرجعية البطريرك للكنيسة المارونية حياة سياسية صاخبة عركتها العدوات والصداقات والنزاعات والتحالفات، مقدار تبنّيها مواقف متشددة وصارمة لم تكن تقبل التساهل والمرونة والتراجع. كان تأثيره بالغاً في مسار الصراع السياسي الداخلي، لم يجعله يتردّد في الجهر بموقف يتخطى التنافس بين الزعماء المسيحيين إلى انتقاد زعماء مسلمين، هو المحسوب سلفاً على الزعيم المصري، لكنه المناوىء العنيد للعقائد المماثلة للناصرية. عبّر بولس المعوشي عن غضبته من الواقع السياسي في الإحتفال السنوي لمعهد القديس يوسف في عينطورة في 19 آذار 1967، قائلاً: “لسنا عبيداً ولن نطأطىء الرأس لأحد. نحن شعب يؤمن بالله. لا اشتراكية ولا شيوعية. نؤمن بلبنان وبالحرية والكرامة. مَن لا يعجبه أن يشاطرنا الإيمان بالله وبهذا الوطن المحبوب، فطريق البحر أمامه مفتوح”. بنبرة حادة لم تخلُ من التحدي والإستفزاز غالباً ما وَسَمَا طباع البطريرك الماروني، خاطب وزيراً حاضراً ممثلاً رئيس الجمهورية: “أرجوك أن تؤكد للرئيس أن البطريرك لا يحارب إلا عند اللزوم. أملي في أن يسهر الرئيس والحكومة ـ وبين أعضائها أشخاص نحترمهم ـ على استقرار لبنان وأن يكنّسوه. إن كانت تنقصهم المكانس، نحن مستعدون لتقديمها من مال البطريركية”.

بعدما أغاظته نتائج الانتخابات النيابية عام 1964 وسقوط كميل شمعون وريمون إده في الشوف وجبيل، والإتهامات التي سيقت إلى الإستخبارات العسكرية بتدخّلها، وجّه انتقاداً قاسياً إلى السلطة في بيان أصدرته أمانة سرّ البطريركية في 7 أيار، أعلن معارضته تجديد انتخاب فؤاد شهاب وخروجه على الحياد بينه ومعارضيه. أبدى بداية ألمه ممّا “سمع من أخبار المخالفات المتنوعة التي ارتكبت ضد الحرية والكرامة، وضد المقومات الأخلاقية والدستورية”، وأكد أنه “لا يسعه في الوقت الحاضر سوى مشاطرة الرأي العام قلقه على مصير الحياة الدستورية والشرعية في البلاد”. في 5 نيسان 1966 أبرَزَت بكركي دوافع تدخّلها كلما “وجدت نفسها أمام حالات خطيرة تتعلّق إما بسلامة البلاد أو بمصير الحكم، وهي في مواقفها هذه لم تستلهم سوى مصلحة الوطن، ولم تسترشد الا بخطوط الميثاق الوطني وما يفرضه من التزامات لتعزيز وحدة سليمة بين المواطنين”. ليس ذلك سوى تعبير صريح عن تزاوج الدورين الديني والسياسي في قامة البطريرك. كأنهما مبرّر وجوده ومهمته وكنيسته.

لكن الظروف التي رافقت بطريركية أنطون خريش (1975 ـ 1986) حالت دون اضطلاعه بدور سياسي خبره سلفاه. بعد 72 يوماً على وفاة بولس المعوشي، انفجرت حرب لبنانية ـ فلسطينية أضحت في الأشهر التالية حرباً لبنانية ـ لبنانية، غشاها نزاع طائفي حاد فَصَلَ المناطق بعضها عن بعض. طوال تسع سنوات، حتى قرّر البطريرك عام 1985 التنحي، لم يسعه إلا الدعوة إلى الحوار والوحدة الوطنية والعيش المشترك، ونبذ العنف والحقد والطائفية والإحتكام إلى السلاح، عاجزاً عن اتخاذ مبادرة ومتألماً من عدم إصغاء أفرقاء الحرب، لبنانيين ضد لبنانيين ومسيحيين ضد مسيحيين، إلى نصائحه وإرشاداته ومغالاتهم في الإقتتال. انهارت مؤسسات الدولة وتفكك الجيش، فلم تشهد البلاد انتخابات نيابية. فقدت بكركي في ظل سيطرة الميليشيات مقدرتها على أداء دورها. لم تمكّنه وداعته من استعادة دور بولس المعوشي في المواجهة، ولا الإنخراط في صراع المحاور المحلية والإقليمية، بينما جبه انقساماً موجعاً بين موارنة الجبل وموارنة الشمال عام 1978 تحوّل صراعاً دموياً ضاعف من إخفاق الكنيسة المارونية في مصالحتهم. بقي أنطون خريش قطب جذب في الحضّ على التهدئة وتحقيق السلام والإلفة، من غير أن يُحدِث كسلفه ـ ثم كخلفه ـ تأثيراً بارزاً يقلب توازن القوى الداخلي عبر بكركي.

طبعت الحقبة الساخنة انتخاب نصرالله صفير بطريركاً للموارنة منذ عام 1986. توقع البعض في الكنيسة انتخاب ابرهيم الحلو تكراراً لسابقة بولس المعوشي الذي قاده انتدابه الرسولي لإدارة البطريركية إلى ترؤسها. لكن مجمع الأساقفة فاضَلَ بين أسقف اتسم بالمرونة والصبر وسعة الخبرة في بكركي كان قد مكث فيها منذ عام 1960 متقلباً في الأدوار من كاتب أسرار البطريرك إلى نائبه، واسقف مشهود له تصلبه وعناده وباعه الطويل في السياسة هو يوسف الخوري. فإذا بنصرالله صفير صاحب الولاية الأطول بين بطاركة القرن العشرين بعد الياس الحويك (32 عاماً)، حتى استقالته عام 2011 في الحادية والتسعين من عمره.

تكاد بطريركية نصرالله صفير تختزن معظم التجارب التي خَبرها أسلافه بدمج الديني فيها بالسياسي، والإنخراط الدينامي في تفاصيل الإحتدام السياسي بشقيه الداخلي ومع سوريا، في حقبة استثنائية حمّلته مهمة استثنائية أيضاً تحت وطأة أحداث رافقته منذ السنوات الأولى لولايته: جرح نازف بين الزعماء والأحزاب المارونية يصعب التئامه، وحرب أهلية مستمرة بتقطع منذ عام 1975، وصولاً إلى مواجهة مع الوجودين السياسي والعسكري لسوريا في لبنان أمسى هيمنة أطبقت على الحياة الوطنية فيه. عارض معاهدات واتفاقات أبرمتها دمشق مع جارها الصغير الوهن المثقل بجروح الحرب الأهلية، وانقسام مجتمعه السياسي والطائفي لفرض علاقات مميّزة تعزّز بقاء جيشها على أراضيه، وتمكّنها من توجيه خياراته وسياساته وقراراته والتلاعب بتوازن القوى فيه. رفض تسوية أميركية ـ سورية في 18 أيلول 1988 على انتخاب رئيس للبنان سمّته دمشق لا بديل منه، ولا آخر منافساً له. جارى البطريرك الحكومة العسكرية برئاسة قائد الجيش ميشال عون الذي خاض في 14 آذار 1989 حرب تحرير ضد سوريا، قبل أن يختلفا على أبواب تسوية الطائف التي دعمها البطريرك في تشرين الأول 1989. أيّد الشرعية الدستورية المنبثقة منها بانتخاب رينه معوّض في 5 تشرين الثاني 1989 رئيساً للجمهورية، وبعد اغتياله الياس الهراوي في 24 تشرين الثاني. لم يتردّد كذلك بإزاء اقتتال مدمر بين ميشال عون وسمير جعجع في تهديدهما بحرم كنسي. لم يصغيا إليه، ومضيا في الحرب العبثية. بعدما انتقد بعنف عام 1994 تجنيس مئات ألوف من المقيمين على الأراضي اللبنانية غالبيتهم من المسلمين، ومن السوريين خصوصاً، على نحو أخلّ بالتوازن السكاني الدقيق، عارض تعديل الدستور لدوافع اعتبرها غير مبّررة كانت قد فرضتها سوريا بتمديد ولاية الياس الهراوي في 15 تشرين الأول 1995، ثم التمديد مجدّداً لولاية خلفه إميل لحود في 3 أيلول 2004. لم يتأخر عام 2006 ـ في خطوة غير مسبوقة لبكركي ـ في حضّ رئيس الجمهورية على الإعتزال حرصاً على مقام المنصب وهيبته، بعدما كان رفض بتشدّد إسقاطه بقوة الشارع.

عزّز دوره منذ عام 2000 غياب الزعماء التاريخيين للموارنة بوفاة بيار الجميل (1984) وكميل شمعون (1987) وسليمان فرنجيه (1992) وريمون إده (2000)، أضف نفي أمين الجميّل (1988) وميشال عون (1990) إلى باريس، وسجن سمير جعجع (1994). وجد نفسه يملأ فراغ غياب هؤلاء في الشارع المسيحي، والماروني خصوصاً، من خلال دور سياسي صارم نادى باستقلال لبنان وسيادته والمحافظة على كيانه، لم تخبر الكنيسة المارونية نظيره وهي تواجه في آن معاً وجود سوريا في لبنان وطبقتها السياسية الموالية. أضحى نصرالله صفير يجسّد روح المقاومة ورفض أمر واقع يحتاج إلى زعماء تاريخيين لجبهه في الشارع، أكثر منه إلى رئيس طائفة يربكه أحياناً دمج موقعه الديني ودوره الوطني بالموقف السياسي. قبله تفاوت تأثير أنطون عريضة وبولس المعوشي وأنطون خريش في ظل زعماء تاريخيين، بينهم مَن حاول تهميش دور البطريرك وإهماله، وبينهم مَن دخل في نزاع مباشر معه.

اضطلع أيضاً بدور لم يسبقه إليه أحد من أسلافه، كاد يجعله مقرّراً في انتخابات رئاسة الجمهورية مرتين. عدّه البعض انزلاقاً ملتبساً في تفاصيل النزاع السياسي الداخلي: عام 1988 عندما طلبت منه وساطة أميركية وضع لائحة بأسماء خمسة مرشحين للمنصب، وعام 2007 عندما طلبت منه باريس في مهمة مماثلة وضع لائحة بثلاثة مرشحين يصار إلى اختيار أحدهم رئيساً للجمهورية، بعد شغور المنصب الماروني من جراء انقسام وطني حاد. لم يسع البرلمان انتخاب خلف لأمين الجميّل حتى منتصف ليل 22 أيلول 1988، ولا خلف لإميل لحود حتى منتصف ليل 24 تشرين الثاني 2007. لم يُؤخذ بلائحتي البطريرك في المرتين، واستمر الشغور في الرئاسة في المرة الأولى سنة و14 يوماً، وفي المرة الثانية ستة أشهر ويوماً واحداً.

انخرط نصرالله صفير في أول صدام مباشر بينه وسوريا التي أرغمت السلطة اللبنانية على إجراء أول انتخابات نيابية منذ عام 1972، قبل أن تنتهي الولاية الثامنة الممدّدة للبرلمان حتى 31 كانون الأول 1994. أخذ من أنطون عريضة صوته المرتفع احتجاجاً على سياسة داخلية قرّرها الرؤساء المتعاقبون في قوانين الانتخاب وإجراء الانتخابات، هَادَنَ وقاوَم. وأخذ من بولس المعوشي إدراكه وطأة التدخّل الخارجي في الخلافات السياسية اللبنانية، وفي تعريض الكيان للخطر واهتزاز تعايش طوائفه وتوازنه الدقيق. لم يُجارِ سوريا شأن تفهّم سلفه الأسبق علاقة جمال عبدالناصر بلبنان ومسلميه.

كانت دمشق قد توخّت بتوقيتها المفاجىء عام 1992 إجراء الانتخابات النيابية، بناء طبقة سياسية جديدة في السلطتين الإجرائية والإشتراعية، بعدما كانت قد أحكمت قبضتها العسكرية على لبنان، وأمسكت حتى ذلك الوقت بالمؤسستين الأكثر تمكيناً لهذه القبضة هما رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش. انطوى هذا الهدف أيضاً على تعطيل أي مطالبة لها بانسحاب جيشها من لبنان. سارع مجلس النواب إلى إقرار قانون الانتخاب في 16 تموز 1992، بعدما رفع عدد أعضائه من 108 نواب إلى 128 نائباً، وجعل دوائره مزيجاً غير مألوف من قوانين عدّة في قانون واحد. تفادياً لالتزام تعهّدت به في اتفاق الطائف بانسحاب جيشها في نهاية سنتين من إقرار الإصلاحات الدستورية، كانتا قد انقضتا في 21 أيلول 1992، قلبت دمشق الأولويات ودفعت إلى انتخابات نيابية.

كان ردّ فعل بكركي بلسان البطريرك مبكّراً، عندما أبرَزَ مخاوفه من إجراء انتخابات في ظل وجود جيوش غير لبنانية على الأراضي اللبنانية، متسائلاً عن مغزى ان تكون حرة معبّرة عن رأي المواطن. في 29 آذار 1992 قاد حملة معارضتها، وتساءل عن الغاية من إجرائها. ثم كرّت سبحة مواقف متطابقة أعربت عن الخشية من القضاء على هوّية لبنان ونظامه وميزاته، قبل أن يقرع إنذار مقاطعة هذا الإستحقاق، إذ وجد في إصرار أهل الحكم على إجراء الانتخابات وإصرار المعارضة على رفضها قد يذهب بهم إلى مقاطعتها ما يؤدي إلى إحداث شرخ وطني.

مذمذاك صارت بكركي على خط مواجهة مع دمشق. سرعان ما انضمت الأحزاب المسيحية المناوئة لسوريا، وأخصّ رموزها أمين الجميل وميشال عون وريمون إده في المنفى في باريس، وأحزاب الكتائب والوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية والقوات اللبنانية في الداخل، إلى حملة البطريرك مقاطعة الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً.

لم تكن الانتخابات النيابية التالية عام 1996 أحسن حالاً. قبل أشهر رفعت بكركي الصوت حيال القانون الجديد للانتخاب ، فنادى البطريرك بقانون يفسح في المجال أمام جميع المقترعين أن يختاروا بحريتهم مَن يريدون أن يمثلهم من النواب ويتحدّث باسمهم ويقرّر عنهم. باستمرار وجّه انتقاده إلى سوريا وحلفائها الممسكين بزمام السلطة، إذ عدّهم أدوات طيّعة في يدها.

من غير أن يطبع موقفه من انتخابات 1996 بالحدة التي رافقت انتخابات 1992، بالحضّ الضمني على المقاطعة، كرّر نصرالله صفير امتعاضه من إدارة الإستحقاق الجديد بدعوته الناخبين إلى تحمّل مسؤولياتهم بحرّيتهم مقاطعة أو مشاركة.

في الانتخابات التالية عام 2000، كانت قد طرأت تحوّلات سياسية مهمة. في 25 أيار انسحب الجيش الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية ما خلا مزارع شبعا، وبعد أسابيع في 10 حزيران توفي الرئيس السوري حافظ الأسد، فخلفه في 11 تموز نجله بشّار، وقد أوحى بمغازي جديدة لانتخابه على أنه يمثّل صفحة جديدة في العلاقات السورية ـ اللبنانية من جهة، وداخل بلاده كداعية إصلاحي للنظام من جهة أخرى. لم يحل ذلك دون إجراء انتخابات نيابية وفق قانون جديد قسّم الدوائر إلى وسطى، لكنه أحدث دمجاً غير مألوف بين المناطق، تنكّر في بعض الدوائر للإمتداد الجغرافي بسلخ أقضية عن جوارها لإلحاقها بأخرى أبعد، ما لبث أن صدر في 6 كانون الثاني 2000.

خلافاً لانتخابات 1992 و1996، أوحى القانون الجديد بأنه يستوحي إرادة بكركي في تصغير الدوائر، فإذا هو يتوخى أهدافاً أخرى صوّبت على معارضي سوريا كالأحزاب المسيحية، ومعارضي إميل لحود كرفيق الحريري ووليد جنبلاط. دَمَجَ ناخبي بشرّي الموارنة بدائرة يُرجّح كفتها الناخبون السنّة في عكار والضنية، والبترون بدوائر يُرجّح كفتها ناخبون سنّة في طرابلس والمنية وناخبون مسيحيون مؤيدون لسوريا في الكورة وزغرتا. إلا أن البطريرك لم يدعُ إلى مقاطعة انتخابات 2000، مرجّحاً الموقف بين مقاطعة كاملة أو مشاركة كاملة. أدرج وجهة نظره هذه في سياق مواجهة مع سوريا أكثر منها مع حلفائها، إذ لم يرَ فيهم مرة سوى أنماط مذعنة لإرادتها. وضع نفسه في دائرة النزاع لأسباب لم يعد يُقرنها بتوقيت الانتخابات وتقسيم الدوائر والتلاعب بالتحالفات ونتائج الإقتراع، بل ببعد أوسع وأشمل هو أن سوريا تستولي على لبنان وتهدّد استقلاله وسيادته وإرادته الحرّة وخصائص طوائفه، وتعرّض كيانه والوجود المسيحي فيه للزوال.

بدورها نتائج انتخابات 2000 أفضت إلى ما كانت تتوقعه منها سوريا، باستمرار غالبية نيابية موالية لها تمسك بمجلس النواب لضمان إبقاء سيطرتها عليه. بعد أسابيع صنعت الكنيسة المارونية الحدث التاريخي الذي سيرخي ظلاله على السنوات التالية، ويمثّل محطة بالغة الأهمية في رفع سقف المواجهة بينها ودمشق، هو النداء الأول لمجلس الأساقفة الموارنة برئاسة البطريرك في 20 أيلول. هاجم النداء سوريا بعنف غير مسبوق، واعتبر وجود جيشها في لبنان غير مبرّر بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب، داعياً إلى انسحابه هو الآخر تنفيذاً لاتفاق الطائف. انتقد بقسوة تدخّل دمشق في الشؤون اللبنانية وانتقاصها من السيادة الوطنية، ودعا في الوقت نفسه إلى توثيق أحسن علاقات الأخوة بين البلدين. لكن السهم صُوّب كذلك إلى سلاح حزب الله للحجة نفسها. بانسحاب إسرائيل إنتفت المقاومة بدورها، فلا موجب بعد لبقاء ميليشيا خارج قواعد القانون والدولة. إذذاك عزم السوريون على محاصرته داخل طائفته. لا ينسى اللبنانيون نواباً موارنة من الأطراف يقصدون بكركي، كي يصرّحوا عند بوابتها متمسكين بوجود الجيش السوري على الأراضي اللبنانية. مع ذلك لم يتزحزح سيد الصرح.

لم تكن الانتخابات النيابية عام 2005 صورة مطابقة للدورات الثلاث التي سبقتها. طرأت أحداث زلزلت لبنان ووضعته أمام مسار أفقده مرجعية استقراره الأمني والسياسي وإدارة نظامه: صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 (2 أيلول 2004)، تمديد ولاية إميل لحود بضغوط سورية (3 أيلول). إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان. اغتيل رفيق الحريري (14 شباط 2005)، وكرّت سبحة تحوّلات غامضة دفعت لبنان إلى شفير الهاوية: انسحب الجيش السوري (26 نيسان) بعد أسابيع على ولادة تجمّعين سياسيين شعبيين أمسكا بمصير لبنان من غير أن يمتلك أحدهما قوة حسم النزاع مع الآخر. قاداه إلى تخبّط مجهول: قوى 8 آذار ورأس حربتها حزب الله، وقوى 14 آذار التي ضمّت ائتلافاً واسعاً ضم وليد جنبلاط وتيار المستقبل برئاسة سعد الحريري والأحزاب والشخصيات المسيحية المعارضة لسوريا. عاد ميشال عون من منفاه في باريس (5 أيار)، بينما تنامت جهود إطلاق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن .، فخرج في تموز عامذاك بقانون عفو عام من مجلس النواب، نجم عن انقلاب موازين القوى في البلاد رأساً على عقب.

هكذا أقبَلَ لبنان على انتخابات 2005 وفق قانون انتخابات 2000 بلا إبطاء أو تأجيل، انتهت مع خروج سوريا من هذا البلد إلى انتقال الغالبية النيابية من حلفاء دمشق إلى معارضيها. فازت قوى 14 آذاربـ 72 مقعداً في أول انتخابات منذ عام 1992 لا تأثير مباشر فيها لسوريا، ولا يجري الإقتراع في ظلّ جيشها.

كان بطريرك الموارنة في صلب قوى 14 آذار التي تبنّى أفرقاؤها شعارات الكنيسة المارونية منذ نداء 20 أيلول 2000، وتحوّله أباً روحياً مرجعياً راعياً انقلاباً جذرياً في موقفي الطائفتين السنّية والدرزية، من سوريا للمرة الأولى منذ عقود طويلة، أشهَرَتا العداء والضغينة لنظامها، واتهامه بالوصاية على لبنان وتقويض استقلاله واغتياله زعماء هذا البلد ورجالاته. كانتا أكثر المستفيدين من المرحلة السورية في السلطة والإدارة والاقتصاد، وجني المواقع والثروات الطائلة. إذذاك تيقن الكثيرون أن القوى تلك إنضمت إلى مسيرة البطريرك صانع مسار شاق، كان مكلفاً على مرّ السنوات المنصرمة داخل طائفته، المنقسمة على نفسها والحائرة بين موالين لسوريا ومعارضين.

وصل لبنان إلى انتخابات 2009 تحت وطأة توازن قوى سنّي ـ شيعي مثّلته قوتا 8 آذار و14 آذار، حشدت كل منهما مئات الألوف من الأنصار في الشارع. لكن الزعماء المسيحيين انقسموا من حولهما بين منخرط في هذا الفريق أو ذاك. كانت ذروة المواجهة بعد صدامات سنّية ـ شيعية في عدد من أحياء بيروت، انفجار حرب مذهبية في 7 أيار 2008 هدّدت بإعادة لبنان إلى حرب أهلية بين السنّة والشيعة، قادتهما ـ بعدما نجح مسلحو حزب الله في السيطرة على بيروت وتفكيك ميليشيا كان تيّار المستقبل يحاول بناءها ـ وزعماء مسيحيين إلى الدوحة، فأبرموا تسوية موقتة أدرجت في أحد بنودها وضع قانون انتخاب يستمد تقسيم دوائره من قانون 26 نيسان 1960.

بعد أربعة أشهر و12 يوماً على إقرار مجلس النواب قانون الإنتخاب في 29 أيلول 2008، أطلق بطريرك الموارنة أولى صرخات التحذير. استمد القانون تقسيم الدوائر من اتفاق الدوحة الذي أقرّه الزعماء اللبنانيون الـ14 بعد ستة أيام من مناقشات مستفيضة وصعبة، انتهت في 21 أيار 2008. تبنّى القانون القضاء دائرة انتخابية، واعتمد الدوائر الـ 26 التي نصّ عليها قانون 1960 مع تعديلات طفيفة. كانت الدائرة القضاء مطلباً مزمناً لنصرالله صفير منذ انتخابات 1992، وعدّه الأكثر تعبيراً عن تمثيل المسيحيين وإرادتهم في الإختيار لإيصال مرشحيهم إلى البرلمان بأصواتهم، من دون تدخّل ناخبي الطوائف الإسلامية. وجد في أقضية جبل لبنان الشمالي والجنوبي، وفي زغرتا والبترون وبشري والكورة وجزين وزحلة والشطر المسيحي من بيروت الدوائر الأكثر تجسيداً لتمثيل حقيقي للمسيحيين.

على مرّ انتخابات 1992 و1996 و2000 و2005 لم يسعه الحصول إلا على محافظة جبل لبنان وحدها باعتماد الدائرة القضاء فيها. في الظاهر أوحى استثناء الجبل من الدائرة المحافظة إرضاء للبطريرك والمسيحيين المتحلقين من حوله، لحملهم على المشاركة في الانتخابات، رغم تيقّن سوريا من أن الفائزين سيكونون حلفاءها ما خلا خروقاً محدودة. واقع الأمر أن الإستثناء استرضى أساساً وليد جنبلاط لتبديد خشيته من سقوط لائحته في الشوف بأصوات الناخبين المسيحيين، وأخصّهم الموارنة

أول غيث انتخابات 7 حزيران 2009، حديث صحافي لنصرالله صفير في 9 شباط 2009. سأله محاوراه كيف يرى لبنان في حال انتقلت الغالبية النيابية إلى قوى 8 آذار، فأجاب: “يعني في كل الأحوال أن على الجميع تحمّل مسؤولياته. طبعاً السياسة هي يوم علينا ويوم لنا. هناك بعض الأخطاء ربما تكون لها عواقبها الوخيمة. فإذا انتقل الوزن إلى 8 آذار، و14 آذار لم يعد لها وزن، فإن هناك أخطاء سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني”.

لم يحمل البطريرك في هذا الحديث بقسوة على قوى 8 آذار، لكنه بدا مهتماً بتنبيه منافستها قوى 14 آذار إلى خطورة ارتكاب خطأ يجعلها تخسر الانتخابات، ومن ثم تتلقف وزر انتزاع الفريق الآخر الغالبية النيابية منها. حرص أيضاً على الظهور بمظهر عدم الإنحياز بينهما مخاطباً الإثنين معاً، بقول راح يكرّره عشرات المرات في ما بعد، تارة بين هذين الطرفين، وطوراً بعد اجتماعهما في حكومة وحدة وطنية، هو أن هناك حصاناً يشدّ العربة إلى الأمام، وحصاناً آخر يدفعها إلى الوراء. تالياً باتت العربة عاجزة عن الحراك. لم يكن من الصعوبة بمكان عنده الإيحاء بذاك الذي يشدّ العربة إلى الوراء. إنتصرت قوى 14 آذار مجدّداً وحازت الغالبية النيابية، ثم أسرعت في إهدارها، وانتهى بها المطاف ـ كما بنظيرتها قوى 8 آذار ـ إلى التسابق على السلطة وتقاسمها.

انتخابات الرئاسة عام 1988 أول عهد نصرالله صفير في وضع تاريخ لبنان على طريق مسار غير مسبوق. الا ان الانتخابات النيابية عام 2009 كانت آخر معاركه السياسية الكبيرة في الدفاع عن خيارات وقيم ظلت، طوال ربع قرن في ولاية البطريركية، مرآته وحده. في ما بعد راح الآخرون يسعون إلى إبصار أنفسهم فيها عبثاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

3 التعليقات

  • Roy mrad
    حزيران 4, 2019, 4:26 م

    رجل للتاريخ في كل معنا من كلمة

    الرد
  • Anthony Debs
    حزيران 4, 2019, 4:30 م

    ما زلت أؤمن بفصل الدين عن الدولة و لكن مما لا شك فيه أن هذا الرجل ترك بصمة كبيرة في التاريخ اللبناني

    الرد
  • حبيب الحداد
    حزيران 4, 2019, 5:16 م

    دراسة معمقة عن تاريخ البطريركية المارونية تكشف عمق الاطلاع على الموضوع.

    الرد

أحدث المقالات