Search
728 x 90

الانزلاق الخطير في لبنان اقتصادياً فسياسياً

الانزلاق الخطير في لبنان اقتصادياً فسياسياً

لبنان ينزلق الى وضع خطير جداً قد يغدو في وضع اكثر خطورة اذا تم السعي الى اطاحة رئيس الجمهورية في هذه المرحلة باعتباره ورقة لا يمكن لـ حزب الله خسارتها في هذه الظروف على الاقل، كما السعي الى اجراء انتخابات نيابية مبكرة قد تهدف الى انتزاع الاكثرية النيابية من يده.

وقف لبنان بعيد الانتفاضة التي انطلقت في 17 تشرين الاول 2019 امام معضلة الوصول الى انهيار اقتصادي ومالي تسارعت وتيرته مع ازمة المصارف التي اقفلت ابوابها امام اللبنانيين وفرضت تقييدًا على سحب اموالهم، لكنه وبعد ثلاثة اشهر على استمرار هذه الانتفاضة يقف امام مشكلة سياسية كبيرة تتمثل ظاهرياً في العجز عن تأليف حكومة جديدة.

لكن المأساة ان هذا العجز يأتي على خلفية وجود الكرة في ملعب تحالف الاكثرية النيابية التي تتألف من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه من تكتل ” لبنان القوي” والثنائي الشيعي الذي يضم رئيس مجلس النواب نبيه بري و” حزب الله”، بحيث يتوقع ان تأتي بحكومة تضم هؤلاء ومن يدور في فلكهم في ما يطلق عليه تسمية حكومة اللون الواحد اي لون المحور الاقليمي الذي يدور في فلك ايران.

وهو امر يثير اسئلة كبيرة حول مدى الاحتضان المحلي لحكومة مماثلة على المستويين السياسي والشعبي وكذلك عن مدى الاحتضان الاقليمي والدولي لحكومة يشكل جوهرها “حزب الله” المصنف ارهابياً من الولايات المتحدة والدول الخليجية والتي انضمت اليهم بريطانيا اخيرا. والاحتضان مهم في ظل احتمالات الانهيار المالي والاقتصادي على نحو يخشى معه الحزب ان يقع على عاتقه في حال لم تستطع الحكومة ان تقوم بما يتعين عليها القيام به للحصول على دعم خارجي مالي.

بالنسبة الى البعض ليس واضحاً اذا كان هبوط الرئيس التنفيذي السابق لتحالف رينو نيسان وميتسوبيشي كارلوس غصن الذي فر من اليابان فيما كان ينتظر محاكمته هناك بتهمة التهرب الضريبي والفساد، سينعكس ايجاباً على وطنه الام لبنان، علماً ان غصن يملك جواز سفر فرنسياً وآخر برازيلي يعتبر امراً ايجابياً في زمن ابرز ما يحتاج اليه لبنان لخبرات اقتصادية ودعم مالي كبير ايضاً.

لكن في عز تمسك الثنائي الشيعي بالرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة وقبل رسو التسمية النهائية لرئاسة الحكومة على حسان دياب الاكاديمي في الجامعة الاميركية في بيروت، كانت الذريعة لهذا التمسك بأن الحريري الاقدر وربما الاوحد في الظروف الراهنة على توظيف علاقاته واتصالاته من اجل الحصول على دعم عربي خليجي، وهو من يحظى بالثقة في اسلوب مخاطبته المؤسسات المالية الدولية.

تدفع التطورات الى التساؤل حول ان واقع التخلي عن الحريري تمّ بعد بدائل استطاعت الحصول عليها الاكثرية النيابية التي تضم الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والثنائي الشيعي المؤلف من الرئيس نبيه بري و” حزب الله.

قبيل التخلي عن رئاسة الحريري للحكومة، زار وزير الخارجية جبران باسيل قطر فيما ذكرت وكالة الانباء القطرية ان اتصالا اجراه عون بأمير قطر وفهم منه ان هذه الاخيرة قد تساعد لبنان مالياً من خلال ودائع في المصرف المركزي او شراء سندات خزينة لبنانية. وفي الواقع فإن وزير خارجية قطر ومسؤولين آخرين تحدثوا عن درس بلادهم امكان مساعدة لبنان والحؤول دون انهياره المالي والاقتصادي.

ويفسر الاعتماد او الاطمئنان لهذا العامل الجديد الذي دخل على المشهد السياسي اللبناني المزيد من التأخير والتمادي في المناكفات من ضمن الصف الواحد، اي الاكثرية النيابية حول الحصص الحكومية، فيما ان هذه الاكثرية بالذات لا تحظى بأي تعاطف خليجي نتيجة انحيازها الى محور ايران، وهو امر يدفع الى التساؤل عن موقع لبنان المقبل في سياق الكباش او الصراع الاقليمي علماً ان اي مصالحة لم تجر بعد بين المملكة السعودية والامارات العربية من جهة وقطر من جهة ثانية. هل يجعل هذا الامر لبنان منخرطاً فعلياً في المحور المنحاز الى ايران ؟ وكيف ستتمكن الحكومة من الحصول على مساعدات او ضمان الثقة الخارجية بها فيما هي لا تمثل سوى اكثرية التيار العوني و” حزب الله”؟

ثمة عوامل طمأنت هذه الاكثرية لتوافر المساعدات الخارجية نتيجة الموقف الاميركي الذي عبر عنه نائب وزير الخارجية الاميركية ديفيد هيل لدى زيارته الى بيروت في 19 كانون الاول المنصرم حيث تتحدث المعلومات عن عدم تمسك واشنطن بأن تكون الحكومة برئاسة الحريري او قوى 14 آذار واطلقت يد الاكثرية النيابية في تأليف حكومة من التكنوقراط.

وهذا اثار تساؤلات في الاوساط اللبنانية باعتبار ان الاميركيين يجب ان يعرفوا ان حكومة التكنوقراط بعيدة من الحقيقة وان من ستضمهم هم من ستسميهم احزاب او اطراف الاكثرية النيابية اي الثنائي الشيعي وحزب الله في اساسه والتيار العوني المتحالف معه. ونجاح هؤلاء الافرقاء في تأليف حكومة من التكنوقراط بحيث ترضي اللبنانيين الذين انتفضوا في الشارع منذ 17 تشرين الاول الماضي من شأنه ربما ان يتيح مدّ الخارج يد المساعدة للبنان لعدم رغبته في حصول انهيار مالي وافلاس كبير.

الا ان ردود الفعل الاولية على الحكومة بدت سلبية جداً ما زاد التعقيدات امام الاكثرية النيابية التي تعثرت في اظهار وحدة تضامنية من اجل تأليف حكومة طوارىء انقاذية فيما باتت تفتح كوّة ولو صغيرة امام مطالبات تتحدث عن ضرورة رحيل رئيس الجمهورية من ضمن آلية تتضمن تأليف حكومة جديدة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية على ان تجرى انتخابات نيابية مبكرة تعيد انتاج السلطة التي فقدت شرعيتها بالنسبة الى اللبنانيين.

وكانت صدرت بعض الاصوات التي تطالب برحيل رئيس الجمهورية الذي يرى كثر ان عهده انتهى ولم يعد يمكنه من موقعه ادارة البلد . وهو امر بادر البطريرك الماروني بشارة الراعي الى رفضه ردا على سؤال صحافي لكن الواقع ان سياسيين كثرا يرون ان لا مجال لان يستمر عهد عون حتى نهايته في ظل وضع مماثل علماً ان الامر ينطوي على صعوبات جمّة ومخاطر كبيرة.

يذكر البعض بالتحذير الذي بادر اليه الامين العام لـ” حزب الله” السيد حسن نصرالله بعد اقل من اسبوعين على انطلاق الانتفاضة بإعلانه 3 لاءات : لا لإسقاط الحكومة ولا للمس برئاسة الجمهورية ( علما ان عون كان مرشح الحزب وهو عطل معه حصول انتخابات رئاسية لمدة عامين ونصف حتى فرض انتخابه للرئاسة) ، ولا انتخابات مبكرة .

كانت هذه اللاءات رداً على مطالب الانتفاضة التي رفعت شعار ” كلن يعني كلن” اي اسقاط كل الطبقة السياسية لكن رئيس الحكومة سعد الحريري ما لبث ان اعلن استقالة حكومته متجاوباً مع الانتفاضة وهو ما كفل له غضباً من تحالف الاكثرية فيما ان العراقيل لتأليف الحكومة الجديدة تظهر ان ما قاله نصرالله يكتسب ابعاده من الرفض الذي اعلنه ضمن لاءاته.

وهذا يعني عملانياً ان اي اسقاط لرئيس الجمهورية سيفتح الباب على مخاطر اكبر خصوصاً في ظل ما يعتقده الحزب انه في وضع حصار يشتد عليه بقوة لخنقه خصوصاً بعد اغتيال الجنرال الايراني قاسم سليماني، والذي وجه اغتياله ضربة قاصمة لايران وللتنظيمات الموالية لها في المنطقة.

يمكن القول ان لبنان الذي ينزلق الى وضع خطير جداً قد يغدو في وضع اكثر خطورة اذا تم السعي الى اطاحة عون في هذه المرحلة باعتباره ورقة لا يمكن للحزب خسارتها في هذه الظروف على الاقل. وينسحب ذلك على رفض الانتخابات النيابية المبكرة بما تعنيه من سعي الى انتزاع للاكثرية النيابية من يد ” حزب الله” ، اقله وفق ما يفهمه من الانتفاضة التي ادرجها منذ بداياتها في خانة خدمة اهداف الاميركيين.

اما الثمن الذي سيدفعه اللبنانيون فهذا امر آخر مختلف كلياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات