Search
728 x 90

افشال مبادرة ماكرون بين الداخل والخارج

افشال مبادرة ماكرون بين الداخل والخارج

تختلط الامور حتى على اللبنانيين ازاء الاسباب التي ادّت الى فشل المبادرة التي تقدم بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لإنقاذ الوضع اللبناني من انهياره المتسارع.

هل هي العراقيل المحلية المتصلة بتذرع الثنائي الشيعي الذي يمثله رئيس مجلس النواب نبيه بري و”حزب الله ” والسقف المرتفع لمطلبه بتثبيت وزارة المال من حصته وتالياً تسمية وزرائه، ام هم رؤساء الحكومات السابقون بتشبثهم بموضوع المداورة بالحقائب والاصطفاف داخلياً بناء على ذلك، ام هي الاسباب الخارجية المتصلة بعدم رغبة ايران النافذة عبر ذراعها العسكرية “حزب الله” ببيع اي ورقة في لبنان للولايات المتحدة وليس لفرنسا؟ وهل هي اسباب سياسية تتعلق بنفوذ فرنسا في المنطقة، او هو ايضاً الصراع على النفط والغاز في المنطقة، ما يجعل لبنان غير المستثمرة آباره البحرية حتى الان قبلة للتناتش الاميركي – الايراني – الروسي – التركي وحتى الاسرائيلي؟
لم تشكل المأساة الكارثية التي تسبب بها انفجار مرفأ بيروت في الرابع من شهر آب الماضي اي جرس انذار للسلطة والقوى المتحكمة فيها على غير ما يفترض بحادث مأسوي من هذا النوع دمّر نصف العاصمة وقتل 200 شخص وجرح اكثر من 7000. فأحداث من هذا النوع تشكّل نقطة مفصلية فعلية وتغييرية، وهو ما امله الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي زار لبنان مرتين بعد انفجار المرفأ عارضاً خريطة طريق تساعد لبنان للصمود وربما للإنقاذ اذا احسن قيادة المرحلة المقبلة.
ولا يمكن القول ان التحرك الفرنسي الذي حفزه انفجار المرفأ جديد كلياً، لكنه كان يمارس ضغوطاً على القوى السياسية من اجل تنفيذ اصلاحات تبرّر للدول مساعدته. فالسلطة التي يتحكم بها ” حزب الله” الموالي لايران تسببت في السنوات الماضية ولا سيما منذ ايصال حليفه العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية في عزلة قاتلة على خلفية تحويله لبنان منصة لحملات سياسية واعلامية ضد الدول الخليجية فيما ان الولايات المتحدة الضاغطة بعقوبات على الحزب المصنف ارهابياً احدثت ارتدادات في الداخل ترجمت في الآونة الاخيرة وبعد انطلاق انتفاضة شعبية في 17 تشرين الاول 2019 ، تدميراً منهجياً للاقتصاد اللبناني وقطاعه المصرفي.
البلد الذي كان يتجه بخطى حثيثة الى الانهيار قبل هذه الانتفاضة التي نزل فيها الناس الى الشارع مطالبين بالتغيير شهد تسارعاً في هذا الاتجاه. وقد عمدت القوى السياسية الى التصدي لمطالب الناس بدفعها الى مكان آخر كالثورة على القطاع المصرفي مثلا فيما ان مطالب الناس شكلت حافزاً للدول الخارجية للضغط على القوى السياسية من اجل التغيير.
وهذا الضغط تم ربطه بعدم الانفتاح على تقديم اي مساعدة للبنان قبل الذهاب الى تنفيذ اصلاحات جذرية قي قطاعات تستنزف اموال اللبنانيين. لكن قوى السلطة آثرت عدم تنفيذ هذه الاصلاحات التي من شأنها ان تضعف قبضتها على السلطة وعلى الاموال التي تسيطر عليها او تقتطعها من مرافق الدولة على رغم كرة الانهيار المتدحرجة والعزلة الخانقة وحتى العجز عن التفاوض مع صندوق النقد الدولي من اجل فتح ثغرة او نافذة تساعد البلد.
عدّ كثر ذلك دفعاً من قوى السلطة في اتجاه انهاء صيغة لبنان الاقتصادية والسياسية تمهيداً لاعادة صياغته وفق موازين قوى مختلفة يتحكم فيها ” حزب الله” بالواقع السياسي في البلد ويسيطر عليه.
فقبل اسابيع قليلة من انفجار المرفأ ، صعّدت فرنسا ضغوطها عبر موقف لوزير خارجيتها جان ايف لودريان ناشد به بقسوة قوى السلطة في لبنان اجراء اصلاحات لانقاذ لبنان قائلا” بحق السماء ساعدوا انفسكم لنساعدكم” . ثم زار بيروت على الاثر حاملاً الانذار نفسه مؤكداً عدم الاستعداد للمساعدة من دون تنفيذ اصلاحات ضرورية وماسة . لكن انذاراته وقعت على اذان صماء حتى انفجار المرفأ ومسارعة الرئيس الفرنسي الى جوار اللبنانيين لمواساتهم ومساعدتهم.

الأمين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس قال خلال مشاركته مع وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان في ترؤس اجتماع وزاري رفيع المستوى لأعضاء مجموعة الدعم الدولية للبنان بعد شهر ونصف الشهر على انفجار المرفأ إن لبنان يواجه “عاصفة عارمة”. فهو يتخبط في أزمة مالية واجتماعية اقتصادية مطولة في ظل ارتفاع غير مسبوق في مستوى البطالة والفقر، إلى جانب أزمة جائحة كوفيد-19 الصحية.
وبعد أحد عشر شهراً من نزول كثيرين إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، هناك مؤشرات قليلة على خطوات ملموسة لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بحسب الأمين العام.
وهذا التوصيف جاء بعد تقديم ماكرون خارطة طريق للقوى السياسية من خلال دعوة رؤساء الكتل النيابية الى مقر السفير الفرنسي في قصر الصنوبر الذي شهد اعلان لبنان الكبير في العام 1920 اعلنوا موافقتهم عليها بالاجماع. كان الجميع تحت وطأة انفجار المرفأ وتداعياته الخطيرة على كل المستويات كما ان قوى السلطة الممثلة بالحكومة التي تضم ” حزب الله” وحلفاءه فرحت بما عبّر عنه رئيس الجمهورية من انه تم فك عزلة لبنان عنه وبحديث جرى بين ماكرون ورئيس كتلة ” حزب الله” النيابية.
هل فتح هذا اللقاء ابواب الاعتراض لا بل العرقلة الاميركية لاسباغ فرنسي شرعية على الحزب ترفضها الولايات المتحدة؟ هذا ما يعتقده كثر في ظل مواقف اميركية لم تخف تحفظاتها القوية على هذا الجزء المتعلق من مقاربة الرئيس الفرنسي للوضع في لبنان على رغم اهتمام واشنطن بانقاذ لبنان ليس الا منعاً لاهتزاز الاستقرار. لكن ما تصدى للمقاربة الفرنسية هو واقع عدم الرغبة، لا الاميركية ولا الخليجية العربية، في تعويم قوى السلطة اي ” حزب الله” وحلفائه عبر مدّهم بالاوكسيجين الذي شكله انفتاح ماكرون.
وهذا واقع لا يمكن انكاره ويعزى اليه تشدد رؤساء الحكومات السابقين وفي مقدمهم الرئيس سعد الحريري ازاء طبيعة الحكومة اي الاّ يسمي الافرقاء السياسيون الوزراء من اجل ان تكون فريقاً واحداً متخصصاً يمكن ان يعمل بعيداً من تأثير القوى السياسية من اجل انقاذ البلد.
وهذا مبدأ صحيح لولا انه نسب الى هذا الفريق عدم تساهله في هذا الموضوع انسجاماً مع موقف خليجي لم يلبث ان عبّر عنه العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز الذي اتّهم ” حزب الله” بالسيطرة على لبنان وبأنه وراء عدم الاستقرار فيه مطالباً بنزع سلاحه.
تمّ رفض اعطاء الثنائي الشيعي ما يريد فيما انه سعى الى الاستفادة من المبادرة الفرنسية لتوظيفها بحيث تكرّس له حقيبة وزارة المال وتسميته دوماً وزراءه في الحكومة ما دام الامر سيجري برعاية فرنسية.
وهذا يعني عملانياً تعديلا ًدستورياً ضمنياً من دون اجراء التعديل الفعلي من خلال انشاء عرف في تأليف الحكومات علماً ان السبب كما يقول عارفون يكمن في عدم رغبة الفريق الشيعي بانكشاف ما تخبئه اسرار وزارة المال التي يسيطر عليها منذ اعوام. فيما وانه على الطريق الى تأليف الحكومة التي كان وافق الثنائي الشيعي على مبدأ مداورة الوزراء، اعلنت الخزانة الاميركية عقوبات طاولت وزيرين سابقين من حلفاء الحزب ومسهلي تهرّبه من العقوبات وجني الاموال.
اتخذ الثنائي من الخطوة الاميركية ذريعة لرفع سقف الشروط ورميت عرقلة المبادرة الفرنسية على عاتق الولايات المتحدة فيما ان فرنسا التي اجرت اتصالات بإيران من اجل تليين ” حزب الله ” موقفه وتسهيل قيام حكومة تمنع المزيد من الانهيار لم تقابل بايجابية. وذلك فيما سرى ان ايران لن تتنازل عن مطالب فريقها في الحكومة قبل اتضاح نتائج الانتخابات الاميركية اذ تمسك ايران لبنان كورقة تفاوض لن تساوم عليها قبل الانتخابات. وهو منحى اكده رفض الحزب التخلي عن حكومة حسان دياب التي تضمه مع حلفائه على رغم انفجار المرفأ بذريعة وجوب بقاء الحكومة الى ما بعد الانتخابات الاميركية لولا ان ضغوطاً كبيرة حصلت وأجبرته على التخلي عن الحكومة.
قال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط انه، وفيما كان في باريس اثناء هذه الازمة، اجرى اتصالات مع كل من الرئيسين بري والحريري قائلاً ان الاثنين لم يتجاوبا مع ما طرحه لحل الازمة كاشفاً ان بري يتعرض لضغوط للثبات في الاصرار على ما اعتبر” ميثاقية” وزارة المال، اي اعتبارها للطائفة الشيعية التي تريد توقيعاً لها الى جانب توقيع كل من رئيس الجمهورية المسيحي ورئيس الحكومة السنّي. وهو عملياً يؤدي الى ” مثالثة” في التوزيع الطائفي فيما انه اليوم مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، فيصبح بين المسيحيين والسنّة والشيعة.
وقعت مبادرة ماكرون بين الشروط والشروط المضادة، فاضطر رئيس الحكومة المكلف مصطفى اديب الى الاعتذار عن الاستمرار في تأليف الحكومة رفضاً إعادة استنساخ الحكومات السابقة حيث تمارس القوى السياسية نفوذها وتمنع الاصلاح.
وحملّت فرنسا التي مُني رئيسها بنكسة قوية، القوى اللبنانية جميعها المسؤولية ولاقاه في ذلك كل من الامم المتحدة والولايات المتحدة، وقد وجدت جميعها مفجعاً تقديم القوى السياسية مصالحها الخاصة على مصلحة لبنان وذلك فيما كان حذر رئيس الجمهورية بتعبير فظ ان البلد يتجه الى ” جهنّم” في حال لم تتألف الحكومة. جهنّم هذه يعيشها اللبنانيون في الواقع على خلفية تراجع مخيف في مستوى معيشتهم وضياع ودائعهم وانتشار الفقر بنسبة جاوزت 50 في المئة من الشعب اللبناني. لكن لم تر القوى السياسية مشكلة في افقار الناس او دفع البلد الى جهنّم في مقابل عدم تخطّيها اعتبارات الدول الاقليمية والدولية التي حوّلت لبنان ساحة مجدداً لخلافاتها ولا سيما بعدما استكانت الساحة السورية.
هل يدفع لبنان الى تغيير صيغته السياسية تحت وطأة انهيار تام يصيبه بعد تجفيف احتياط المصرف المركزي والقطاع المصرفي ورفض التنازل عن تغيير دستوري قسري ضمني ان لم يكن علنياً، ام ان اللعب يستمر على حافة الهاوية من اجل التسليم لايران بنفوذها وضمان عدم المسّ بسلاح ” حزب الله” لا بل شرعنته لقاء ذلك؟
لا اجوبة لدى احد فيما لا يمتلك الافرقاء اللبنانيون قرارهم فعلاً بدليل تسليم امورهم الى ماكرون لتأليف الحكومة والامساك به وان على طريقتهم. لكن الثابت ان لبنان الذي كان مسرعاً الى الانهيار يخشى ان لا فرامل تحدّ من اندفاعته او تخفف من وطأة الكارثة او الجحيم الذي يتجه اليه، اكان اسمه فنزويلا او الصومال .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات