Search
728 x 90

الإنهيارات الكُبرى… وفُسطاطان!

الإنهيارات الكُبرى… وفُسطاطان!

في زمن الانهيارات الكُبرى يستنقِع البعض في أوهامِ قوّةِ مصدَّعة. تصدّعها في قاموسهم الأيديولوجيّ مَرحليّ. المرحليّة هنا أساسها ثباتُهم في ما يعتبرونه المابعد في تسمّر انتقامٍ تاريخيّ. التسمُّر التاريخيّ استدامةٌ في عيش نخبويّةٍ من سُلالاتٍ الغيبيَّة.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

في زمن الانهيارات الكُبرى يستحوِذون على اتّجاهاتٍ هادرة في تطويع الماضي والحاضر والمستقبل. يُمسي الناس أرقاماً في فِعل خِدمة أجنداتِهم. طموحاتهم ينتابُها زهوٌ في انتماء مستزلمين إليهم. يتناسون المنطق. يتجاهلون المعادلات العلميّة. كلُّ من يفكِّر بنقاشٍ في ما هم يرومون إليه يسقط في تصنيفهم الى مرتبة الاستعداء.

في زمن الانهيارات الكُبرى يستطلعون أقسى الخيارات. ينحازون لبعض تهويلٍ بكلِّ الأدوات. تنتفي في عُهدتهم مساحات الحوار في ما يمكِن أن يُمَتِّن القواسم المشتركة. كلُّ المُتاح من جَمعِ الناس في صَونِ كرامتهم يتحوّل بقعةً من ظلامٍ تُظلِّلها اندفاعاتهم الحتميّة الانضواء في ما بين بوصلتها المرتبكة. لا قيمة لانتكاسات البوصلة أو زيفِها. هُنا نحن، يجاهِرون، وما عليكم سوى اقتبال هذه البوصلة في منحدراتِها. منحدرات البوصلة، ولو باللّاأُفق، هي المرمى النبيل. عدا ذلك هراءٌ وسراب.

في زمن الانهيارات الكُبرى تجد ذاتك بإزاء جدليّةٍ عابثةٍ بالخير العام. الجدليّة هنا أحاديّة من فِعل العزل قبل الانعزال. الانضباط في تلاوينها مفخَرة أحياناً، ومطيّةٌ أحياناً أُخرى. لا ضَير في تلاقُحٍ بين المفخرة والمَطيّة. الأهمّ في هذا التّلاقُح، على تناقضاته الديونتولوجيّة، أن تستقرّ مؤشّرات النجاح فيه في تأبيدِ مستلزمات الأيديولوجيّا.

في زمن الانهيارات الكُبرى غالباً ما تكون الانتلجنسيا بقِواها الحيّة أمام مِفصَلَين. إمّا انتماءٌ لتصويبِ الاعوجاجات بحِكمة نزع صواعق تفجيرها المُدمِّرة من ناحية، أو الانسياق لتكتيك الاحتواء المتذاكي على مواجهة مباشَرة لهذه الصواعق في حركة التفافٍ تدريجيّة عليها من ناحيةٍ أُخرى. المِفصلان مؤلِمان، لكن يُقتضى البحث في الأقلّ ألماً وإيلاماً مع تقديرٍ للمفصل الأكثر قدرة على فتح كوَّاتٍ إنقاذيّة. الخطورة في السِّياقَين أن تستقيل بعض الانتلجنسيا وتتشتَّت، أو ترضخ للأمر الواقع بفِعل انعدام وزنٍ واختلالِ توازنٍ. والأخطر أن تسترسِل في تكرار شعاراتٍ فضفاضة فيما المطلوب تنظيمٌ صلبٌ يحرِّر التناقض بين الاستراتيجيا والتكتيك.

في زمن الانهيارات الكُبرى يتلاقى غيرُ الرمادييّن، وغير المُنتَفعين، وغير الزئبقيّين، وغير المؤدلجين، على فَهم ديناميّة التعقيدات التي عمَّقت الدمار وعمّمته. بعضُهم يستسلِم. بعضُهم يكابِر. بعضُهم يصمُت. وبعضُهم يتطلّع الى الإمكانات المتوفِّرة، ويروح إلى استثمارٍ إيجابيّ للأزمات على أَنَّها فُرص بنّاءة.

الإشكاليّات المأزفيّة تبدأ حين يَطلَع عليك تصنيفٌ في فُسطاطين. هذا التصنيف الأسوَد يقتل أرجحيّة العقل لصالح تعميّةٍ عن مسبِّبات الأزمات مع إمعانٍ في معالجةٍ خاطئة لعوارضها. مُعالجة خاطئة مغلّفة بماكياجاتٍ تجميليّة مرفودة باستعلاءاتٍ زجريّة. حينها تتكسّر مطارِح التّلاقي على الخير العام.

فُسطاطان مُتناقضان لا يصنعان مداواة حقيقة هموم الإنسان في لبنان، ولا يُبشّران بتحرير الدّولة الناظمة للعقد الاجتماعي من خاطفيها.

فُسطاطان مُتناقضان لا يُنجزان تفاهماتٍ مبدئيّة على حماية الوطن بإنسانِه الجريح.

فُسطاطان مُتناقضان يستأهلان حتماً محاولةً انقاذيّة، إنّما بناءً على جدول عملٍ ببند واحد: “الأمن القَومي للبنان: أَيّ مقوِّمات؟”.

فُسطاطان أحدهما من فوقيّة هادِرة، وثانيهما من دونيّةٍ فاقِعة تأبى النديّة بمعنى صياغة البدائِل، يؤشِّران الى مزيدٍ من الانهيارات الكُبرى.

حمى الله لبنان واللبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات