Search
728 x 90

الأحوال الشخصية في لبنان: فضاء عصيّ على الدولة والقانون

الأحوال الشخصية في لبنان: فضاء عصيّ على الدولة والقانون

انكفأت الدولة وراء الحياد القانوني السلبي المستمر منذ عقود في موضوع حماية النساء من العنف. وسلمت الامر الى الطوائف في أنظمة الأحوال الشخصية التي أدت إلى عدم انسجام التشريعات مع مقاربات حقوق الإنسان ومفاهيمها.

منار زعيتر*

لمى، فاطمة، ريتا، ندى، زينة … قبلهن كثيرات وبعدهن سنسمع عن كثيرات أخريات، نساء من بلاد الأرز لبنان، عشن قصصًا كنَّ فيها ضحايا ظلم وعنف وهدر سافر للكرامة الإنسانية.

نتضامن معهن، ونحن نمرّ بشكل عابر على مآسيهن في زحمة حياتنا الاجتماعية المثقلة بالهموم والمشاكل، نعبّر عن تضامننا معهن بالعاطفة والكلمات والبيانات التي ننثرها على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم سرعان ما تعيدنا طاحونة الأحداث اللبنانية إلى يومياتنا الرتيبة. دوامة مآسٍ وقصص بتنا معها قادرين على هضم أية مأساة أو حادثة مهما كانت أبعادها الانسانية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية خطيرة.

يتبين لنا عبر التاريخ وخاصةً في ظل الأحداث الأخيرة أن الدولة في لبنان تنظر إلى رعاياها بمنظارين مختلفين، فالنساء بنظرها هن مواطنات درجة ثانية وفي غالب الأحيان رعايا، تتحكم بهن منظومة دينية وثقافية واجتماعية، تضعهن دوماً وأبداً في مرتبة الخضوع والطاعة، بينما تعطي الرجال صلاحية التأديب والقوامة. تنصّلت الدولة من واجبها بحمايتهن، عندما ارتضت لنفسها أن تكون في حلٍّ من تنظيم قوانين الأحوال الشخصية بحجة أن الأمر”ليس لي” بل للمذاهب الدينية ومرجعياتها السياسية التي تتحكم بالحيّز الخاص للأفراد في سبيل الحفاظ على إمتيازات و”حقوق الجماعات الطائفية”.

لا ندري ما هو الوصف الذي يمكن إطلاقه على تعاطي الدولة مع الطوائف والانكفاء وراء الحياد القانوني السلبي المستمر منذ عقود. لكن أياً يكن التوصيف تبقى نتيجته واحدة، إنه الحياد الذي أدى إلى:

أوَّلًا: 

– تعزيز سلطة المتحكّمين العلنيين بالمحاكم الدينية ونقصد بهم رجال الدين، والمتحكّمين الخفيّين -إنما الفعليّين- ونقصد بهم رجال السياسة. كما أدى هذا الحياد إلى تعميق الشرخ الأفقي وتوسيع الانقسام بين فئات المجتمع اللبناني.

– إنَّ طبيعة النظام السياسي اللبناني منحت الطوائف الحق في تشريع قوانينها الخاصَّة بالأحوال الشخصية وكرّست ذلك دستورياً، ولكن الذهاب بعيداً بهذا الحق أسقط مبدأً دستورياً آخر هو مبدأ حرية الاعتقاد المُكرَّس في مقدمة الدستور وفي مادته التاسعة. إن هذا المبدأ يعني إنه رغم تمتّع مختلف الطوائف الدينية بحق الحكم وفق قوانينها الخاصَّة للأحوال الشخصية، إلَّا أنها لا تتمتع بحق حصري في تنظيم الشؤون الشخصية للفرد.

ثانيًا: 

تغليب الهُوية الطائفية على حساب هُوية الدولة المدنية الواحدة الموحّدة. إضافة إلى كونه حدّ من قدرة التشريع في مجالات عدَّة، وخاصةً صون حقوق النساء والحريات الفردية، والتمسّك بمفهوم الانتظام العام الذي يرد في أكثر من مادة من مواد الدستور. إن الحياد القانوني الذي اعتمدته الدولة حيال أنظمة الأحوال الشخصية أدى أيضًا إلى عدم انسجام التشريعات مع مقاربات ومفاهيم حقوق الإنسان، وسمح لهذه القوانين بإدارة كل تفاصيل حياة الفرد اللبناني ولا سيما حياة النساء المتزوجات والفتيات وحتى الطفلات، وجعل من مبدأ دستورية القوانين مبدًأ هشًّا بسبب الفجوات المرتبطة بآلية الرقابة والطعن بدستورية القوانين.

لم يقف الأمر عند حدِّ الحياد ولكنه امتدَّ إلى حدَّ جعل الفضاء المدني فضاءً مرفوضًا. نتلمس ذلك من خلال إغفال وتهميش وإقصاء خيارات ومقاربات وقناعات مجموعات متنوعة من اللبنانين ترغب بإقرار مظلة القانون المدني للأحوال الشخصية. إنَّ المرسوم رقم 60 ل.ر عام 1936 ينظّم الطوائف ويعترف بها ويعطيها الاختصاص في قضايا الأحوال الشخصية الخاصة بها، إلا أنه أيضًا يعترف بالأفراد الذين لا طوائف لهم ويساوي بينهم وبين باقي المواطنين، كما يمنحهم الحقَّ باختيار القانون المدني لإدارة شؤونهم الخاصة. ولكن على أرض الواقع هنالك رفض لتطبيق هذا القانون.

لقد أثبتت الممارسة قدرة الطوائف في تعطيل تطوير التشريعات الخاصة بالأسرة أو بقضايا النساء. أفضل مثال على هذا هو قانون حماية المرأة وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري المعروف بالقانون 293 الذي منح الأولوية لقوانين الأحوال الشخصية عند وجود أي تعارض معه.

ترك هذا الواقع أثره على مسار تعاطي الدولة مع قضايا النساء، وجعله تعاطيًا شكليًا لا يلامس جوهر معاناة النساء وقضاياهنَّ، يظهر ذلك على المستويين النيابي والحكومي:

– أوَّلًا: على المستوى البرلماني نحن أمام مسار تشريعي مُجَزَّأ يُكرِّس مقاربة “أفضل الموجود”، في ظل غياب للرؤية التشريعية الواضحة، المتَّسقة والمتكاملة، بمقابل طغيان مقاربة لا تلامس قضايا الأسرة وترفض اتخاذ أي إجراء وأية تعديلات حتى على جزئيات مثل قضية تزويج الطفلات.

ثانياً: على المستوى الحكومي وما تقرّه من خطط واستراتيجيات، نحن نواجه فهماً مجتزأً أيضاً لمقاربات الدفع بالمساواة وإلغاء التمييز وحماية النساء من العنف والفصل بين الحيّزين العام والخاص، ولناحية ضعف إدراك إثر منظومة الأحوال الشخصية على ميادين حقوق النساء الإنسانية، حيث باتت عبارة “تمكين النساء” أحد شعارات المرحلة خارج سياق إدراك الحاجة إلى تعديل البنى والهياكل بشكل أوّلي. صحيح، أنَّ مسار قوانين الأحول الشخصية يبدأ ضمن حيز الاسرة، ولكنه يمتد الى الشارع والجامعة ومكان العمل ومركز الحزب والنقابة والمؤسسات الرسمية والبرلمان وكل الفضاءات العامة، مؤسِّسًا للتحرش الجنسي والاتجار بالنساء والاغتصاب وإقصاء النساء عن مواقع القرار السياسي والاقتصادي.

إنَّ هذا الحياد ليس أمراً شكلياً بل هو مسار بنيوي فيه الكثير من المظاهر والمؤشرات ومنها، أولاً إشكالية عدم تدوين كل الطوائف الدينية قوانينها، وتقديمها إلى البرلمان للموافقة عليها أو تعديلها. ثانيًا، إستقلال المحاكم الدينية عن النظام القضائي للدولة. رغم ارتباط المحاكم الشرعية والمذهبية بمجلس الوزراء وبوزارة العدل إلَّا أنها تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية، حيث الارتباط الوحيد يتمثل بالناحية المالية فحسب.

كما أن الهيئة العامة لمحكمة التمييز مخولة النظر في أي قرار مبرم صادر عن محكمة مذهبية أو شرعية لعدم اختصاصها أو لمخالفة قرارها صيغاً جوهرية تتعلق بالنظام العام، وليس لها الحق أن تنظر في توافق القوانين الدينية مع أحكام النظام العام.

إن استقلال المحاكم المذهبية يخالف التزامات لبنان الدولية مثل منظومة القانون الدولي لحقوق الانسان واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة التي تُلزم الدول بإدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها الأخرى، واتخاذ التدابير المناسبة، تشريعية كانت أوغير تشريعية، لحظر كل تمييز ضد المرأة.

كما يشكل إستقلال المحاكم الدينية مخالفة لالتزامات لبنان لأحكام اتفاقية “فيينا” حول قانون المعاهدات التي تعطي الغلبة دائماً للاتفاقية في حال تعارض الاتفاقية مع التشريع. يتوافق الواقع القانوني اللبناني مع هذه الاتفاقية الدولية من خلال نص المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني التي تؤكد سمو أحكام المعاهدات الدولية على أحكام القانون الوطني.

لنعد إلى قصص بطلاتنا الموجعة التي تشكل أمثلة لمسار طويل ومعقد من قمع النساء وانتهاك أبسط حقوقهنَّ الإنسانية ضمن دورة حياتهن الكاملة. البداية مع إجازة جميع المكونات الدينية الزواج للفتيات دون سن الثامنة عشرة. يلي ذلك مجال الحقوق والمسؤوليات الذي ينحاز للنظام الأبوي والذكوري على حساب النساء، الأمر الذي يضعفهنَّ ويجعلهنَّ عاجزات عن مقاومة العنف الممارس عليهنَّ.

كما تواجه النساء في مختلف الطوائف عقبات للحصول على الطلاق أو فسخ الزواج أو البطلان. إنما المشكلة الأكبر هي تلك المتعلقة بمجالي الوصاية وحضانة الأطفال. حق الولاية يعود إلى الأب بمفرده، وإلى الجد من بعده.

أما بشأن أحكام الحضانة فهي تختلف بين الطوائف، كما تختلف بين ذكر وأنثى ضمن مذاهب الطائفة الواحدة. وقد أدى هذا الوضع الظالم بحق النساء إلى تحاشي العديد منهن الوصول إلى الطلاق، وفي بعض الحالات تحمل العنف الجسدي والمعنوي والجنسي بسبب الخوف من خسارة حضانة أطفالهن. كما تواجه العديد منهن مشكلات على مستوى تنفيذ أحكام الحضانة وحق مشاهدة أطفالهن.

لا يمكن إغفال التمييز اللاحق بالنساء في موضوع الميراث. تمييز يكرسه إما النص عند بعض الطوائف، وإما مخالفة القواعد الإرثية الواضحة عند طوائف آخرى.

زوجات يُغتصبن، طفلات يتمّ تزويجهنَّ مبكراً، أمهات يُحرمن من أطفالهن ويتم زجهنَّ في السجون، منفصلات عن أزواجهن يطلبن الطلاق فيقضين نصف حياتهن في أروقة المحاكم الدينية للحصول على الحرية، نساء يتنازلن عن حقوقهن في الميراث، وفتيات ومتزوجات يتعرضن للعنف المعنوي والجنسي من دون القدرة على الإفصاح، أمام كل هؤلاء يكون العجز عن صياغة توصيات تتصل بالدستور أو بمنظومة التشريعات أو بسياق وصول النساء إلى العدالة، أمرًا موجعًا ومخزيًا لنا جميعًا ودلالة على عجزنا عن تحويل الكرامة الإنسانية من مجرد مبدأ إلى حقيقة واقعة.

*منار زعيتر، باحثة مشاركة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات