Search
728 x 90

اقليم صغير اسير التاريخ والجغرافيا

اقليم صغير اسير التاريخ والجغرافيا

4400 كلم2 تحمل ارثاً يمتد على اكثر من قرن من الصراعات والحروب والدم. تقع على مفترق طرق اوراسيا لتشكل “كبش محرقة” قوى عدة تطمع بموقعها الجيوسياسي الذي زاد وضعها تعقيداً بعدما دخل اليه عنصر الغاز.
ناغورني قره باخ بين ارمينيا وازربيجان، اسيرة عداوة متبادلة لا تنتهي بين البلدين منذ 1920، وحربها الحاضرة رهن زيت تصبّه انقرة على نارها عبر دعم رسمي لأذربيجان المتسلحة بترسانة اسرائيلية عصرية، كما دعم روسي وايراني “تحت الطاولة” لأرمينيا، ودعوات مجموعة مينسك (فرنسا والولايات المتحدة وروسيا) للحوار والتهدئة.

بين التاريخ والجغرافيا

مهما كان السبب لاندلاع المواجهات الأخيرة بين ارمينيا واذربيجان – ارمينا تؤكد انها قصفت شاحنة عسكرية أذرية كانت تحاول عبور الحدود، وأذربيجان تقول ان ارمينيا قصفتها من دون سبب – فإن اقليم ناغورني كاراباخ لم يسلم يوماً، لا من التاريخ ولا من الجغرافيا ولا من الديمغرافية. فهو، ذات اكثرية شعبية ارمينية مسيحية (93% من سكانه من ارمينيا) تمّ إلحاقه بألذربيجان المسلمة. كما ان موقعه الجغرافي يقطع المساحة الأذرية الى قسمين، بحيث انه يخضع للسيطرة الأرمينية فيما تحيط به الأراضي الأذرية بحيث تحوّل الى قنبلة موقوتة تنفجر كل فترة قبل ان تهدأ وتعود للإنفجار مرة اخرى.
قصة اقليم ناغورني كاراباخ تعود الى العام 1923، يوم قرر المفوض السوفياتي جوزف ستالين في الاتحاد السوفياتي السابق، تحويل الاقليم ذات الحكم الذاتي الى منطقة تابعة لأذربيجان. وبقيت ارمينيا تطالب طوال 60 عاماً بضم الاقليم ذات الاكثرية الشعبية الارمينية الى اراضيها، الى ان بدأ كيان الاتحاد السوفياتي بالإحتضار في شباط 1988 وتصاعدت الحركات القومية في كل الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفياتي. فانطلقت تظاهرات شعبية في يريفان تطالب بضم الإقليم قبل ان تندلع معارك بين الدولتين وعمليات تطهير عرقي من الجانبين، كان ابرزها ما سمّي “مذبحة سومجايت” التي اسفرت عن طرد الارمن من هذه البلدة بالقرب من باكو.
تزامناً صوّتت السلطات المحلية في كاراباخ للانضمام إلى أرمينيا، بينما شنّت قوات الأمن السوفياتية حملات قمع طوال 3 سنوات في كل من أرمينيا وأذربيجان لوقف العنف المتصاعد.
وبقي الوضع على حاله من الكر والفر الى ان انهار الاتحاد السوفياتي أواخر العام 1991، فبدأت ناغورني كاراباخ تطالب باستقلالها عن أذربيجان ، والانضمام إلى أرمينيا في اعقاب استفتاء شعبي شامل. الا انها لم تحصل سوى على اعلان “جمهورية مرتفعات كاراباخ “، التي لم تحز على اعتراف أي دولة، بما فيها أرمينيا.
ولم يلبث الصراع ان انفجر بقوة بين البلدين العام 1992 حاصداً في 3 اعوام اكثر من 20 الف شخص من الجهتين وتشرّد اكثر من مليون آخرين. وقد سيطرت ارمينيا العام 1993 على “منطقة آمنة” داخل أذربيجان، تقع بين ناغورني كاراباخ وأرمينيا وتبلغ مساحتها نحو 8 آلاف كيلومتر مربع أي نحو 20 % من مساحة أذربيجان. واستمرت الحرب الى ان تم التوصل الى وقف إطلاق النار العام 1994 بفضل مساع روسية ومجموعة “مينسك” (فرنسا والولايات المتحدة وروسيا) التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
الا ان وقف النار لم يهدئ الجبهات حيث سقط اكثر من مئتي جندي قتيل من الجانبين معاً في حرب الأيام الأربعة في نيسان 2016 ، يضاف اليها تسجيل مجموعة الأزمات الدولية اكثر من 300 خرق لوقف النار منذ كانون الثاني 2015… الى ان اعلنت الرئاسة الأذرية الحرب على أرمينيا منتصف ليل 27-28 ايلول 2020.

ما الذي حصل؟

ما الذي حصل في العقدين الأخيرين لينفجر الوضع بهذا العنف؟
بعد اضمحلال الاتحاد السوفياتي، أفادت اذربيجان من عائدات نفطية عالية على اراضيها سمحت لها برفع انفاقها الدفاعي بين 1990 و2010 بنسب كبيرة جداً. وقد افاد تقرير عسكري اصدره مركز تحليل الإستراتيجيات والتقنيات في موسكو العام 2018 ان انفاق اذربيجان الدفاعي السنوي ارتفع من 700 مليون دولار العام 2007 إلى 3.7 مليار دولار العام 2013، خمسة مليارات دولار منها، دبابات روسية من طراز T-90C Battle وناقلات جند مدرعة نوع BTR-82A وطائرات هليكوبتر طراز Mi-35M وغيرها من المعدات.
تضاف الى ذلك، ترسانة عسكرية من اسرائيل، ولا سيما منها عشر طائرات IAI Harop “درونز” من دون طيار، كما صواريخ Spike الموجهة المضاد للدبابات التي يصل مداها إلى 15 ميلًا ما وراء النطاق المرئي.
فتجارة السلاح هي عامل فاعل ومؤثر في الحرب بين البلدين، خصوصاً انها تشمل بلايين الدولارات ولا سيما ان دولة واحدة – مثل روسيا- قد تبيع الدولة الاولى سلاحاً هجومياً والثانية السلاح المضاد لها.
ويجب عدم اغفال القيادة الارمنية الشابة التي لا تتورع في خوض الحرب للدفاع عماً تعتبره حقاً لها في ناغورني كاراباخ، وفي الشريط الامني الذي احتلته في محاذاة حدودها مع اذربيجان والذي تخاف ان يشكل منطلقاً اذرياً للهجوم عليها وعلى الإقليم المستقل، إن خسرته.

ابحثوا عن الغاز

لماذا يشكل النزاع الارميني- الأذري اهمية بارزة بالنسبة الى اوروبا وتركيا وروسيا وايران؟
ابحثوا عن الغاز. يقول اكثر من مركز ابحاث غربي. فهناك خطان رئيسيان لأنابيب النفط والغاز يمرّان من أذربيجان إلى تركيا عبر منطقة توفوز في موازاة الحدود، بحيث تعتبر امدادات الغاز والنفط في جنوب القوقاز ذات اهمية كبرى من اذربيجان الى تركيا، ومنها الى اوروبا والاسواق العالمية الأخرى. فأذربيجان تزود اوروبا بـ 5% من حاجاتها من النفط والغاز.
اما في ارمينا، فطريق يريفان – تبليسي السريع، احد المعابر الدولية الثلاثة المفتوحة مع جورجيا.

الدور التركي

تركيا، وعلى عكس المسار الدولي الداعي الى التهدئة والحوار بين اذربيجان وارمينيا، تسلك طريقاً تحريضياً علنياً لاستمرار القتال. فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان قال بعد اقل من 48 ساعة على اعلان الحرب انه “يدعو العالم بأسره للوقوف مع أذربيجان في معركتها ضد الغزو والوحشية”، مؤكداً تصميم انقرة على مساعدة أذربيجان في استعادة “أراضيها المحتلة”.
وقد اكدت وكالة رويترز في 29 ايلول ان تركيا نقلت بين 700 وألف مرتزق سوري إلى أذربيجان.
والى جانب العداء التاريخي بين تركيا وارمينيا والحقد التركي على الأرمينيين الذين لم يتوقفوا يوماً عن المطالبة بالإعتراف التركي بالإبادة الارمنية في حقبة السلطنة العثمانية، فإن انقرة تسعى الى امتلاك ورقة اذربيجان القوية في وجه تركيا التي تتمتع بموقع مميز في ارمينيا التي تُعتبر مركزاً حيوياً لموسكو في القوقاز.
ثم ان السياسة العدوانية التوسعية التي يمارسها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اخيراً تحتّم ان يحجز لأنقرة دوراً في الحرب المستجدة في القوقاز، مما يمّكنها من مفاوضة روسيا على طاولة الملفين في كل من ليبيا وسوريا، ناهيك عن اوروبا في النزاع الشرقي المتوسطي مع اليونان حول التنقيب عن الغاز.
اسرائيل على الخط
اسرائيل من جهتها لم تتأخّر بالدخول على خط حرب جنوب القوقاز، وإن بشكل غير مباشر. فهي بنت علاقات وثيقة ما اذربيجان وكانت من بين الدول الأولى التي اعترفت باستقلالها العام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مفتتحة سفارة لها في العاصمة الأذرية باكو بعد عامين فقط.
وقد كشفت معلومات دبلوماسية مسربة في برقيات “ويكيليكس” العام 2011 ان اسرائيل ابرمت مع اذربيجان صفقات بيع اسلحة متطورة بعشرات ملايين الدولارات كما انها تستعمل الأراضي الأذرية كمنصة تجسس على ايران بحيث اقامت مركزاً متقدماً لها لا يبعد سوى مسافة ساعات عن الحدود الأذرية- الايرانية. وكشف الرئيس الأذري إلهام علييف حينها، عن توقيع عقود بين شركات أذرية وأخرى إسرائيلية لشراء “معدات دفاعية” بقيمة تصل لنحو 5 مليارات دولار.
ونشرت مجلة Foreign Policy في مقال لها العام 2012 ان تل ابيب باعت اذربيجان اسلحة بقيمة 1.6 مليار دولار، من ضمنها طائرات من دون طيار وأنظمة دفاع.
وقد ظهرت الى العلن الأسلحة الاسرائيلية في خلال المعارك الأخيرة بين البلدين حيث اسقطت ارمينيا طائرة أذرية من دون طيار من نوع “Elbit Hermes 900” هي اسرائيلية الصنع، ويرتفع سعرها الى 30 مليون دولار فيما اشترت باكو 8 منها، وذلك بعدما قصفت طائرة أذرية مسيّرة من طراز “Orbiter 1K” في تموز العام 2017، موقعاً للجيش الأرميني في منطقة مرتفعات “قره باغ”. وتبيّن في وقت لاحق ان خبراء اسرائيليين تولوا تنفيذ القصف في اطار عملية تدريب بالنيابة عن الأذريين، مما استدعى تحقيقياً حكومياً اسرائيلياً وتجميد تسليم الأذريين هذا النوع من الطائرات.
يضاف الى ذلك، ان اسرائيل تخطط لاستعمال الأرا ضي الأذرية كمحطة لطائراتها للتزود بالوقود في حال نفذت اي هجوم محتمل على المنشآت الايرانية. وقد نقلت وكالة “رويترز” العام 2012 ايضاً عن عسكريين أذربيجانيين أن “أذربيجان وإسرائيل تدرسان كيف يمكن للقواعد والمخابرات الأذرية المساهمة في أي هجوم محتمل على إيران”.
وفي الموازاة، يشكل التبادل التجاري بين اسرائيل واذربيجان حصة كبيرة من الحركة التجارية الأذرية خصوصاً ان باكو تزوّد اسرائيل بنحو 40% من استهلاكها السنوي من النفط، وتُعتبر تل ابيب سادس أكبر مستورد لصادرات النفط الأذرية الذي يصلها عبر خط انابيب نفط تمر عبر تركيا.

روسيا وايران في الجهة المقابلة

وفي الجهة المقابلة، تقف روسيا الى جانب ارمينيا التي عقدت معها اتفاقية “دفاع جوي مشترك” العام 2015 ، كما انها تمتلك قاعدة عسكرية في ارمينيا. والدولتان عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. الا ان ذلك لا ينفي وجود علاقات بين اذربيجيان وروسيا التي كانت تملك محطة رادار كبيرة على الاراضي الأذرية والتي ابرمت صفقات اسلحة عدة مع الأولى.
في حين ان ارمينيا تعتبر ايران الحليف الذي لا بدّ منه في ظل بيئة معادية تخنقها: أذربيجان من الشرق، وتركيا من الغرب، وجورجيا من الشمال. وهي تعوّل على النفط والغاز الايرانيين، بحيث ان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، دشّن خط الأنابيب لنقل الغاز إلى أرمينيا مقابل حصول طهران على إمدادات من الكهرباء الأرمينية. كما ان ايران تعتمد على ارمينيا لتقويض اي مخططات اسرائيلية – أذرية ضدها.
من هنا التأكيد الايراني عدم تورط طهران في النزاع. وقد اكد مدير مكتب الرئاسة الإيرانية في 30 ايلول 2020 ان “إتهامنا بدعم أرمينيا في نزاعها مع أذربيجان مجرد شائعات لا أساس لها”، نافياً ” نقل روسيا معدات عسكرية إلى أرمينيا عبر الأراضي الإيرانية”. كما شددّ الرئيس الإيراني حسن روحاني في اتصال مع رئيس وزراء أرمينيا اخيراً ان “المنطقة لا تحتمل حربًا جديدة وحل الخلاف يتم عبر الحوار” .

الى اين؟

اذاً الى اين الصراع الأذري- الأرميني؟
الى الأفق المسدود وفق ما يتفق عليه اكثر من محلل عسكري خبير بشؤون القوقاز. فأيا من الطرفين غير مستعد للتنازل قيد أنملة عن مواقفه لحل الأزمة.
فأرمينيا تخشى، إن تنازلت عن الشريط الأمني الذي يضمن أمنها بين اراضيها وناغورني كاراباخ، أن تتخذه باكو نقطة انطلاق لهجوم على الإقليم بالكامل.
اما أذربيجان فتراهن على عامل الوقت كما على قوتها العسكرية وميزانيتها الدفاعية الكبرى وتعدادها السكاني الذي يفوق اربع مرات عدد سكان ارمينيا.
اما العامل الخارجي فيحاول اطفاء النار التي تحثّ تركيا على إشعالها. فموسكو لا تنفك تدعو الدولتين المتقاتلتين الى التحاور لأنها تريد تجنّب حرباً شاملة في القوقاز خصوصاً انها تقيم علاقات مع الجهتين معاً. وقد أكد رئيس الوزراء الروسي ان الحل السلمي هو الوحيد للأزمة بين أرمينيا وأذربيجان فيما دان الكرملين تركيا من دون ان يسميّها قائلاً ان “تصريحات الدعم العسكري لأطراف الصراع حول كرباخ تصب الزيت على النار”. والموقف الايراني جاء مطابقاً في الدعوة الى “التحاور وحل الأمور سلمياً”.
وإذ شدد وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو على العمل “من أجل العودة للمفاوضات بأسرع وقت في أزمة ناغورني كاراباخ” أكد الإتحاد الاوروبي وجوب العودة الى طاولة المفاوضات.
إلا ان الحرب كما السلم يبدوان بلا أفق. الأولى لأنها منهكة على المدى الطويل، والثاني لأنه سيتطلب اثماناً باهظة ما من أحد مستعد لدفعها في ظل عداوة لا تنتهي وإرث تاريخي طويل من الحروب جعلت من اقليم ناغورني كراباخ الصغير نقطة ملتهبة في قلب جنوب القوقاز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات