Search
728 x 90

الامتحان المصيري للحكومة اللبنانية ومن وراءها

الامتحان المصيري للحكومة اللبنانية ومن وراءها

ترافق اعلان الخطة الاقتصادية والمالية للحكومة مع فضيحة فادحة تمثلت بتهريب المازوت والطحين الى سوريا عبر المعابر غير الشرعية. والمادتان مدعومتان من مصرف لبنان بالعملة الاجنبية، مما يضع الحكومة والحكم امام تحديات صعبة، ابرزها تلبية شروط صندوق النقد الدولي بإقفال هذه المعابر… او البحث عن بديل عنه اذا وجد.

بعد ايام قليلة على مفاخرة الحكومة اللبنانية والافرقاء الذين يدعمونها من ” حزب الله ” وحلفائه بـ” الانجاز التاريخي الذي حققته وفقاً لما وُصفت به خطة الحكومة لوقف الانهيار المالي والاقتصادي، تكشفت الامور على فضيحة تشكل استحقاقاً، لا بل تحدياً لهؤلاء الافرقاء جميعاً. اذ انه في الوقت الذي حرص هؤلاء على رمي كرة الاتهامات بما وصل اليه البلد على حاكم المصرف المركزي رياض سلامه او على الحكومات السابقة ، استأنف المهربون عبر المعابر غير الشرعية إلى سوريا، عمليات تهريب المازوت وأدخلوا إليها مادة الطحين ايضاً ، وهما مادتان يدعم مصرف لبنان استيرادهما، إلى جانب الأدوية، عبر تأمين العملة الصعبة للاستيراد، ما يعني أن بقاء خط التهريب مفتوحاً سيستنزف قدرة الدولة اللبنانية على توفير السلع الأساسية للسوق المحلية.

وفي الوقت الذي تضاءل احتياط المصرف المركزي الى حدود 20 ملياراً وتقنين حاكمه مدّ البلد بالعملة الصعبة في انتظار بدء الدولة بالاصلاح ومفاوضة صندوق النقد الدولي على دعم لبنان مالياً، يتم استنزاف هذا الاحتياط عبر تهريب الى سوريا، ما يلقي على الثنائي الحاكم مسؤولية مواجهة منع التهريب او استمرار نزف الاحتياط الذي لا يحصل عليه اللبنانيون الا بشق النفس.

وتُقدر قيمة المازوت المهرب إلى سوريا بنحو 400 مليون دولار سنوياً. ويتكفل مصرف لبنان بتأمين نسبة 85% من النقد الذي تحتاج إليه السوق اللبنانية لاستيراد المازوت والطحين، في ظلّ أزمة نقدية وشحّ في العملة الصعبة، التزاماً منه بقرار دعم السلع الأساسية. ورغم ذلك، تشهد محطات الوقود شحّاً بالمشتقات النفطية، بسبب «تهريب مليوني لتر على الأقل من المادة المدعومة يومياً إلى سوريا عن طريق الهرمل والحدود البقاعية» ، اذ أن سعر صفيحة المازوت في لبنان 9100 ليرة (6 دولارات وفق السعر الرسمي) أما في سوريا فيعادل سعرها 22 ألف ليرة (15 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي).

لطالما كانت مشكلة لبنان هي القدرة على مواجهة التهريب الى سوريا، وهو امر ازداد وطأة عليه بعد انطلاق الثورة ضد النظام السوري خلال الاعوام التسعة الماضية لكن من دون انكار ان لبنان استفاد بدوره على خلفية انه شكل رئة يتنفس من خلالها النظام السوري الذي واجه احتمال سقوطه لو لم يتم انقاذه من روسيا وايران و” حزب الله”.

لكن وفيما لبنان يختنق نتيجة افتقاده الى العملة الصعبة التي كان يتم استنزافها او تهريبها الى سوريا في الاشهر الاخيرة ولمصلحة النظام، يبرز السؤال اذا كان اهل السلطة وحكومة اللون الواحد التي تمثل ” حزب الله” وحلفاءه، قادرين او راغبين في منع افقاد لبنان القليل الذي يتبقى له من العملة الصعبة . لكن السؤال الاهم في ضوء ذلك هو ما اذا كانت مساعدة صندوق النقد الدولي وتمويل الدولة اللبنانية سيعني ايضاً تأمين التمويل للنظام السوري باعتبار ان الامر سيستفز الدول الاعضاء في صندوق النقد وقد لا يتجاوبون كلياً مع لبنان لانقاذه من الانهيار. وطيلة الاعوام الماضية التي اعدت فيها الحكومات المتعاقبة خططاً اقتصادية تصدى السوريون حين كانوا اوصياء على لبنان لتنفيذ هذه الخطط لانها كانت ترسم حدوداً لاستنزافهم للبنان، وهو امر حرص حلفاؤهم على مواصلته حتى بعد خروج القوات السورية من لبنان.

ومن هنا السؤال المهم الذي طرح في ظل الخطة الاقتصادية التي روّجت الحكومة لها على انها الخطة الاولى التي يعرفها لبنان، لماذا لم يتم اقفال المعابر غير الشرعية على الاقل منذ بداية عهد العماد ميشال عون باعتباره الحليف الذي كان يمكن ان يمون على حلفاء دمشق من اجل تأمين مصالح لبنان .

وهل يمكن شرح او ايضاح المتغيرات التي ستسمح اليوم بإغلاق المعابر ؟ ولماذا لم يتم البدء بذلك فوراً تزامناً مع اقفال المعابر بسبب تفشي وباء الكورونا، فتكون مناسبة لاعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية ومنع التهريب بين البلدين علماً انه يكاد يكون معروفاً من الجميع من يقوم بعمليات التهريب ولمصلحة من بحيث تعجز الدولة عن منعهم. فالمعابر غير الشرعية تخضع لسيطرة ونفوذ ” حزب الله” وهناك تجارة قائمة تقوم عبر هذه المعابر، فهل سيضع الحزب حدّاً لها ام سيتجاهل الاستنزاف للبنان؟

هذا التحدي الذي برز مبكراً بالنسبة الى الحكومة والذي كان يمكن تجاوزه كما تم تجاوزه في السابق حين كان لبنان ينعم باحتياط كبير من العملات الصعبة هو تحدي مصيري لجهة تبين اذا كانت الحكومة جادة او بالاحرى قادرة في تنفيذ خطة اصلاح جنباً الى جنب الاستنزاف الكبير في موضوع الكهرباء والذي كان في عهدة وزراء من التحالف الحاكم راهناً على مدى اكثر من 20 عاماً.

فهناك شكوك كبيرة صدرت من جهات اقتصادية ومالية كجمعية المصارف والهيئات الاقتصادية ازاء مضمون الخطة الاقتصادية. لكن الملاحظات والانتقادات صدرت كذلك من الجهات السياسية بمن فيهم من وافق على الخطة في مجلس الوزراء كالتيار الموالي لرئيس الجمهورية علماً ان الاخير وصف اعلان الخطة بأنه يوم تاريخي.

ومع ان كل القوى السياسية اثنت على توجه الحكومة لطلب مساعدة صندوق النقد الدولي ، الا ان اصرار ” حزب الله” على انه سيُخضع ما يطلبه الصندوق لمناقشة قد تؤدي الى عدم تلبية ما يشترطه انسجاماً كما قال امينه العام السيد حسن نصرالله مع رفضه اي وصاية خارجية، اثار تساؤلين : احدهما حول رفض القبول بأي وصاية في الوقت الذي اعلن الحزب مراراً وتكراراً انه جندي في ولاية الفقيه، اي موال لايران وانه يتلقى منها كل انواع المساعدات المالية والعسكرية وما الى ذلك بحيث ان وصاية ايران تكون مقبولة فيما ان اي مساعدة تصنّف تحت عنوان وصاية خارجية سترفض . والثاني هو انه في حال فرض الصندوق اصلاحات او اجراءات ضريبية غير واردة في الخطة المعلنة، فماذا ستفعل الحكومة وهل لديها بديل عن صندوق النقد الدولي في هذه الحال. وذلك علما ان الدول الصديقة الراغبة في المساعدة وفي مقدمهم فرنسا، اشترطت التوجه الى الصندوق والمساعدة عبره فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات