Search
728 x 90

الاستراتيجية الدفاعية ارض الغام… طريقها محفوف بالأفخاخ (1)

الاستراتيجية الدفاعية ارض الغام… طريقها محفوف بالأفخاخ (1)

الاستراتيجية الدفاعية مطلب دولي ملّح دفع برئيس الجمهورية الى الوعد قبل مؤتمر روما، بوضعه امام طاولة الحوار بعد الانتخابات النيابية، ومن ثم اخيراً، الى تأكيد عزمه الدعوة الى حوار وطني بشأنها بعد تشكيل الحكومة. فهل الظروف المحلية والاقليمية تسمح بتنفيذ الوعد؟

منذ المرة الاولى التي طُرحت فيها الاستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار العام 2006 ، تمت موازاتها بسلاح حزب الله، وهي الاشكالية الوطنية الاساسية التي تشكل مقاربتها المحلية والاقليمية ارضاً مزروعة بالألغام، تثير انقساماً عمودياً بين الافرقاء كافة.
بين من يرفض التطرق اليها ومن يسعى من وجهة نظره السياسية لإيجاد المخارج للوصول اليها، يبقى موقف الفريق الشيعي، بجناحيه، ثابتاً في رفضه على مر العهود خصوصاً بعد تبدّل المعطيات المحلية والاقليمية لترجح كفة الميزان لصالح حزب الله ولا سيما بعد وصول العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية.
وما مواقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في ذكرى تموز سوى انعاش ذاكرة من يعوّل على تبدلات اقليمية جذرية، اذ قال “المقاومة اقوى من اي وقت مضى، والحرب كانت لنسلّم سلاحنا. واليوم اذا ارادوا الحرب، نحن جاهزون لها.”
وقد حذا وزير المال في حكومة تصريف الاعمال علي حسن خليل، عضو كتلة التنمية والتحرير، حذوه مؤكداً “ممنوع مداهمة مستودعات سلاح المقاومة واي تفكير بسحب السلاح الى ما بعد حدود الليطاني النقاش فيه مرفوض”.

انقسام عمودي حول الاستراتيجية الدفاعية

بين المعطيات السياسية والدبلوماسية التي كانت سائدة في ايلول 2004، تاريخ صدور القرار 1559 الذي نص على حل كل المليشيات اللبنانية ونزع سلاحها وتأييد بسط سيطرة الحكومة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية، وبين تلك السائدة اليوم شتّان.
فاليوم باتت الاستراتيجية مطلباً دولياً بإلحاح، دفع رئيس الجمهورية قبل يومين من مؤتمر روما لتسليح الجيش اللبناني، الى الوعد بعرض الاستراتيجية مباشرة بعد الانتخابات النيابية. الا ان الامر، وفق متابعين للموضوع منذ اكثر من عقد، لا يبدو ابداً في متناول اليد بغض النظر عن صعوبة تأليف الحكومة العتيدة – مهما كانت النية صافية لتحقيقه- نظراً الى عوامل اربعة.
العامل الاول يمكن في ان سلاح حزب خرج منذ سنوات من الاطار المحلي ليتحول ورقة اقليمية ذات شأن تتحكم بها ايران. وقد تكرس الامر مع انخراط الحزب بالعمق في الحرب السورية. وما تأكيد بقاء بشار الاسد في الحكم – على اقله حتى العام 2021، إن لم يكن لولايتين اي حتى العام 2035 وفق مسودة الدستور السوري التي ترعاها روسيا – سوى الضمانة الاولى لبقاء سلاح الحزب، ناهيك عن ان تجريد حزب الله من سلاحه يجب ان ينطلق من مقاربة استعداد ايران للتخلي عن ورقة مهمة تمسك بها في المعادلة الاقليمية التي ترسي شروطها في سوريا، في ظل ارتباط الموضوع مباشرة بالتوازن مع سلاح الحوثيين في اليمن وفصائل الحشد الشعبي في العراق.
اما العامل الثاني فيرتكز الى وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية بحيث يشكل الضمانة الاساسية لبقاء سلاح الحزب طالما ان التهديد الاسرائيلي موجود، حتى لو طرحت الاستراتيجية الدفاعية على بساط البحث الحكومي، إذ ان ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله (6 شباط 2006) نصّت على: ” سلاح حزب الله يجب أن يأتي من ضمن مقاربة شاملة تقع بين حدّين: الحد الأول هو الاستناد الى المبررات التي تلقى الإجماع الوطني في الإبقاء على السلاح، والحدّ الآخر هو تحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء أسباب ومبررات حمله.”

توازن الرعب قابلته وساطة اميركية

إذا كان المبرر الاول منقوضاً بسبب غياب الاجماع على بقاء السلاح فإن ظروف بقائه موجودة بوجود التهديد الاسرائيلي واحتلال الارض اللبنانية.
أضف الى ذلك ان طرح الاستراتيجية الذي تقدم به التيار الوطني الحر العام 2008 يقضي “بردع قوامه قوتان، الاولى من الجيش النظامي، والثانية من المقاومة التي تتشكل من السكان، على ان تغطي هذه القوى الاراضي اللبناني كافة، كما “بمركزية قرار لدى الدولة ولا مركزية تنفيذ عند مجموعات الشعب المسلحة”، مما يعادل عملياً ثلاثية “الجيش- الشعب – المقاومة” التي طرحها حزب الله. وهي معادلة تضع سلاح الحزب في موازاة سلاح الجيش، وليس ابداً تحت إمرته.
ويرى المراقبون ان السعي الغربي الى تسليح الجيش اللبناني وتعزيز عتاده يهدف اساساً الى نزع ورقة السلاح من حزب الله بحيث بات الجيش قادراً على استلام الامن على كامل الاراضي اللبنانية وصولا الى الحدود. وما الترحيب الخارجي بإنتصاراته في عملية “فجر الجرود” سوى تأكيد هذا المنحى، خصوصاً في ظل نتائج الانتخابات النياببة الاخيرة التي أجّجت مخاوف العواصم الكبرى من إبقاء سلاح الحزب فوق سقف التفاوض بعدما أمّن مع حلفائه، الاكثرية النيابية في البرلمان.
العامل الثالث يكمن في مقاربة سلاح حزب الله كونه يشكل “ورقة توازن رعب” مع اسرائيل، لا تزال سارية المفعول طالما ان اسرائيل تحتل اراض لبنانية. من هنا، تقول مصادر مطلعة شكلت الوساطة الاميركية الاخيرة مصدر زعزعة للستاتيكو القائم في الاعوام العشرة الاخيرة.
فالوساطة الاميركية في شأن الحدود التي قام بها كل من نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد ووزير الخارجية الأميركي ريكس تليرسون تجاوزت النقاط الـ 8 الى التسليم بكل النقاط الحدودية بما فيها مزارع شبعا.
فإذا نجحت الوساطة وصدقت تل ابيب وانسحبت من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، سيؤدي الامر الى نزع ورقة اساسية من يد حزب الله حيال ضرورة السلاح لتحرير الارض. من هنا، مسارعة السيد نصر الله للتأكيد منتصف شباط الماضي ” ان سلاح حزب الله هو لحماية حقول النفط والغاز من اطماع اسرائيل”.
وإذا كان الرفض اللبناني الرسمي للوساطة الاميركية جاء على خلفية قضم اسرائيل نحو 860 كيلومتراً مربعاً من المياه وفق خط هوف، فإن مصادر متابعة للسياسة الخارجية الاميركية لفتت الى اهمية استلام ديفيد شينكر ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية مع اسرائيل، خلفاً لساترفيلد في حزيران الماضي. فوصفته بأحد صقور البيت الابيض، كما ان موقع ديبكا الاسرائيلي وصفه بأنه “صديق لإسرائيل وخبير في الشأن السوري واللبناني وحزب الله والأردن والإرهاب”.
اما العامل الرابع، فهو ان مقاربة سلاح حزب الله تفترض المقاربة نفسها حيال السلاح الفلسطيني بما يتضمنه من تعقيدات محلية واقليمية، قد تبدأ بحق مقاومة اسرائيل وامن المخيمات ولا تنتهي بحق العودة.
واذا ميّزت هذه الاستراتيجية بين سلاحي حزب الله والفلسطينيين، فإن كلام السيد حسن نصر الله حيال “اعتبار الناي بالنفس تخلي عن القضية الفلسطينية” يقلّص هذا التمييز بشكل كبير.

مقاربة محلية ام اقليمية؟

الى ذلك، فإن وضع الإستراتيجية الدفاعية على طاولة الحوار- اذا تحقق ذلك- سيواجه اشكالية مقاربتها من البابين المحلي او الاقليمي. فإذا كانت المقاربة محلية، عليها ان تتخطى مبدأ “النأي بالنفس” عن كل الملفات الشائكة التي تبنتها الحكومة، خصوصاً ان اختلاف النظرة الى سلاح حزب الله جذري بين مختلف المكونات الحكومية. اما اذا كانت المقاربة اقليمية، فعليها ان تواجه موافقة ايران عن التخلي عن ورقة اساسية في المعادلة الاقليمية ، ناهيك عن قدرة لبنان على بت ملف اساسي مثل تخلي حزب الله عن سلاحه او تجريده منه فيما لم يبت بعد ملف الحرب السورية نهائياً، ولا ملفا اليمن والعراق.
من هنا، السؤال الجوهري الذي يطرحه المراقبون، هل ان طرح ملف الاستراتيجية جاء ارضاء لإلحاح الخارج وتلبية لشروطه بتسليح الجيش اللبناني، ام انه لتحويل النظر عن ملفات اكثر اهمية على الصعيدين الداخلي والاقليمي؟ ثم هل لا تزال صلاحية الطروحات التي قدمها الى طاولات الحوار سابقاً كل من التيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية، والحزب التقدمي الاشتراكي والرئيس ميشال سليمان قابلة للتنفيذ في ظل كل المتغيرات التي شهدتها الساحتان اللبنانية والاقليمية في السنوات الاربع الاخيرة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات