Search
728 x 90

الانتفاضة اللبنانية خسرت روحها!

الانتفاضة اللبنانية خسرت روحها!

هل فقدت الانتفاضة روحها على الطريق فيما واقع الحال يشي بأن مطالب المتظاهرين لن تُنفذ فعلياً لأن النظام الطائفي اللبناني كفيل بتذويب اي انتفاضة محقة، اياً يكن الثمن على مستقبل البلد او على مستقبل ابنائه ؟ 

على رغم استمرار الانتفاضة في لبنان، والتي اطلق عليها البعض وصف الثورة منذ 17 تشرين الاول الماضي، فإن مشهد اطلالة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مساء 31 تشرين الاول لالقاء كلمة في الذكرة الثالثة لانتخابه متحدثاً عن انجازاته ومطلقاً الوعود للبنانيين المنتفضين على الطبقة السياسية – فيما ان هذه الكلمة قوبلت في الشارع بالمزيد من التظاهرات والحشود رفضاً لاداء يتكرر- هذا المشهد اعاد الى الاذهان بقوة صورة الزعماء العرب في بداية الثورات التي انطلقت تحت عنوان ما سُمّي الربيع العربي.

مما لا شك فيه ان للبنان خاصية تختلف عما حصل في الدول العربية المجاورة كما انه من المبكر الجزم بأن هذه الانتفاضة ستأتي ثماراً نتيجة استمرارها وعدم تساهلها في مطالبها او انها ستحبط نتيجة المساعي القوية لمواجهتها بالشارع الموالي للزعماء والمؤيد لهم، الا ان ما لا يمكن تجاهله في الوقت نفسه انها احدثت زلزالاً في المشهد السياسي لم يكن في الإمكان توقعه وفق احسن السيناريوهات الممكنة.

بداية يمكن القول ان الطبقة السياسية في لبنان المتجذرة اقله وفق قياداتها الحالية منذ 40 سنة، اللهمّ باستثناء رئيس الحكومة سعد الحريري الذي اتى الى السياسة بعد اغتيال والده الرئيس رفيق الحريري في العام 2006، قد تعرضت كلها لاهتزازات عميقة في تمرّد صارخ من القواعد اللبنانية على قياداتها.

والمفاجأة الاكبر في هذا المجال كانت في وسط الطائفة الشيعية على خلفية انها الطائفة الاكثر ولاءً لقياداتها والاكثر طواعية وانضباطاً تحت سقفهم بحيث اثارت الحملات التي شنت ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري انزعاجاً كبيراً لديه لعدم توقعه ردود فعل مماثلة من ابناء الجنوب في شكل خاص كما ان الحملات التي طاولت قواعد ” حزب الله” كانت الاكثر اثارة للمفاجأة.

وطبعا تمّ الردّ على هذا التمرد او الانقلاب وفق ما اعتبره البعض عبر غزوات ضد المنتفضين في ساحة رياض الصلح، احدى الساحات الاساسية للمنتفضين في وسط بيروت ، كما في الشوارع المؤدية اليها. وتم السعي عبر ثلاث اطلالات تلفزيونية للامين العام لـ” حزب الله” السيد حسن نصرالله خلال 15 يوماً فقط من عمر الانتفاضة الى استخدام اسلوب الترغيب والترهيب والاقناع والردع لوقف زخم الانتفاضة. لكن النجاح الجزئي في ذلك بعد اسبوعين لا ينفي واقع ان القواعد الشيعية اظهرت جرأة كبيرة في التمرد على زعاماتها والتلاقي مع اللبنانيين من الطوائف الاخرى على اهداف ومطالب واحدة.

وبمقدار ما يُعدّ هذا الامر ايجابياً على مستويات عدة، فإن المخاطر تكمن في المرحلة المقبلة حول سبل اعادة الجنيّ الى القمقم او اضطرار الزعامتين الشيعيتين الاساسيتين الى اجراء مراجعة نقدية عميقة بعيداً من الاتهامات التي سيقت حول تدخل سفارات اجنبية دعماً للانتفاضة او تمويلها.

ولا يمكن تجاهل عاملين في هذا الاطار، احدهما هو تدخل المرشد الايراني علي خامنئي على خط الانتفاضة الحاصلة في لبنان وربطها بما يحصل من انتفاضة ايضاً في العراق تدفع في شكل خاص وفي وجهها الشيعي الغالب على التحرك الشعبي في اتجاه خروج ايران من العراق. والخامنئي نصح باتباع آليات التغيير التقليدية ردعاً لإطاحة المنتفضين في لبنان والعراق قياداتهم التقليدية في ظل احساس بالخطروربما بما تعتبره ايران مؤامرة تطاول نفوذها في العراق ولبنان على هذه الخلفية.

وليس سهلا عدم ملاحظة اهتزاز الحليف الاساسي للحزب في لبنان المتمثل برئيس الجمهورية وتياره والذي اعتبر بدوره ان هناك محاولة انقلاب عليه من اجل اسقاطه. اذ ان المنتفضين الذين حملوا على كل الطبقة السياسية مطالبين برحيلها، ومن بينهم رئيس الجمهورية، كانوا اشد قسوة في اتجاه صهر رئيس الجمهورية وزير الخارجية جبران باسيل باعتباره الاكثر استفزازاً للبنانيين من حيث خطابه واستعلائه وتصرفه كرئيس ظلّ للجمهورية. والاهتزاز العميق الذي اصاب تيار رئيس الجمهورية تمثل في تمزقه وتشتته بين افراد عائلته نفسها الذين ظهرت انقساماتهم الى العلن .

وجدت انتفاضة اللبنانيين دعماً غير مسبوق من الجامعتين الاهم في لبنان هما الجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية فيما ان القيادات الروحية حاولت مجاراة مطالب الناس ومواكبتها وكذلك فعلت قيادات سياسية قفزت بسرعة الى مركب الاحتجاجات والتظاهرات فكانت من بين محركاتها الاساسية خصوصاً في المناطق ذات الغالبية المسيحية.

وهو ما ادى الى زيادة التخوف الشيعي والعوني من تحرك اميركي وسعودي على خط دعم معارضيهما لتغذية المنتفضين. لكن الدعم الاعلامي والشعبي والاكاديمي وكذلك السياسي الذي حصل عليه المنتفضون يخشى ان يذهب هباءً في ظل استدراك القيادات السياسية لما حصل وقيامها بهجوم مضاد دفاعاً عن مصالحها ومكاسبها ومنعاً لاي تغيير او للحد من اضراره في احسن الاحوال من جهة. ومن جهة اخرى تم تحويل الاستهداف الى مواقع اخرى، ما اضاع البوصلة الحقيقية للانتفاضة وافقدها زخمها حتى لو بقيت حاضرة بقوة في ساحات عدة.

وتحت عنوان المخاوف من استهداف جديد لـ” حزب الله”، تم التصويب بقوة على المصرف المركزي وحاكمه باعتبارهما احد مراكز الثقل الذي تعوّل عليه الولايات المتحدة للتعاون مع لبنان جنباً الى جنب قيادة الجيش اللبناني.

وقد وضع الوضع المالي والاقتصادي الخطير اصلا تحت تهديدات اضافية بما يمكن ان يطاول جميع اللبنانيين في حال طاول المزيد من العقوبات الاميركية عناصر او كيانات لدى الحزب، علماً ان الاستهداف مضاعف لحاكم المصرف من اجل القضاء على فرصه ايضاً للوصول الى رئاسة الجمهورية باعتباره الاقدر على انقاذ اقتصادي في مرحلة حرجة وخطيرة جدًا بالنسبة الى لبنان.

يضاف الى ذلك دخول عنصر آخر على خط الانتفاضة ساهم في تعقيد المشهد برمته وخلط الاوراق وتالياً افقدها زخمها ايضاً . هذا العنصر تمثل في تقديم رئيس الحكومة استقالته على خلاف ما رغب به رئيس الجمهورية وحليفه الشيعي.

وفيما ان هذه الاستقالة اتت تلبية لاحد ابرز مطالب الانتفاضة وكان يفترض ان تريح الوضع كونها نقلت الخلاف الكبير الحاصل بين السلطة والشعب في الشارع الى داخل السلطة نفسها بعيدًا من الشارع من حيث المبدأ ، فإن الاستقالة كشفت ما كان يعتمل من خلافات داخلية على خلفية تسلّط الوزير باسيل على الحكومة وتعدّيه على صلاحيات رئيس الحكومة وعلى عملها وبرنامجها المتفق عليه في البيان الوزاري.

وهو امر يخشى ان يعيد الاصطفافات السابقة بين قوى 8 و14 اذار سابقاً بعدما ظهر ان التسوية السياسية التي عقدت بين عون والحريري ليكون الاول رئيساً للجمهورية والاخر رئيساً للحكومة قد اطيحت ما لم يتم استدراك ذلك لاعتبارات قسرية تتصل بالوضع المالي وخطورته ليس الا، وذلك في الوقت الذي لن يتساهل فريق عون والحزب في ما يعتبرونه مكاسب من خلال حكومة برئاسة الحريري على ان يكون هذا الاخير طيعاً وضعيفاً.

في اي حال فإن خلاف اهل السلطة على الحكومة وطبيعتها وحصص كل منهم ونفوذهم فيها اضاع الانتفاضة التي انطلقت بزخم لكن يخشى انها فقدت روحها على الطريق. فبعد الكمّ الكبير من المطالب التي قال السياسيون انهم سيلبونها وفي مقدمها حكومة لا سياسية بالكامل ومع ممثلين للانتفاضة ربما من بينهم، فإن الواقع يشي بأن لا شيء فعلياً سينفذ عملانياً لان النظام الطائفي اللبناني كفيل بتذويب اي انتفاضة محقة اياً يكن الثمن على مستقبل البلد او على مستقبل ابنائه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات