Search
728 x 90

البدائل المرّة للتضييق الاميركي على ” حزب الله” 

البدائل المرّة للتضييق الاميركي على ” حزب الله” 

ما هو ثمن تسليم حزب الله سلاحه والتخلي نهائياً عنه؟ وما هي كلفة تحوّله حزباً سياسياً صرفاً من دون سلاح؟ الكلام الاميركي في هذا الصدد لا يريح لبنان ولا يلقى صدى ايجابياً في الواقع اللبناني.

سليم مبارك 

بالنسبة الى المسؤولين الاميركيين الذين يعتبرون ان الولايات المتحدة حققت هدفا مهما في الضغوطات والعقوبات التي فرضتها على ايران ومعها على ” حزب الله” بحيث غدا الاخير يطالب بدعم مالي من مناصريه وابناء الطائفة الشيعية كما قال اخيرا المبعوث الأميركي الخاص لشؤون إيران والمستشار الأعلى لشؤون السياسات في وزارة الخارجية براين هوك، فإن الامر لا يبدو بهذه البساطة من العاصمة اللبنانية وبالنسبة الى اللبنانيين.

فالديبلوماسي الاميركي اعتبر ان الحزب كان دائما النموذج المفضل بالنسبة الى ايران وهي تسعى الى تكراره خصوصاً ان هذا الاخير يحصل على 70 في المئة من موازنته من ايران التي كما قال هوك ” لديها رؤية مختلفة بالنسبة الى لبنان وتريد ان تراه يقع تحت سيطرتها”. هذا الكلام ينطوي على الكثير من الدقة انما مع فارق جوهري قد لا يتفق فيه غالبية من اللبنانيين مع الديبلوماسي الاميركي الذي قال ” انها المرة الاولى في تاريخه التي يطالب بها الحزب بدعم مالي بشكل علني”.

فمن جهة هناك مشهد اعتاده اللبنانيون في مراحل مختلفة من الماضي القريب حيث كانت تنتشر الحواجز الشبابية عند مفاصل اساسية من العاصمة طلباً للدعم المالي للحزب تحت شعارات او اسماء مختلفة، وهناك من جهة السؤال الذي يثيره احتمال الضغط الاميركي بمعنى انه اذا كان سيؤدي فعلا الى تخلي الحزب وايران عن مقاربتهما المثيرة للاستفزاز الاميركي وسواه من حيث الاستمرار في التسلح وتقوية الحزب وما الذي ترتقبه واشنطن من ذلك ؟ هل تتوقع ان يرضخ الحزب مثلا ويتحول حزباً سياسياً ويسلّم اسلحته طوعاً الى الدولة اللبنانية او هل سيبحث عن مصادر تمويل بديلة كما في دعوة الامين العام للحزب الى طلب الدعم المالي من مؤيديه او اي سبيل اخر اذا كان لا يزال يحتاج الى الاموال من اجل تغذية خزانته ودعم مسلحيه؟

بالنسبة الى اللبنانيين الذين شهدوا على اندفاع للحزب في الواقع السياسي الداخلي على نحو اكثر شمولية مما لجأ اليه الحزب بعد خروج القوات العسكرية السورية من لبنان في نيسان 2005 بعد اكثر من ثلاثة عقود من الوصاية بأساليب ترغيبة وترهيبية احياناً وتعطيلية احياناً اخرى بحيث نجح في ايصال مرشحه لرئاسة الجمهورية العماد ميشال عون بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي ، نجح الحزب بواسطة حلفائه في فرض قانون انتخاب سمح له بالسيطرة على الاكثرية النيابية وتالياً على الاكثرية الحكومية ايضاً.

وازاء نجاحه ايضاً في فرض الوزارات التي ارادها بما فيها وزارة الصحة، فإن المفاخرة الاميركية بالتضييق على الحزب الى درجة الاستشهاد بطلب الدعم المادي علناً يقابلها انخراط سياسي اكبر للحزب في الواقع السياسي يصل الى درجة السيطرة على القرار السياسي وعلى مفاصل السلطة ككل. وهو نجح في القيام بذلك في موازاة الاحتفاظ بسلاحه معلناً في احدى المناسبات الاخيرة وهي يوم القدس الذي تحتفل به ايران والحزب، انه يمتلك الصواريخ الدقيقة لكن حتى الان من دون انشاء مصانع لتصنيعها في لبنان.

وهذا المقدار من السيطرة على الواقع اللبناني الذي قال هوك ان ايران تسعى اليه تحقق بشكل كبير حتى الان في الوقت الذي لم يتخلّ الحزب عن سلاحه وبحيث ان اي مرحلة ستشهد تفاوضاً ربما بين اميركا وايران او اي تسوية اقليمية ستفترض انتهاء مفاعيل سلاح الحزب فإنما سيكون لقاء اثمان ستدفع الى الحزب والى ايران معه في المقابل.

وهذا التطور في الخط البياني لواقع الحزب حصل على خلفية اضافية قضت بانخراط ايران والحزب في سوريا من اجل انقاذ نظام الرئيس السوري بشار الاسد على نحو يهدد الى الاحتمال القوي بأن نماذج شبيهة للحزب ستقيمها ايران في سوريا كما فعلت في العراق مع الحشد الشعبي ومع حزب الله العراق وفي اليمن مع الحوثيين.

وهناك اوهام بأن اي تسوية دولية بين روسيا والولايات المتحدة مع دول اقليمية او دول غربية ستؤدي عملانياً الى انهاء الوضع الايراني في سوريا الذي سيغدو متجذراً كما في لبنان . وهذا التجذر الذي يلبس لبوس اهل البلد واحد ابرز طوائفه ليس كاحتلال يمكن طرده كما حصل بالنسبة الى خروج القوات السورية من لبنان علماً ان خروج هذه الاخيرة ترك اثاراً كثيرة على وقع التغيّرات البنيوية التي احدثتها الوصاية السورية في الصيغة الداخلية سياسياً واجتماعياً وطائفياً.

يدفع الاميركيون في مقابل التضييق على ” حزب الله” وحض الدول الحليفة لها على تصنيفه ارهابياً بشقيه السياسي والعسكري على رغم تأكيده مراراً انه واحد لا تمييز فيه، في اتجاه الضغط على الدولة اللبنانية من اجل منع الحزب من الانخراط او وضع اليد على مرافقها الحيوية بما يؤمن له الاموال البديلة من الدعم الايراني او مما تعتبره الولايات المتحدة توظيفاً في المخدرات والتجارة الممنوعة في اميركا الجنوبية.

لكن واشنطن تدرك جيداً ان الحزب يضع يده على مرافق اساسية لا تستطيع الدولة المسّ بها ويعطي مسؤولون نموذجاً بسيطاً على ذلك هو عدم مساس المسؤولين في مناقشتهم للموازنة والتقشف في ابوابها، المسَ بوزارة الصحة بأي شكل من الاشكال. ولا يعود ذلك الى الاهمية التي تتمتع بها هذه الوزارة من حيث التقديمات الواجبة عليها للبنانيين بل لأن السبب ان اي فريق سياسي يستخدم هذه الذريعة من اجل عدم المس بموازنة وزارة اساسية بدت في عهدة حزب الله.

في توقعات ابعد مدى من اللحظة الراهنة ، فإن الثمن في حال تحّول حزب الله حزباً سياسياً صرفاً من دون سلاح لن يكون بأقل من تغيير صيغة الحكم في لبنان على اساس نسف الدستور الحالي وتغييره لتثبيت او تكريس المكاسب التي حققها الحزب لطائفته وله خلال ما يقارب خمسة عشر عاما.

ينقل عن متصلين بالادارة الاميركية ازاء مناشدتها عدم الضغط على لبنان كثيراً بسبب الحزب مخافة كسر تركيبته الهشة جداً على الصعيد السياسي والاقتصادي في شكل خاص، ان واشنطن لا تريد سوى تحول الحزب الى حزب سياسي والكف عن لعبه دوراً عسكرياً وامنياً.

والثمن سيكون بالنسبة الى لبنان كبيراً انذاك في حال ورود هذا الاحتمال لان صيغة البلد وتوازناته ستشكل خللا كبيرا باعتبار ان الحزب لن يسلمّ السلاح الا لسلطة تكون سلطته في الدولة. وربما لن تجد الولايات المتحدة حرجاً في ذلك في ظل المفاوضات القائمة منذ بعض الوقت بينها وبين تنظيم طالبان في افغانستان مثلا في حين ان واشنطن طاردت هذا التنظيم وحاربته لسنوات.

وهو نموذج لا يسمح بالنسبة الى كثيرين الوثوق بوجوب الاصطفاف الى جانب الولايات المتحدة في موقفها من ايران والحزب لئلا يدفع هؤلاء الثمن حين تجلس واشنطن وطهران الى طاولة المفاوضات او تسلم اميركا لطهران بالثمن الذي تريده لقاء تحول حزب الله حزباً سياسياً.

ولكن الاهم ان لبنان قد يكون تبدل كلياً وكذك الحال في سوريا بحيث ان الكلام الذي يتحدث عن عدم قبول اسرائيل بحزب الله على حدودها لا يجد اي صدى ما دام الواقع الراهن المستمر منذ العام 2006 يشهد على هذا الاحتمال من دون اي كلفة فعلية للطرفين تماما كما حصل بين النظام السوري واسرائيل لعقود في الجولان على رغم العداء بينهما.

ولهذه الاسباب لا يبدو الكلام الاميركي مريحاً اوبصدى ايجابي في الواقع اللبناني علماً ان البديل اي بقاء الحزب مع سلاحه ليس بالحل الافضل كذلك .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات