Search
728 x 90

الأونروا وأزمتان: هويّة سياسية وإعادة هيكلة!

الأونروا وأزمتان: هويّة سياسية وإعادة هيكلة!

وقف المساهمة المالية الاميركية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يكشف عن عمق الصراع الفلسطيني المباشر مع اسرائيل التي ترفض السماح لدولة فلسطين بتزويد لاجئيها بهوية وطنية، خصوصاً ان خدمات الاونروا مرتبطة بحق الفلسطينيين بالوجود قبل الصمود.

زياد الصائغ 

خبير في السياسات العامة واللاجئين

لا يكفي تقليص مساهمة الولايات المتحدة الأميركية المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ومن ثم وقف هذه المساهمة، رغم نقاشٍ سجاليّ عاشته أروِقة وزارة الخارجية الأميركية على مدى أشهر في هذا السياق، لا يكفي ذلك لإعلان موت الوكالة. ولا يكفي أبداً، في المقابل، تأمين ردم الفجوة التمويلية التي أحدثتها صدمة وقف المساهمة بتدخّل عربي – أوروبي، لإعلان أن الأزمة التي تعانيها الوكالة مرّت، ويمكن الاستمرار بدورها كما كان في السابق. المسألة أبعد من تمويل، ليس بمعنى ما يسترسل الكثيرون في توصيفه بمسار اغتيال قضية اللاجئين الفلسطينيين، بل بمعنى كيف يمكن مواجهة مسار الاغتيال هذا، من خلال بحثٍ عميق في هوية الأونروا، والتي مضى على تأسيسها أكثر من سبعين عاماً من ناحية، وفي هيكليّة تدخّلها الإغاثي الإنساني من ناحية أخرى. وهنا، وبالاستناد الى مقاربة هاتين المعضلتين يمكن لنا ابتكار أدوات مواجهة لقرار تصفية اللجوء كهوية سياسية مرتبطة بحق العودة، ودعم مقوّمات الصمود كمنصة إنسانية تتولاها الأونروا.

الأونروا واللجوء: أي هوية سياسية؟

تركّز الخيار الإسرائيلي في الأربعين عاماً الأخيرة، وبعملٍ تراكمي على الأبحاث الأكاديمية على نقل قضية اللاجئين الفلسطينيين من كونِها سياسية وموضَعَتِها في الفضاء الإنساني. وذهب بعض الناشطين الفلسطينيين من اللاجئين في دول الشتات ومن يناصرهم من أركان المجتمعات المضيفة، وحتى بعض فلسطينيي فلسطين، ذهبوا مذهب هذه الموضعة. حتى بدا أن المشكلة الأساس قائمة بين اللاجئين والدول المضيفة. وبقَدر ما كان كلامٌ شعاراتي عن حق عودة وتعويض للاجئين الفلسطينيين، أنجزت إسرائيل دراسة متكاملة حول حقوق يهود العراق وسوريا ومصر ولبنان العينيّة والماليّة، وأدرج في ملفّها التفاوضي مطلب إنشاء صندوق تعويض لهؤلاء بمئات مليارات الدولارات.

صمّمت إسرائيل على الانتقال من الدفاع الى الهجوم في هذا المجال ولم تستسلم. وفي السياق عينه استطاعت أن تنحَر هوية الأونروا نظريّاً كشاهدةٍ على حق سياسي للاجئين بالعودة الى ديارهم، بما يعني نقل دور الأونروا المؤقت لجعله إنسانياً مستداماً، مراهِنةً على عامل استنزاف المجتمع الدولي وصولاً الى لحظةٍ راهنة يعلن فيها أنه مُرهقٌ مُنهك، فيتّخذ قرار تحويل اللاجئين الى رعايا – مقيمين، وبالتالي تتولى الدول المضيفة على عاتقها مسؤولية إدماجهم فيها.

الأونروا، والذي كان قرار إنشائها (302) في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، سياسياً بامتياز، لم تتمكن سوى من أداء دورٍ إنساني إغاثي، وسقط بذلك عملياً معها القرار (194).

من هنا تتبدّى أولوية نقاشٍ داخلي مؤسساتي هادئ في الأمم المتحدة، وفي الأونروا نفسها، لاستعادة هوية الوكالة المناصرة لحق سياسي مرتبط بالقانون الإنساني الدولي، أكثر منه الاكتفاء بتوزيع مؤنٍ ومساعدات، وتوفير خدمات استشفائية وتربوية. استمرار الخدمة الإنسانية أساسي. لكن يجب الإبقاء على جذوة جوهر القضية السياسية مشتعلة.

الأونروا واللاجئون: أي إعادة هيكلة؟

شأنٌ داخلي حتماً هو نسق حوكمة الأونروا إدارياً. لكن في الوقت عينه يُقتضى التفكير جدّياً في تدعيم تدخّل الأونروا الإنساني البدائي الخدمات، والذي هو حاجة مُلِحّة، يُقتضى تدعيمه بمخططات توجيهية تنموية.

ففي لبنان مثلاً لا بُد من إعادة إحياء مبادرة تحسين أوضاع المخيمات التي انطلقت في العام 2006 وطُوّرت في العام 2009، ووضع جدول زمني لتنفيذ مشاريع حيويّة فيها. ثم بدل الانزلاق في الدّفع باتجاه تطوير القوانين الحاضنة للاجئين فقط، لِمَ عدم الاندفاع نحو خلق دورة اقتصادية مُنتِجة توفّر فرص عمل داخل المخيمات. وهذا النمط من المقاربات مرتبطٌ بتوظيفٍ ذكي لدعم مقوّمات الصمود حتى العودة، ومكافحة الفقر واليأس المؤدّيان للتطرّف، وذلك بالاستناد الى قناعةٍ راسخة بأن المجتمع الفلسطيني مدنيٌ بامتياز، وأدلجته دينياً بالمعنى السلبي كثيف الصعوبة حتى الانعدام.

وبعد، ماذا عن الاحتكام الى الخبرات الفلسطينية كما خبرات المجتمع المضيف في هذه الحوكمة للأونروا، أكثر منه الاحتكام الى ما وراء الحدود من خبرات ممتازة ومشكورة، لكن ذات الكلفة العالية؟ إعادة هيكلة الأونروا حاجة مُلِحة، بقدر إلحاح تأمين التمويل التشغيلي والخدماتي.

ما سبق محاولة تفكير مقتضبة مكثّفة ليس إلا. المواجهة المقبلة مع الباحثين عن مخارج على حساب العدالة قاسية. وحديثي عن صراع مفاهيم وقِيَم لا عن صراع عسكري وقبضات مرفوعة. وقد يكون من قبيل التحدّي الأساسي إطلاق النقاش الرصين والمتماسك في أن يكون للاجئين الفلسطينيين هوية مركّبة كمواطنين فلسطينيين وهذه هويتهم الوطنية، ولاجئين وهذه هويتهم القانونية. وبالتالي، ينطلق الصراع المباشر مع إسرائيل الرافضة حتى الان السماح لدولة فلسطين بتزويد لاجئيها بأرقامٍ وطنية… من هنا تبدأ المعركة وللأونروا دورٌ أساسي فيها على قاعدة أن خدماتها مرتبطةٌ بحق هؤلاء بالوجود قبل الصمود…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات