Search
728 x 90

الأيديولوجيّات القاتمة … وعبثيّة الفوائض!

الأيديولوجيّات القاتمة … وعبثيّة الفوائض!

الانهيارات في لبنان تعالجها عودةٌ إلى حوكمة سليمة في كل القطاعات بعد معالجة الخلل السيادي بحكمةٍ، وحِنكة، وقناعة بأن الدولة لا يمكن وضع اليد عليها بقضم هوية لبنان تدريجيّاً، والتاريخ يُمهِل ولا يُهمِل القاضمين.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

انكفأت القوى الحيّة عن منصّة الضمير السياديّ. ولجت دوّامة التكتيك الضالّة والتضليليّة. تجاهلت مقومّات الاستراتيجية الصيغويّة والميثاقيّة التي قام عليها لبنان خائفة. بدت هذه القوى من موجب مقاربة الخللّ السياديّ الذي ضرب عصب الكيان ليستحيل من ثمّ أزمات متراكمة ماليّة، واقتصاديّة، واجتماعية. الخلل السياديّ يتمثّل بتماهٍ بين السُلطة وخياراتٍ لا علاقة لها بدولة الخير العام. سقطت معادلة التوازن بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمعَين المدني والأهلي. معادلة التوازن هذه تقوم أساساً على توزّع المسؤوليّات بين التخطيط والابتكار والرقابة من ضمن منظومة حوكمة متماسكة، تحتاج قيادةً برؤية ونزاهة. القيادة المفقودة والبعيدة عن السعي لاستعادة الدولة بمنطق المؤسسات أوصلتنا ولم تزل إلى انهيارات.

الانهيارات لا تُعالجها اندفاعات أيديولوجيّة قاتمة تطلِق شعارات من مثل “الانتقال من الاقتصاد الريعيّ إلى الإنتاجي”. تحديد سِمات الاقتصاد الريعيّ، ومن ثم سِمات الاقتصاد الإنتاجيّ، بالاستناد إلى الميزات تفاضليّة للرأسمال البشريّ كما الموارديّ في لبنان، وحده قد ينقل الشعبوييّن من تدعيم مساراتٍ قد لا تنتج سوى تضليلٍ متراكم. في الأساس لم يعُد في العالم اقتصادٌ ريعيّ من جهة، واقتصادٌ إنتاجي من جهة أخرى. الاقتصادات الناجحة هي تلك المركّبة. عدا ذلك نحن أمام أوهامٍ انتصارية جديدة. في أيّ حال الاقتصاد مؤسِّسٌ في البُنية السياديّة، وتحديداً في هيكليّة أيّ أمنٍ قوميّ يؤمّن مناعة الدولة بمؤسساتها وناسها والمنتَمين اليها المقيمين والمغتربين. وإذا ما سلّمنا علميّاً بهذه المقاربة، يستحيل كل بحثٍ في هويّة لبنان الاقتصاديّة، دون استدراك الخللّ السياديّ الذي أشرنا إليه، يستحيل ذرّاً للرماد في العيون بالإضافة إلى أهدافه البعيدة المدى في قضم الكيان صيغةً وميثاقاً.

والانهيارات لا تعالجها أيضاً تطلّعاتٌ سلطويّة من باب نرسيسيّات، أو وعودٍ، أو تحالفاتٍ من مِثل تلاقي أجنداتٍ على تكريس مواقع نفوذٍ هنا وثمّة لترسيخ موازين قوى أبعد من طموحات اللبنانيين بالعيش الكريم. التطلعات في هذا السياق تحكمها عبثيّة فوائض لا تمتّ بصِلة إلى الواقعية السياسيّة، بل ترتبط باحتشاداتٍ سيكولوجيّة لا تعود فيها السُلطة خدمة، بقدر ما هي إنتشاءاتٍ باطنيّة بالقُدرة على الإمساك بزمام البلاد وخيارات العِباد، في دوّامة استباحاتٍ للفضاء العام، على أن يتحوّل هذا الأخير فضاءاتٍ خاصة يرعاها من يعتبر ذاته، وببادرة من الأيديولوجيّة التي ذكرنا، أنه مكلّفٌ بمهمّات جِسام، والكلّ معني بالتطوّع لتحقيق مآلات هذه المهمّات.

والانهيارات التي تعالجها بالتالي ارتدادات تهويليّة، وترجيع صدى بكائيات ممزوجةٌ بالتأكيد على أن التَركة مدمِّرة، وثمّة في من وراءها من يستمر في التدمير، وبالتالي يمسي القنص الاستنسابي في ما اصطلح على تسميته بـ “المساءلة والمحاسبة”، يمسي هذا القنص الاستنسابي نهجاً خطابياً يحمِل توبئةً (من وباء) للعقول على قاعدة تحويل الأنظار عن من هو في نفس مركب تلك التَركة كان قبطاناً، أو مستفيداً، أو مغطّياً، أو حتى ملهماً بفِعل خصوصيةٍ يستنبطها من خياراته المدّعية تمايزاً بنيوياً، فيما الحقيقة أنه عصب هذه التَركة.

والانهيارات أخيراً لا تعالجها معانداتٌ عازلةٌ للدولة عن المسائل العضوية، والتي من الممكن أن تسهم في تنزيهها عن أن تستحيل مزارع لأفرقاء السُلطة. إذ هي هذه المعاندات العازلة للدولة عن هذه المسائل العضويّة، ومنها السيادة كمثالٍ نافر، هي هذه المعاندات التي تغتال كل يومٍ أكثر العقد الاجتماعي بين اللبنانييّن، أو قُل ما تبقى منه بعد أن نهشته شهيّات جشَع، وأوهام تفوّق، وأمراض عظمة، ومساوئ تبذير، وشعبويّات قاتلة.

الانهيارات تعالجها عودةٌ إلى حوكمة سليمة في كل القطاعات بعد معالجة الخلل السيادي بحكمةٍ، وحِنكة، وقناعة بأن لبنان الدولة لا يمكن وضع اليد عليه بقضم هويته تدريجيّاً، والتاريخ يُمهِل ولا يُهمِل القاضمين. عساهم يعودون إلى عمقٍ من ذاك الضمير الذي انكفأت القوى الحية عنه. حتماً ليس من باب التعميم، بل من باب موجب تبديل منهجية الرفض فقط لصالح السير إلى الحُكم البديل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات