Search
728 x 90

الانهيار اللبناني بين السياسي والاقتصادي 

الانهيار اللبناني بين السياسي والاقتصادي 

الواقعان الماليان التركي واللبناني متشابهان الى حد بعيد. لكن اذا سارعت قطر لمساعدة انقرة، فإن ما من مساعدات خارجية في الافق اللبناني. من هنا، اضطرار حزب الله الى القبول بالاستعانة بصندوق النقد الدولي. لكن هل الوصول الى هذه النتيجة سيدفع بالقائمين بها للمزيد من الضغوط للحصول على تنازلات اكبر؟

لا يمكن لاي مراقب ان يغفل تطوراً مهماً في الاونة الاخيرة تمثل في مبادرة قطر الى انقاذ الليرة التركية من تسارع الانهيار بمبلغ 10 مليارات دولار. فتركيا التي تواجه ازمة على غرار ما يواجه لبنان وسوريا وايران ايضاً من انهيار متسارع في العملة الاجنبية لجأت الى طلب المساعدة وطلب مقايضة العملات مع دول مجموعة العشرين وفي مقدمها الولايات المتحدة الا انها لم تتلق اي رد على مطالباتها فلجأت الى الصين وقطر التي وافقت على رفع حجم تبادل العملات لها من 5 مليارات الى 15 مليا ردولار.

ويشبه الواقع التركي الواقع اللبناني من زوايا متعددة لجهة المحاولات التي تبذل بعد تراجع صافي احتياطات المصرف المركزي من اجل منع المزيد من انهيار العملة الوطنية مع فارق لافت ان لبنان لا يستطيع الحصول على مليار واحد من الدول العربية لمساعدته في ازمته بما في ذلك قطر التي كانت وعدت لبنان بمبلغ 500 مليون دولار لكن من دون تنفيذ وعدها. وذلك فيما الدول الخليجية الاخرى تمتنع عن المساعدة لسبب رئيسي يتصل بسيطرة ” حزب الله” الذي يعتبر الذراع الاهم لايران في المنطقة على القرار اللبناني وعلى الحكومة.

ويمكن بسهولة متابعة الاثر البالغ للانهيار المالي في لبنان على العملة السورية ايضاً في الاشهر الاخيرة في ظل استنزاف الاقتصاد السوري للاقتصاد اللبناني كذلك ، لكن هذا سبب اضافي ربما يتعين على لبنان المعاناة منه لعدم اتاحة الدول القادرة مد النظام السوري بأي دعم ما دام متعنتاً في التوجه بجدية الى حل انتقالي سياسي وذلك على رغم اتصال هاتفي من ولي عهد ابو ظبي محمد بن زايد آل نهيان في 28 اذار الماضي بالرئيس السوري في اول اتصال يحصل من زعيم خليجي منذ بداية الانتفاضة السورية بذريعة مساعدة سوريا في مواجهة تفشي وباء كورونا. وكانت سوريا في ذلك الوقت لم تكن شهدت اي تفشي كما سائر البلدان ولم تعان حتى على نطاق ضيق على رغم استمرار المخاوف الدولية في هذا الاطار فيما عزي الاتصال الاماراتي الى التوتر القائم بين الامارات وتركيا على خلفية جملة مسائل اقليمية. فيما لم يتأخر موقف اميركي غير محبذ لاي انفتاح محتمل على النظام السوري او مساعدته.

وجوهر الموضوع في هذه النقطة ان القرار السياسي حاسم لجهة امكان مساعدة لبنان او عدم مساعدته ربطاً بمجموعة عناصر معلنة تتصل بإجراءات اصلاحية جذرية في الحوكمة الادارية ومكافحة الفساد يعتقد انها تؤدي حكماً الى اصلاح سياسي يقلل من حجم تأثير ” حزب الله” على لبنان.

وعلى رغم التوجه الذي نصحت به دول عدة لبنان من اجل توفير السبل لانقاذه اقتصادياً ومالياً من خلال مناقشة خطة اصلاحية مع صندوق النقد الدولي، فإن السقف الذي باتت عليه الامور والتي اضطر في ضوئها الحزب الى القبول بالتوجه الى الصندوق يظهر ضغطاً لا مجال للتراجع في شأنه اقله في المرحلة المقبلة.

يقول مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد شينكر لصحيفة ” الشرق الاوسط” ان “المؤسسات المالية الدولية تفضل الإصلاح الاقتصادي، فهذا يؤدي تلقائياً إلى إصلاح سياسي، وتنخفض فرص الفساد إن كان في قطاع الاتصالات، أو الطاقة، أو الكهرباء أو المرافئ والجمارك، وكل الحدود اللبنانية”. واوضح ان “لصندوق النقد الدولي شروطه، وسنرى إذا كانت هذه الحكومة قادرة على تجاوز عدم رغبة حزب الله في الإصلاحات، الحزب يريد أن يبقى النظام كما هو”.

ثمة نقطة اساسية قد يكون ما قاله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يسلط الضوء على ما يعتبره كثر صراعاً يدفع ثمنه لبنان ايضاً يضاف الى العوامل الاضافية الداخلية المؤثرة في الانهيار. قال جنبلاط ان “هناك حرباً اقتصادية اميركية إيرانية على أرض لبنان، وقد اتصلت بجيفري فيلتمان( السفير الاميركي السابق في لبنان والذي يتابع عن كثب الوضع اللبناني على رغم مغادرته الادارة الاميركية) بعد الثورة وقلت له انه اذا كانت الادارة الاميركية تعتقد انها بالعقوبات على حزب الله تضعفه، فهذا خطأ، فهو لن يضعف، والشعب اللبناني سيكون المتضرر”.

هناك كثر يعتقدون ان لبنان يذهب بجريرة الحزب الذي يعتقد بدوره انه يستطيع الصمود وتجاوز العقوبات وحتى الانهيار المالي على عكس لبنان الدولة والشعب. وهو المنطق الذي تفاخر به الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله ابان انتفاضة 17 تشرين الاول في معرض اعتباره ان هذه الانتفاضة انما تتم بتحريك اميركي وانها تستهدفه فيما انه حذر من ان الانتفاضة تسرّع الانهيار الذي يستطيع كحزب الصمود في وجهه وشروط الصندوق. لكن مع التداعي الاقتصادي والمالي الحاصل يصعب الجزم بأن هذا العنصر هو في مصلحة الحزب ولا سيما ان الانهيار في سعر صرف العملة اللبنانية وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية طاولت بيئته كما كل الشعب اللبناني. لا بل ان الحزب الذي هو جزء اساسي من حكومة تصنف بأنها حكومة ” اللون الواحد” نسبة الى انها تضمه وحلفاؤه فقط اضطر الى القبول بالاستعانة بصندوق النقد الدولي من اجل التفاوض معه على سبل مساعدة لبنان وان كان لا يزال يشترط عدم الخضوع لما يمكن ان تكون شروط الصندوق.

هذه النتيجة يفترض انها مشجعة لتجاوب الحزب مع الضغوط لئلا يتحمل مسؤولية تجويع الناس حتى لو كان الشعب هو بمثابة اضرار جانبية او مباشرة في كل حرب اياً تكن طبيعتها. والسؤال تبعا لذلك، هل الوصول الى هذه النتيجة يدفع بالقائمين بها للمزيد من الضغوط للحصول على تنازلات اكبر ولا سيما ان الاثمان التي دفعها الناس كبيرة جداً ولم يعد يجوز التراجع على قاعدة انها ستؤتي بنتائج افضل للبنان ام لا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات