Search
728 x 90

البرلمانية في أحوالها اللبنانية

البرلمانية في أحوالها اللبنانية

الفصل الثاني من الكتاب الذي اصدره الدكتور داود الصايغ عن دار سائر المشرق تحت عنوان ” لبنان االكبير في المئوية الاولى : بيت من دون سياج” يستعرض فيه الدستور اللبناني الذي مر بمراحل صعبة صمد خلالها بقوة عبر التاريخ منذ وضعه مع ولادة لبنان قبل مئة سنة حتى تاريخ الوصاية السورية على لبنان حيث استهان السوريون في ممارسة نفوذهم باحترام الدستور. ومن بشير الجميل الى فؤاد شهاب وصولا الى ميشال عون فالى النفوذ الايراني في العقد الاخير مسار صعب يتحدث عنه الدكتور الصايغ بعمق التحليل الروائي للاحداث .

داود الصايغ *

إثر اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل في 14 أيلول 1982، قبل أيام من تسلّمه الرئاسة في 23 من الشهر نفسه، حضر وزير خارجية فرنسا كلود شيسون Claude Cheysson إلى لبنان خصيصًا لحضّ الرئيس الياس سركيس المنتهية ولايته على القبول بالتجديد لولايةٍ جديد. فرفض سركيس قائلًا للوزير الفرنسي إن اللبنانيين قادرون على إيجاد حلٍّ لهذه الحالة الطارئة، رافضًا من جهةٍ العبث بالدستور من أجل التمديد ومتطلّعًا إلى ساعة الخروج من قصر بعبدا بعد سنواتٍ وصفها لأحد المقرّبين منه بأنها أكثر من ستين سنة. وهكذا انتهى الأمر يومذاك بانتخاب الرئيس أمين الجميّل.
جميع مشاريع الحلول والوساطات، حتى اتّفاق الطائف عام 1989، مرّت بالدستور الذي كان في أذهان اللبنانيين وأذهان الوسطاء من عربٍ وأجانب، الممرّ الوحيد الواجب لإيجاد الحلول للأزمة اللبنانية، إذ لم يكن أحدٌ يومذاك يتصوّر حلًّا غير ذلك. حتى ورقة التفاهم التي وقّعها الرئيس سليمان فرنجية مع الرئيس السوري حافظ الأسد في شهر شباط 1976 في سبيل إيجاد الحلّ لم تتضمّن أي بند يستدعي تعديل الدستور، وبالرغم من أن الوثيقة تلك حملت اسم “الوثيقة الدستورية”. وكان من الملفت في مسار أحداث تلك الأيام، أن الرئيس سليمان فرنجية، في تلك المفاوضات مثّل المسيحيين اللبنانيين، بينما الرئيس السوري حافظ الأسد مثّل المسلمين اللبنانيين! وهو ما لفت انتباه جميع المراقبين من داخلٍ ومن خارج، وكأنه كان مؤشّرًا أكيدًا لكلّ ما حصل بعد ذلك في استعجال السيطرة السورية التي تكرّست بالمباركة الأميركية المعروفة في كانون الثاني 1976 عبر رسالة وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر Henry Kissinger إلى حكمت الشهابي رئيس الأركان السوري طالبًا إليه التدخّل العسكري في لبنان، كما سيلي لاحقًا، القسم المخصص للعلاقات اللبنانية – الأميركية.
ليس بالقليل في هذا المجال أن يفاخر لبنان بأن دستوره هو أحد أقدم الدساتير المعمول بها في العالم، منذ وضعه عام 1926 وحتى اليوم. وما جرى في الطائف في خريف 1989، كان تعديلًا وليس تبديلًا أو إلغاءً. وهو حصل على كلّ حال في اجتماعات النواب اللبنانيين، ولو خارج المقرّ الرسمي للبرلمان اللبناني.
كان الدستور مهابًا. رعى الحياة السياسية في لبنان منذ وضعه عام 1926 وحتى عام 1990، أي أنه لم يُمسّ على مدى أربعةٍ وستين عامًا، كون قناعةٍ ترّسخت على طول تلك السنوات بأن ولادة الدستور والكيان كانت مزدوجة، بحيث لا يمكن المسّ بالواحد دون الآخر. وهكذا سارت الحياة السياسية في لبنان على وقع نظامٍ برلماني ملبنن، مع الصلاحيات الرئاسية المعروفة والحكومات المتبَدَّلة باستمرار وبخاصةٍ في المراحل الاستقلالية الأولى برضا الجميع.

في البدء كان النظام البرلماني

أُقرّ النظام البرلماني في لبنان في دستور 1926 لأن السلطة المنتدبَة، فرنسا، ووفقًا لأحكام صكّ الانتداب بوجوب إيصال البلد المنتدَب عليه إلى الاستقلال، لم يكن لديها لتقدّمه سوى النموذج الذي كان سائدًا لديها والذي التقى -كما تقدّم- مع تقليدٍ لبناني بانتخاب المجالس في عهد المتصرّفية. وبالرغم من أن المجال لا يتّسع في هذا المقام للإفاضة في الأسباب الموجبة لهذا الاختيار، واستلهام دساتير الجمهورية الثالثة لعام 1875 والدستور المصري لعام 1923 (الذي نقل منه مشترعو 1926 اللبنانيون مبدأ الله العلّي الوارد في المادة التاسعة والذي كان تأثّر بدوره بالدستور الملكي البلجيكي لعام 1831 المستمَدّ بدوره أيضًا من الدستور الملكي الفرنسي لعام 1830، بأن العرش ليس كرسيًا فارغًا).
وُضع الدستور من قبل اختصاصيين لبنانيين وفرنسيين بينهم ميشال شيحا الذي استحضر من الدستور المصري بعض مواده. وهكذا وُضعت الصلاحيات الدستورية الأساسية بين يدَي رئيس الجمهورية، في بلدٍ لم تظهر فيه بعد قوى أو أحزاب سياسية، وانسجامًا مع إرث المفوّض السامي والمتصرّف والأمير اللبناني. هذا بالمختصر، دونما حاجةٍ إلى المزيد لشرح الأسباب الموجبة لاختيار النظام البرلماني اللبناني.
لكن البرلمانية اعتُمدَت قبل ذلك في مصر الملكية عام 1923 وفي العراق الملكي عام 1924 وفي بعض الأوقات في سوريا. على أنه بعكس كلٍّ من سوريا ومصر والعراق حيث لم تدم البرلمانية طويلًا وتبعتها سلسلة انقلابات عديدة، فقد تبيّن أنه بالرغم من العامل الفرنسي الأساسي، ثبت من التجربة الطويلة أقلّه ومن صمود البرلمانية في لبنان، أنها خيرُ ما يناسب اللبنانيين. فقد تأقلم النظام البرلماني مع طبيعة تكوين المجتمع اللبناني بصورةٍ يمكن القول معها إن أي نظامٍ آخر لا يصلح للبنان، بالرغم من المشوّهات العديدة التي لحقت به ولا تزال.
ومع العلّم أن البرلمانية لا تقوم ولا تنجح من دون وجود أحزابٍ سياسية، ومن دون مساءلةٍ بالتالي وتداول للسلطة بين الأحزاب، بصرف النظر عن صلاحيات رؤساء الجمهورية أو الملوك في البلدان التي تعتمدها، إلّا أن لبنان أوجد برلمانية تشبهه، إذ إن عناصر عديدة من عناصر النظام البرلماني في المفهوم الدستوري غير متوفّرة في لبنان، إن على صعيد التوازن بين السلطتَين التنفيذية والتشريعية، أو على صعيد مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، أو على صعيد إمكانية حلّ مجلس النواب.

من النصوص إلى الممارسة

وإن لم يكن من الضرورة محاسبة الحكومات في المجالس النيابية إلى حدّ إسقاطها بسحب الثقة، إلّا أن ذلك لم يحصل مرّةً واحدة في لبنان، إذ كانت الحكومات تتغيّر بسرعة، وبخاصةٍ في المراحل الأولى للاستقلال، وهي لم تستقرّ إلّا مع عهد الرئيس فؤاد شهاب 1958-1964 ومع حكومة الرئيس رشيد كرامي الثانية بالذات التي بقيت حتى آخر ولاية الرئيس فؤاد شهاب، وذلك من 31 تشرين الأول 1961 حتى 20 شباط 1964.
مرّة واحدة فقط في تاريخ لبنان البرلماني كادت الحكومة ألّا تنال الثقة، وهي حكومة الرئيس صائب سلام الثانية في 20 أيار عام 1961، حين لم تنل الثقة سوى بأكثرية صوتَين فقط 46 صوتًا معها و44 صوتًا ضدها يوم كان عدد النواب 99 نائبًا. أما الاستقالات الطويلة وتصريف الأعمال، والعودة عن الاستقالة وتعويم الحكومات فهي ممارسات فرضتها ظروف الحروب ثم الوصاية السورية التي لم تكن لتعبأ بالدستور وبأحكامه، وبخاصةٍ في حالتَي التمديد للرئيسين الياس الهراوي في عام 1995 وإميل لحّود في عام 2004، وهو ما سنعالجه في فصل العلاقات الإقليمية والدولية للبنان. ولكن السؤال الذي يُطرح هنا: هل تحوّل نظام الحكم اللبناني إلى شكلٍ غير معروف الأوصاف؟ وهل أصبح لبنان بلدًا غير قابلٍ لأن يُحكم؟ وهل تحوّل نظام الحكم من برلماني إلى جماعي بحيث أن أي قرارٍ يستوجب موافقة جميع الأطراف؟ وهل هذا ما يفسّر طول مدّة تأليف الحكومات في السنوات الأخيرة من دون أي مبرّر، ومن دون أي اختلافات على البرامج، ولكن في سبيل مصالح أخرى؟
حتى منتصف زمن الحروب كان الدستور لا يزال محترمًا جدًا في لبنان. والرؤساء الياس سركيس (1976-1982) وبشير الجميّل (1982) وأمين الجميّل (1982-1988) ورينه معوّض (1989) والياس الهراوي (1989-1995 ثم 1998) انتخبوا في ظلّ الحروب. لم يتأخّر الاستحقاق الرئاسي يومًا ولم يتأخّر تأليف الحكومة أكثر من أيام، باستثناء الفراغ الرئاسي الطويل إثر نهاية ولاية الرئيس أمين الجميّل الذي أقدم في ظروف الانقسام السياسي والحكومي آنذاك على تعيين أعضاء المجلس العسكري كحكومة انتقالية تمهّد للانتخابات الرئاسية، برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، وذلك في الدقائق الأخيرة السابقة لمنتصف الليل، أي انتهاء الولاية دستوريًا. غير أن العماد عون لم يتشبّه حينذاك بالسابقة التاريخية لدى استقالة الرئيس بشارة الخوري في أيلول 1952، وتعيينه قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيسًا لحكومة انتقالية، مهّدت لانتخاب الرئيس كميل شمعون في 23 أيلول 1952. إذ استمر العماد عون بممارسة صلاحياته حتى بعد استقالة الوزراء المسلمين الثلاثة من الحكومة، فكانت تلك مرحلة المواجهات الكبرى والعنيفة في ما عُرف بـ “حرب التحرير” و”حرب الإلغاء” والتي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

البرلمان المتنقّل

ما بين نهاية عهد الرئيس سليمان فرنجية عام 1976 وبداية تطبيق الدستور المعدّل عام 1991، توالت الحكومات بصورةٍ طبيعية، وإن بتأثيرٍ سوري كانت لا تزال له حدود. وحدها الانتخابات النيابية كانت متعذّرة بسبب ظروف التهجير وعدم إمكانية التنقّل والوضع الأمني الخارج عن سيطرة الدولة والمؤسّسات الدستورية. فبقي المجلس النيابي مستمرًّا منذ عام 1972 وحتى عام 1992 أي طوال عشرين عامًا في التمديد لنفسه بقوانين خاصة تجيز التمديد له كما حصل في آذار 1976 وفي حزيران 1978 وثم في 1980 و1983 و1985 و1987. ولكنه بقي مجلسًا فاعلًا يجتمع لو خارج مقرّه الرسمي في ساحة النجمة، إذ انتقل إلى قصر منصور في محلّة المتحف، حيث جرى انتخاب الرئيس الياس سركيس في أيار 1976 (أي قبل أربعة أشهر من انتهاء ولاية الرئيس فرنجية بعد تعديلٍ خاص) ثم إلى شتورا حيث أقسم الرئيس الياس سركيس اليمين الدستورية، وإلى الفيّاضية حيث جرى انتخاب الرئيسَين بشير وأمين الجميّل، ثم الرئيس رينه معوّض في القليعات في 5 تشرين الثاني 1989، فإلى شتورا حيث انتخب الرئيس الياس الهراوي بتاريخ 24 تشرين الثاني 1989.
كانت الشرعية متنقّلة. وهي كانت في سنوات الحروب ذلك الخيط الرفيع، ذلك الخيط الذهبي الذي تمسّك به الجميع، لإدراكهم بأن لبنان الكيان متعلّقٌ به ويجب ألّا يقطع. وكان تعبير “الشرعية” من أهم ما تمّ التداول به في تلك السنوات الكالحة. وهي تسجَّل لجميع الذين قدّر لهم أن يتحمّلوا المسؤوليات خلالها. الشرعية أي الدستور وأحكام الدستور، أو ما كان بالمستطاع تطبيقه. ولم يكن ذلك بالقليل. ولعلّ الرئيس الياس سركيس كان أكثر من عانى من ذلك الوضع وهو القاضي السابق، ومدير عام الرئاسة السابق، وحاكم مصرف لبنان السابق، الذي ترشّح للرئاسة في أيلول 1970 ضد الرئيس سليمان فرنجية وخسر بفارق صوتٍ واحد، وعاد وترشّح عام 1976 ضد العميد ريمون إدّه وفاز.
كان أكثر من عانى لأنه كان رجل قانونٍ واستقامة. رجلٌ أتاحت له التجربة اللبنانية، وهو العصامي الخارج من صفوف الناس العاديين، أن يتابع دروسه الجامعية وهو يعمل، وأن يتدرّج في الإدارة العامة التي كانت لا تزال متماسكة كإرثٍ ثمين من أيام الانتداب الفرنسي، ويمضي في العمل والتحصيل إلى أن تسنّى لقائد الجيش يومذاك فؤاد شهاب أن يقدّر قرارًا صدر عنه في ديوان المحاسبة برفض معاملةٍ للجيش غير منطبقة على القانون. فكان أن استدعاه إلى الرئاسة غداة انتخابه في أيلول 1958 وعهد إليه بالمديرية العامة لرئاسة الجمهورية.

الستينات: العصر الذهبي

يومذاك، في تلك الأجواء التي كانت لا تزال خاضعة لمقاييس الكفاءة والاستقامة، كان بمستطاع الشباب اللبناني الراغب بالخدمة العامة أن يؤسّس مستقبله من دون اعتبارات طائفية وسياسية، ومن دون حسابات المرجعيات السياسية. وهكذا جاءت إصلاحات عهد الرئيس فؤاد شهاب في إنشاء مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي، إضافةً إلى المنجزات العديدة الأخرى (كهرباء لبنان، البنك المركزي، الضمان الاجتماعي، المجلس التأديبي، المشروع الأخضر وما إليها) لتدعم الدولة. وقد رفع الرئيس فؤاد شهاب شعارًا لعهده “دولة الاستقلال” بعد استقلال الدولة عام 1943.
كان الزمن لا يزال قصيرًا يومذاك، بين الاستقلال وأحداث 1958، أي خمسة عشر عامًا فقط شهدت مع ذلك أزمتَين كبيرتَين ما زالتا مرافقتَين للحياة العامة اللبنانية منذ ذلك الحين، وبالرغم من مختلف التطوّرات. وهما استقالة الرئيس بشارة الخوري في أيلول 1952، وأحداث 1958. والأزمتان تمحورتا حول موضوع لا يزال هو المولِّد الأساسي لكلّ الحركة السياسية في لبنان: رئاسة الجمهورية والانتخابات الرئاسية. الشيخ بشارة الخوري، وهو من ألمع السياسيين اللبنانيين وأقدرهم وأكثرهم ثقافةً ووطنيةً، وقع تحت إغراء البطانة والمنتفعين من عهده، ورضي بتجديد ولايته التي كان يُفترض أن تنتهي عام 1949 ، فازدادت المعارضة إلى حدّ دفعه إلى الاستقالة في 18 أيلول 1952.

وخلفه الرئيس كميل شمعون الذي تولّدت الأزمة إيّاها في نهاية عهده، أي الرغبة بالتجديد، إضافةً إلى عوامل أخرى إقليمية منها الصراع مع الناصرية، ومحاولة الانضمام إلى حلف بغداد، ولكن على خلفية التجديد، فاشتعلت البلاد (بأحداثٍ استوجبت يومذاك، يوم كان لبنان لا يزال يمثّل مصلحةً حيوية للولايات المتّحدة، نزول قوّات المارينز الأميركية على شاطىء الأوزاعي لدعم السلطة القائمة، إزاء الصراعات الداخلية والخارجية).
بيد أن إعادة الأوضاع إلى طبيعتها تطلّبت اتّصالًا أميركيًا – مصريًا تمّ بموجبه الاتّفاق على انتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيسًا للجمهورية، والذي بادر بعد أشهرٍ قليلة من انتخابه إلى الاجتماع بالرئيس جمال عبد الناصر على الحدود اللبنانية – السورية (في زمن الوحدة المصرية – السورية والجمهورية العربية المتّحدة) في آذار 1959 حيث تمّ الاتّفاق بينهما. فاستقرّ لبنان بعد ذلك وأظهرت تجربته أنها قابلة للنجاح. حدث ذلك في مطلع ستينيات القرن الماضي واستمرّ حتى نهايتها تقريبًا، إلى أن نالت منه تداعيات حرب 1967، وتوافُدُ الفلسطينيين إلى لبنان بعد أحداث الأردن سنة 1970، واصطدامات الحكومة الأردنية معهم، مرورًا بسوريا التي سهّلت لهم الانتقال عبر حدود الرمثا.
هكذا افتُتح عام 1970 بأحداثٍ داخلية وإقليمية، الأولى هي نهاية ولاية الرئيس شارل حلو (1964-1970) التي اعتُبرت عن صحٍّ أو عن خطأ تكملةً لولاية الرئيس فؤاد شهاب، الذي كان له القرار في انتخاب سلفه. الثانية هي عدم إدراك الحكم الجديد مع الرئيس سليمان فرنجية وحكوماته الأولى، خطورة استضافة كامل الثورة الفلسطينية على أراضيه وفقًا لاتّفاق القاهرة الذي كان قد وقّع في مطلع تشرين الثاني 1969 بين الدولة اللبنانية ممثّلةً يومذاك بقائد الجيش إميل البستاني وياسر عرفات رئيس منظّمة التحرير الفلسطينية، بإشراف الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وبقي هذا الاتّفاق سرّيًا مبدئيًا، وتولّد عنه نقاشٌ داخلي طويل في مجلس النواب وخارجه، وسجّل يومذاك لعميد الكتلة الوطنية ريمون إدّه كلمته الشهيرة في مجلس النواب: “كيف يمكن لسائق ياسر عرفات أن يعرف بمضمون الاتّفاق ولا يعرف به أعضاء الحكومة ولا النواب”.( )
بتوقيع ذلك الاتّفاق، انتهى زمن الاستقرار في لبنان، إذ دخل لبنان مباشرةً في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، باعتبار أن جزءًا من أرضه الجنوبية أصبح مشرّعًا للعمليات الفدائية ضد إسرائيل. وكانت القوّات الإسرائيلية قد قامت مساء يوم 28 كانون الأول 1968 بغارةٍ على مطار بيروت الدولي، ودمّرت خلالها ثلاث عشرة طائرة جاثمة بمطار بيروت لشركة طيران الشرق الأوسط. وكانت تلك العملية، من وجهة النظر الإسرائيلية ردًّا على الهجوم على إحدى الطائرات الإسرائيلية لشركة “العال”، الذي نفّذته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الناشطة حينذاك في لبنان. فاتّهمت إسرائيل شركة الطائرات اللبنانية بأن هي التي نقلت الفدائيين الفلسطينيين قبل يومَين إلى أثينا للقيام بالاعتداء على الطائرة الإسرائيلية، بتاريخ 26 كانون الأول 1968.
ما يجدر ذكره عن تلك المرحلة أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول آنذاك بفضل نظرته إلى لبنان كصديقٍ تاريخي لفرنسا، ومعرفته الشخصية بلبنان، عبر إقامته فيه لفترتَين قبل الحرب العالمية الثانية وأثناءها، أمر يومذاك بتوسيع قراره السابق بحظر شحن الأسلحة إلى إسرائيل الذي كان قد اتّخذه قبل اندلاع حرب 1967 ليشمل القوارب الحربية التي عُرفت بقوارب “شيربورغ” إدانةً منه للاعتداء على لبنان. وبعد أيام، لدى استقباله أعضاء السلك الخارجي الأجنبي في قصر الإليزيه، وعند وصوله إلى أمام سفير لبنان آنذاك فيليب تقلا، توقّف ليتحدّث إليه أكثر من الوقت المتعارف عليه، ويعرب له عن تضامنه مع لبنان.
وما دام الحديث عن شارل ديغول ولبنان، وهو موضوعٌ تناوله عدد من الباحثين والمؤلّفين، تجدر الإشارة إلى أنه عام 1976، في العام الثاني لاندلاع الحرب اللبنانية، صرّح رئيس وزراء فرنسا السابق في عهد ديغول، ميشال دوبريه Michel Debré قائلًا: “لو كان ديغول حيًّا لما ترك لبنان في حالة التخلّي”.

العقد الذي غيّر الزمن

السبعينيات من القرن الماضي ابتدأت بغير ما ابتدأت به الستينيات. وبعد خمسين سنة يمكن القول إن نتائج أحداثها المتنوّعة والمتتالية لمّا تنته، وقد أفضت، بعد زوال الوصاية السورية، إلى ربط لبنان بالمحور الإيراني. ولكن لبنان، بين ذلك العقدَين أي بين نهاية الخمسينيات ونهاية الستينيات، عاش وازدهر واستقرّ ونما وشعّ وأصبح مصرف الشرق ومصيفه وجامعته ومستشفاه. يومذاك شعّت الأنوار من بعلبك والمصايف اللبنانية بأشهر الاحتفالات الفنّية الغربية والعربية. وبالإضافة إلى إحياء الفولكور اللبناني على أيدي عاصي ومنصور الرحباني وزكي ناصيف وغيرهم من الفنّانين الكبار، وبعد سطوع فيروز وأم كلثوم وصباح بين الأعمدة الخالدة، جاءت فرق موريس جار للباليه Maurice Jarre ومارغو فونتين Margot Fonteyn ورودولف نورييف Rudolf Noorieve وفنّاني المسرح الفرنسي والإنكليزي والأميركي والمغنّي جيلبير بيكو Gilbert Bécaud وغيره. ومتابعو نشاطات تلك المرحلة لا ينسون تلك الليلة “ليلة الأسرّة البيضاء” التي بدأت في قصر بيت الدين، وانتهت بين الأعمدة حيث حضرت سيّدات المجتمع بأناقتهن مع خيوط الشمس الأولى.
ولكن هل يقاس تاريخ بلدٍ من البلدان وتجربته بعقدٍ واحد من الزمان. ذلك هو السؤال الذي ما زال يتردّد في عقول المؤمنين بالتجربة اللبنانية. نعم لقد أثبتنا قدرتنا على النجاح، ولكن ذلك حصل يوم تلاقت الإرادات الداخلية الواعية والصلبة معًا، مع المحيط الإقليمي الداعم لهذه التجربة، وامتناعه عن التدخّل والعبث في الداخل فهل انتهى ذلك الزمن مع مطلع سبعينيات القرن الماضي؟

داود الصايغ دكتور دولة في الحقوق من جامعة السوربون، وصاحب نشاطات متعددة في الحقل العام. صدر له عن دار النهار: النظام اللبناني في ثوابته وتحولاته (2000)، لبنان والعالم بين الدور والضرورة (2002) لبنان ثورة الحرية الدائمة(2011)، ومن بين لبنان وسوريا(2012)، وعن دار سائر المشرق: وجه لبنان في عواصف الشرق (2018).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات