Search
728 x 90

الاستثمار في البنية التحتيّة كمحرّك للنموّ الاقتصادي:  ما الذي يمكن أن يستخلِصُه لبنان؟

الاستثمار في البنية التحتيّة كمحرّك للنموّ الاقتصادي:   ما الذي يمكن أن يستخلِصُه لبنان؟

يُعتبر مستوى البنى التحتيّة في لبنان من بين الأدنى في المنطقة والعالم. الاسباب كثيرة وأهمها تداعيات الاستثمار الخَجول وسوء الادارة، مما يهدّد نموّه الاقتصادي وتحقيق الأهداف الاجتماعيّة والتنمويّة المختلفة.

جمال الصغير *

على الرغم من مرور أكثر من ثلاثين عاماً على انتهاء الحرب الأهليّة لا يزال مستوى البنية التحتيّة في لبنان من بين الأدنى في المنطقة والعالم. فقد أثّر الاستثمار الخَجول وسوء الادارة إلى استنزاف قطاع الكهرباء والاتصالات والنقل والمياه والصرف الصحّي الكثير من الموارد، وأدّى إلى تداعيات سلبيّة على النموّ الاقتصادي ونوعيّة الحياة وتطوّر القطاع الخاصّ.

لا يتجاوز معدّل الإنفاق الحالي على البنية التحتيّة نسبة ١,٥٪ سنويًا من الناتج المحلّي الإجمالي في لبنان، في حين أنّه بحاجة إلى نسبة استثمار تصل إلى ٥٪ خلال السنوات الخمس المقبلة، على أن يخصّص نصفها لاستثمارات جديدة في البنية التحتيّة والنصف الآخر لصيانة الأصول الحاليّة.

تُشكّل البنية التحتيّة عنصراً أساسياً في خطط التنمية، كما تعدّ عنصراً رئيسياً في تحفيز النموّ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. إنّ الحاجة لتطوير البنية التحتيّة للوصول إلى مستوى مقبول بتكلفة تتناسب مع المستوى المعيشي لكل الفئات الاجتماعية هو أمر شائع في البلدان النامية، إلّا أنّ طبيعة «الفجوة» في البنية التحتيّة تختلف بين هذه البلدان. بالإضافة إلى أنّ الحاجة إلى الخدمات الأساسيّة التي توفّرها البنية التحتيّة تتصاعد في المناطق ذات الدخل المتوسّط أو المنخفض، كما أنّ مستوى هذه الخدمات يعدّ أمراً ضرورياً للمحافظة على النموّ الاقتصادي والقدرة التنافسيّة.

يحلّ لبنان بين أسوأ أربعة بلدان في العالم لناحية تأمين إمدادات الكهرباء، ويعود ذلك إلى قلّة الإنفاق العامّ على البنية التحتيّة، الناتج بدوره من عبء المديونيّة العامّة وغياب الموازنات المستدامة. فقد بلغ العجز المالي في العام ٢٠١٨ نحو ١١٪ من الناتج المحلّي الإجمالي. وقد تُرجم انعدام الحيّز المالي في الموازنات إلى انخفاض في النفقات الرأسماليّة العامّة إلى معدّل سنوي لا يتجاوز ١,٥٪ من الناتج المحلّي الإجمالي منذ العام ٢٠٠٠، وهو معدّل منخفض جدًا بالمقارنة مع البلدان المشابهة.

يمكن لبرنامج الانفاق الاستثماري أن يكون أداة فعّالة للمساعدة في تعزيز البنية التحتيّة المتهالكة في لبنان وتحفيز النموّ الاقتصادي، إلّا أنّ معالجة نقص الإصلاحات القطاعيّة والمؤسّساتيّة والتأخير في تنفيذها هو محور أساسيّ في هذه الخطّة الاستثماريّة.

فما الذي يمكن لِلُبنان أن يستخلصُه من تجارب البلدان الأخرى؟

تواجه معظم الدول النامية عوائق أمام تقديم خدمات أكثر فعاليّة، تتمثّل بصعوبة تطوير سياسات ضريبيّة ورسوم مناسبة والإجهاد المالي وضعف المؤسّسات الحكومية وعدم القدرة على إشراك القطاع الخاصّ. فان الاستثمار المستدام في البنية التحتيّة يتطلّب وضع تعريفات لتغطية تكاليف تأمين خدمات فعّالة، مع النَظَر في ضرورة تقديم الدعم، عند الاقتضاء، لضمان تأمين هذه الخدمات بإنصاف لكل فئات المجتمع.

علاوةً على ذلك، فإنّ تعزيز الحوكمة، بما يشمل الأطر القانونيّة والتنظيميّة والحاجة إلى مزيد من الشفافيّة وبناء القدرات على المستويات العامّة المختلفة – مركزياً وإقليمياً ومحلّياً – تعدّ ضرورة لضمان استدامة هذه الاستثمارات. كذلك، هناك حاجة لمحاربة الفساد خلال كلّ مراحل تنفيذ مشاريع البنية التحتيّة بدءاً من تحديد هذه المشاريع، ومروراً بمنح العقود وتمويلها وشراء المعدّات، ووصولاً إلى تقديم الخدمات.

لا يخلُ الإنفاق على البنية التحتيّة من الأعباء. إلّا أنّ العديد من البلدان النامية تمكّنت من تخطّي العوائق التي تحدّ من توفير خدمات البنية التحتيّة بشكلٍ فعّال ومستدام من الناحية الماليّة..

أولًا، تُعتبر زيادة الاستثمارات العامّة في البنية التحتيّة، حتى ولو كانت لها مبرّراتها الاقتصاديّة، عاملًا مسبباً لزيادة الضغوط الماليّة، وهو ما قد يتفاقم بسبب عدم كفاءة الإنفاق العام والسياسات الماليّة والضريبيّة غير الملائمة، علماً أنّ هذه السياسات يجب أن تتناغم مع الإدارة الكلّية وأن تستجيب للحاجات التنمويّة.

ثانيًا، يُعدّ وضع الرسوم لاسترداد تكاليف توفير الطاقة وخدمات النقل وبشكلٍ خاصّ خدمات المياه والصرف الصحّي، لا يخلُ من التحدّيات، التي قد تتفاقم بسبب مستويات الدخل المنخفضة لغالبيّة المستخدمين، والذي قد يدفع مقدّمي خدمات البنية التحتيّة إلى حصرها بالمستهلكين من ذوي الدخل المتوسّط والمرتفع (وبالتالي إنتاج لا مساواة في تقديم الخدمات) أو فرض حلول لا تناسب فئات الدخل المحدود ما لم تترافق مع سياسات دعم مناسبة.

ثالثًا، إنّ الحوكمة وبناء القدرات هما من التحدّيات الأساسيّة أمام تقديم خدمات البنية التحتيّة، ولا سيّما في مجال التخطيط وتحديد أولويّات الاستثمارات (بما فيها التخطيط المسبق لتكاليف التشغيل والصيانة على المدى الطويل ومراقبة الأداء)، وكذلك في مجال تنظيم أسواق البنية التحتيّة والمرافق العامّة، وإنشاء مرافق جديدة لتوسيع قاعدة تقديم الخدمات.

أخيراً، يجب أن تكون الدول مجهّزة بشكلٍ أفضل للحصول على دعم المُستثمرين من القطاع الخاصّ لتحسين الخدمات التي توفّرها البنية التحتيّة، بما يتضمّن ذلك من ضمان توازن توزيع المخاطر وتوفير إطار مناسب على صعيد الاقتصاد السياسيّ لتدخّلات القطاع الخاصّ.

بِجهته، يُعاني لبنان من فجوات كبيرة في بنيته التحتيّة، ما يهدّد نموّه الاقتصادي وتحقيق الأهداف الاجتماعيّة والتنمويّة المختلفة، وبالتالي معالجة هذا النقص هو حجر الأساس لتحقيق النموّ الذكي للجيل المُقبل.

*جمال الصغير، خبير في الاقتصاد وباحث في معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، وأستاذ في الأعمال التدريبية في معهد دراسة التنمية الدولية في جامعة ماكجيل في مونتريال، عضو غير مقيم في معهد بايني في جامعة كولورادو للمناجم، ومدير سابق في البنك الدولي، واشنطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات