Search
728 x 90

الاغلاق الحكومي الاميركي الاطول: “اشتغل وما تقبض”

الاغلاق الحكومي الاميركي الاطول: “اشتغل وما تقبض”

من بين 22 اغلاقاً حكومياً في الولايات المتحدة الاميركية منذ العام 1979، ثلاثة منها العام 2018 وحده، يبدو الاغلاق الراهن الاطول في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية، وإن كان جزئياً، بعدما دخل شهره الثاني منذ منتصف ليل 22 كانون الاول 2018. وبدأت تظهر آثاره السلبية على الصعيدين الوطني والخارجي، في ما يشبه قمة جبل جليدي تعلو اكثر فأكثر مع مرور الايام.

جدار يشلّ حكومة

ماذا يعني الاغلاق الحكومي؟

في السياسة الاميركية، يأتي الاغلاق عندما تمتنع احدى الهيئات التشريعية عن تمويل ميزانية البرامج الحكومية للسنة المالية المقبلة. فتتوقف الحكومة الفدرالية عن توفير الخدمات باستثناء الاساسية منها، عبر وقف تمويل الهيئات التابعة لها، مما يؤدي الى وقف رواتب الموظفين فيها، فإما يستمرون بالعمل من دون راتب، على ان يتقاضوا رواتبهم المتأخرة عندما ينتهي الاغلاق، وإما يضطرون الى “اخذ اجازات غير مدفوعة”.

ويطال الاغلاق 800 الف موظف فدرالي من اصل 2.1 مليون موظف في مؤسسات الدولة المختلفة، الى جانب نحو 4 ملايين متعهد فدرالي و 95% من موظفي وكالة الفضاء الاميركية ووزارة السكان و52 الف موظف من دوائر الضرائب، ناهيك عن البعثات الدبلوماسية في الخارج وعدد من جنود الجيش الاميركي.

ويعتبر الإغلاق الحكومي الاميركي الجزئي الراهن هو الثالث من نوعه خلال العام 2018، والحدث الاول من نوعه منذ اربعين عاماً، حيث أغلقت الحكومة في 20 و21 و22 من كانون الثاني وفي 9 شباط وأخيرا في 22 كانون الاول ولا تزال.

وإذا بات معروفاً ان سبب الاغلاق الجزئي هو الخلاف الجذري بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب والكونغرس حول ايراد بند في موازنة الحكومة الفدرالية يتضمن تمويل بناء جدار على الحدود مع مكسيكو بقيمة 5.7 بليون دولار- وفق ما كان وعد به ترامب خلال حملته الرئاسية العام 2016 – فإن الامور تنحو نحو التصعيد بعدما فشل الاجتماع مع رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ورئيس الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر لثنيه عن بناء الجدار، واثر تلويح ترامب بإعلان حال الطوارئ في البلاد خلال رده على سؤال صحافي في الثامن من كانون الثاني، اذ قال: “لديّ الحقّ المطلق بإعلان حال الطوارئ اذا اردت ذلك”، ما اثار جدلاً قانونياً ونيابياً حول صلاحيات الرئيس في هذا الاطار.

صحيح ان الاغلاق يطاول مباشرة تسع ادارات فدرالية حكومية (بما فيها الزراعة والنقل والداخلية) من اصل 15، وانه يُعتبر جزئياً لأن الكونغرس موّل 75 % من الحكومة الفدرالية حتى ايلول المقبل، الا ان تأثيراته السلبية ترتد على اكثر من صعيد بشكل غير مباشر، خصوصاً انه الاطول في التاريخ الاميركي وفق ما اوردت صحيفة نيويورك تايمز التي فنّدت فترات الاغلاق الفدرالي كالآتي:

– في كانون الاول 1995، 21 يوماً خلال ولاية بيل كلينتون.

– في ايلول 1978، 17 يوماً خلال ولاية جيمي كارتر.

– في ايلول 2013، 16 يوماً خلال ولاية باراك اوباما.

– في ايلول 1977، 12 يوماً خلال ولاية جيمي كارتر.

– في ايلول 1979، 11 يوماً خلال ولاية جيمي كارتر.

– في ايلول 1976، 10 ايام خلال ولاية جيرالد فورد.

– في تشرين الاول 1977، 8 ايام يوماً خلال ولاية جيمي كارتر.

– في تشرين الثاني 1977، 8 ايام يوماً خلال ولاية جيمي كارتر.

وقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز في الثاني من كانون الثاني الراهن ان امن المطارات بات في دائرة الخطر بعدما تم تسجيل ارتفاع مضطرد في “الغياب المرضي” من قبل الموظفين المولجين التدقيق الامني للمسافرين والامتعة في المطارات في مختلف ارجاء الولايات المتحدة الاميركية، نظراً الى ان رواتبهم توقفت بفعل الاغلاق الحكومي الفدرالي.

ونقلت الصحيفة عن ضابط فدرالي رفض الكشف عن اسمه ان الامر يبدو كأنه احتجاج مقنّع من النقابات العمالية، او ان الموظفين يبحثون عن عمل آخر لتغطية مصاريفهم الضرورية.

كما ان عشرات الآلاف من الموظفين المولجين تطبيق القوانين ينضمون الى لائحة من يعملون من دون رواتبهم ولا سيما منهم العاملون في مكتب التحقيقي الفدرالي وادارة السجون والجمارك وحماية الحدود، وحرس الشواطئ والاستخبارات. ويضاف اليهم اغلاق غالبية دوائر الهجرة وتأخير الدعاوى في هذا الشأن.

اما الامن الغذائي، فهو يعاني ايضاً بسبب توقف ادارة الغذاء والدواء عن اجراء فحوصاتها الروتينية على الاسماك والفاكهة والخضر وبعض الاصناف الغذائية الاخرى التي تكون عرضة للتلوث، علماً ان ادارة الزراعة تواصل مراقبة اللحوم والطيور والبيض والحبوب.

الى ذلك، حذرت مدارس حكومية عدة من انها لن تكون قادرة على تقديم الوجبات الغذائية المجانية لتلاميذها نظراً الى افتقادها للتمويل الفدرالي في هذا الشأن، ناهيك عن المحميات الطبيعية والمراكز السياحية الاثرية والتربوية التي باتت مهددة بالإغلاق للسبب نفسه، وعددها 388 من اصل 737، بحيث ان الجمعية الاميركية للحفاظ على المحميات الطبيعية قدرت الخسائر اليومية بالإيرادات بستة ملايين دولار يومياً.

لا رواتب للدبلوماسيين 

والى جانب التأثير الداخلي، تبرز آثار خارجية مباشرة وغير مباشرة. ففي المباشر، اعلنت الخارجية الاميركية انها ستستمر في منح جوازات السفر وتأشيرات الدخول “طالما ان الاموال المرصودة لذلك موجودة”، الا انها ستحجم عن القيام بمعاملات اخرى.

والدليل الابرز على ذلك هو موجة التسونامي الاخيرة التي ضربت اندونيسيا، بحيث ان وزارة الخارجية الاميركية طلبت من المواطنين الاميركيين الموجودين هناك، متابعة حساب التويتر للسفارة الاميركية في جاكارتا لمتابعة آخر المستجدات. الا ان الحساب المذكور اعلن انه اوقف بث التغريدات بانتظام بسبب الاغلاق الحكومي الذي حال دون تزوّده بالمعلومات من مركز المسح الجيولوجي الاميركي ( وهو من اكبر مصادر المعلومات للأبحاث العلمية حول الهزات الارضية)، وفق ما اكد نائب مدير الاتصالات في المجلس الاطلسي غراهام لامبا.

ويتأثر آلاف الموظفين الذين يعملون من ضمن سفارات الولايات المتحدة في الخارج ايضاُ بالاغلاق، وعلى رأسهم اعضاء السلك الدبلوماسي خصوصاً ان عمل غالبيتهم له علاقة مباشرة بالأمن القومي الاميركي كما بالسلامة العامة، لذا هم مضطرون للعمل من دون رواتب بدلاً من اعطائهم اجازات غير مدفوعة، كما الموظفين في قطاعات حكومية اخرى.

وتبرز المشكلة اكثر بالنسبة الى موظفي السفارات غير الاميركيين في البلدان النامية، بحيث ان “هؤلاء يعيشون من رواتبهم مباشرة، من دون وجود اي مدخرات لديهم، لذا عدم تقاضيهم رواتبهم هو كارثي بالنسبة اليهم”، كما قال دبلوماسي سابق في السفارة الاميركية في افريقيا الجنوبية العام 2011، اضافة الى ان الامر قد يخلق مشاكل سياسية جمّة مع هذه البلدان.

من جهة اخرى، يؤثر الاغلاق الحكومي مباشرة على المساعدات الانسانية والخارجية التي تقدمها واشنطن، بحيث ان اي تمويل جديد لها يجمّد في هذه الفترة باستثناء ما يتعلق بتهديد الحياة مباشرة، علما ًان مزيدا ًمن القيود قد تفرض في هذا المجال بفعل تقلّص الاموال المرصودة اذا طال امد الاغلاق اكثر.

كلفة باهظة

لم يكن قد انقضى شهر على الاغلاق حتى بدأت نواقيس الخطر الاقتصادي تدقّ في اكثر من ميدان. فقد اورد تقرير لـ Standard & Poor’s Financial Services LLC في 11 كانون الثاني 2019 ان الاغلاق رتّب على الاقتصاد الاميركي خسائر بقيمة 3.6 بليون دولار، كما تراجعاً في الناتج المحلي الاجمالي يبلغ 1.2 بليون دولار لكل اسبوع اقفال حكومي جزئي.

كما كشف المجلس الاقتصادي الاستشاري في البيت الابيض في 15 كانون الثاني 2019 ان الاغلاق يخفّض النمو بنسبة 0.13 اسبوعياً. فوضع نحو 145 الف عامل فدرالي و112500 متعهد فدرالي في اجازات اجبارية في منطقة واشنطن العاصمة وحدها كبّد الاقتصادي المحلي خسائر بلغت 119 مليون دولار يومياً، اي ما نسبته 7.3% من اجمالي انتاج المنطقة.

ويتخوف اقتصاديون كثر من ان استمرار الاغلاق سيؤدي الى اضعاف ثقة المستهلك الاميركي كما زعزعة في استقرار الاعمال، خصوصاً انه يشمل نحو 3% من مجمل القوة العاملة الاميركية لديها استحقاقات مادية داهمة (ديون وفواتير) لا مهاودة فيها ، مما يجعل البلاد تنزلق نحو ركود اقتصادي حتمي اذا طال امد الاغلاق اكثر ولا سيما ان كل المؤسسات التي تتولى التخمينات تتوقف عن العمل، ناهيك عن اضعاف ميزانيات الولايات والحكومات المحلية التي اضطرت الى تغطية بعض الخدمات الفدرالية الحساسة من ميزانياتها الخاصة.

الى ذلك، حذرت وكالة Fitch Ratings ( وهي احدى الوكالات الثلاث الاهم للتصنيف الى جانب Moody’s و Standard & Poor’s) من ان تواصل الاغلاق قد يؤدي الى تراجع في التصنيف الائتماني لاميركا Triple-A .

فهل الاقتصاد الاميركي مقبل على فترة ركود سبق وعانى منها بمرارة وابرزها العام 2008 خصوصاً ان ما من بوادر اتفاق او حلحلة بين الكونغرس الديمقراطي ودونالد ترامب الجمهوري حيال بناء جدار مكسيكو، ناهيك عن ان تغريدات الرئيس الاميركي غالباً ما تتضمن قرارات مفاجئة تصدم اقرب المقربين منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات